موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الغرب والشرق > نجاح «أوباما» اختبار لدور الفرد في التاريخ ! ... مصطفى نور الدين

نجاح «أوباما» اختبار لدور الفرد في التاريخ ! ... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ١٢ نوفمبر ٢٠٠٨

الأربعاء 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

نجاح «أوباما» اختبار لدور الفرد في التاريخ


أوروبا تتمرد علي الهيمنة الأمريكية...

مصطفي نور الدين

انتصار باراك اوباما قد يكون نتاج "تحول في الهوية الأمريكية" كما يقول جون لويس، عضو الكونجرس (الأسود) عن جورجيا وربما أيضا "نهاية للحرب الأهلية" بين البيض والسود حسبما يقول توم فريدمان في "نيويورك تايمز"، فهل سيكون الانتصار أيضا نهاية لحروبها الخارجية العدوانية وهيمنتها الأحادية ؟

إن تفرد الحدث بوصول أفرو-أمريكي إلي الرئاسة يضع ممارسات الإدارة المقبلة تحت مجهر العالم لرصد تجسد خطاب "اوباما" السياسي الداعي للحوار أو استمرار أمريكا دون تحول في هويتها حيال الخارج بانفصال عن لون بشرة الرئيس أو حزبه.

إصلاح بالتفاوض

فالفرصة فريدة لرئيس من قاع مجتمع المواطنين السود المقهورين وكذا لعدم انتمائه لرأس المال الكبير. فهل بإمكانه المساهمة في صناعة عالم آخر ليس أمريكيا مائة في المائة يحترم تعدد الثقافات والحضارات ولا يكون الصدام بينها حتميا. فوصول اوباما اختبار لأطروحة دور الحاكم كفرد في حقبة تاريخية انحسرت فيها سلطة الدولة وأصبحت تحت هيمنة رأس المال وتحكمها صراع المصالح. وموضوعيا برغم توفر أغلبية مريحة للرئيس الجديد فهي لا تكفي لدعم مشروعه الإصلاحي الاقتصادي والاجتماعي والضرائبي. فالجناح المعتدل من الجمهوريين فقد مقاعده في الكونجرس واشتد ساعد الجناح اليميني المتشدد. وفي مجلس النواب هناك من الديمقراطيين من يختلف مع الرئيس. وصرح اوباما بانه سوف يواجه بمعارضة لبرنامجه من الجمهوريين ومن بعض الديمقراطيين أيضا. إذن فالإصلاح سوف يقوم علي التفاوض وربما برفض لبعض أبعاده الاجتماعية مثلما حدث مع كلينتون عام 1993. فهل بإمكان اوباما الاعتماد علي الشارع الذي سانده لمواجهة معارضة المؤسسات السياسية برفع شعاره "نعم .. بإمكاننا"؟

ويأتي أوباما وسط حروب خربت المجتمعات ولم يستفرخ عنها أي صحوة ديمقراطية عالمية كما شاع لتبريرها. ثم تفجرت أزمة الرأسمالية بشكل غير مسبوق، فهمه الأول اقتصادي محلي. ولكن الأزمة عالمية فهل في هذا شروط جديدة لحركة تاريخ مختلف وأفضل ؟

أوربا والبحث عن دور في الدبلوماسية العالمية

تلك المعطيات تدفع الاتحاد الأوربي بدأب وبشكل هجومي إلي المطالبة بالمشاركة الندية مع أمريكا في صنع التاريخ العالمي القادم. والخطاب الأوربي لأمريكا يصر علي حتمية أن تتمتع بدور الشريك وعلي قدم المساواة. إذ صرح برنار كوشنر، وزير الخارجية الفرنسي، بأن أوربا "لن توقع علي شيك علي بياض للإدارة الأمريكية الجديدة.. ولقد انتهي دور الدولة المتفردة في اتخاذ القرار بشكل أحادي. فتلك "فكرة بالية فأوربا الآن موجودة".

وكان وزراء خارجية دول الاتحاد الأوربي قد اعتمدوا وثيقة، يوم 3 نوفمبر في مدينة مرسيليا الفرنسية، موجهة للإدارة الأمريكية وتطالب الولايات المتحدة بأن "تأخذ في الاعتبار أهمية المشاركة الأوربية في الملفات الدبلوماسية الكبري لأن أوربا أثبتت فاعليتها في مواجهة الأزمة العالمية الراهنة التي بدأت في أمريكا... ولابد أن يتساوي هذا الدور في المشاركة متعددة الأطراف لاتخاذ القرارات المتعلقة بالبلدان الصاعدة ومشكلة الشرق الأوسط والأوضاع في أفغانستان والعلاقات مع روسيا." أو بحسب تعبير رئيس اللجنة الأوربية، جوزيه مانويل باروزو : "إننا نطالب الولايات المتحدة بعقد "نيو ديل" مع أوربا".

ففيما يخص مسألة الصراع العربي الإسرائيلي ففي الغالب هو من الموضوعات المؤجلة بالنسبة للإدارة المقبلة إلي حين انتهاء الانتخابات الإسرائيلية في فبراير إلي جانب استمرار الصراع الفلسطيني - الفلسطيني. ومن الممكن أن تقبل إسرائيل الدور الأوربي في ظل الجهد الذي تبذله في تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية في ملتقي "الاتحاد من أجل المتوسط" والذي تجسد، في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في أوائل نوفمبر في مرسيليا. إذ وافق العرب علي احتلال إسرائيل منصب نائب الأمين العام للاتحاد مقابل عدم اعتراضها علي قبول جامعة الدول العربية كعضو كامل العضوية بالاتحاد. فالتحاق الجامعة بالاتحاد هو التجسيد التام لعملية التطبيع الذي يخجل من قول اسمه !

حوار مع إيران

وسعي اوباما المعلن للحوار مع إيران لن يكون عقبة في التوصل لنقاط اتفاق مع أوربا إذ كانت مشاركة في حوار مع إيران بشراكة فرنسية وبريطانية وألمانية وروسية توقفت بضغط أمريكي. وهذا لا ينفي أن أوباما يستخدم نفس مصطلحات بوش بشأن حزب الله وحماس أي طبقا للتصنيف الأمريكي كحركات إرهابية. والحوار مع سوريا يتمتع بذات الحظ في التلاقي بين أوربا وأمريكا مع إعادة العلاقات بين فرنسا وسوريا وجو التطبيع الذي حدث في إطار "الاتحاد من أجل المتوسط" والمباحثات الإسرائيلية السورية بوساطة تركية.

ولعل النقطة السوداء الأخري التي تظل عالقة بالسياسة الأمريكية هي استمرار الحرب بأفغانستان. إذ أن اوباما جعل من تلك الحرب أولوية وسيدعو الأوربيين للعون فيها وإن كانت فرنسا موافقة وعاودت إرسال قوات جديدة بعد مقتل عشرة من جنودها فإن دولا أوربية أخري لا تريد الذهاب أبعد في هذه الحرب وتميل لفتح مفاوضات مع طالبان التي يمتد سلطانها ويقدر الغالبية من المحللين استحالة كسب الحرب ضدها.

وإفريقيا

ومن المتوقع تطور العلاقات الأمريكية-الأفريقية من منظور جديد لإعادة رسم خريطة القارة مع الاتحاد الأوربي لمواجهة التواجد الصيني والروسي. فالتنافس علي إفريقيا ومواردها ورقة مهمة ستكون حاسمة في سياسة أمريكا في ظل وجود جماعات ضغط سوداء تطالب بعلاقات أفضل مع شعوبهم الأصلية.

ولأن تلك المشاكل متداخلة فيلزمها منهجية مركبة. فلا يمكن حل الصراعات القائمة لا في فلسطين أو مع إيران أو العراق بشكل منفصل عما يحدث في المشاكل مع روسيا ونشر درع الصواريخ الأمريكية علي حدودها وضم دول القوقاز إلي حلف شمال الأطلنطي بجانب الصراعات الهندية الباكستانية وقضية كشمير وعلاقات باكستان بالطالبان وقضايا التواجد النووي في باكستان وإيران ويضاف كل المسائل الخاصة بالأقليات والصراعات التابعة لها في الدول السابقة بجانب تركيا.

أوربا والدول الصاعدة

ثم هناك الانشغال الأوربي بنظام عالمي "جديد" بعد تفجر أزمة الرأسمالية الراهنة وهو ما سيتم التداول حوله في واشنطن في منتصف نوفمبر وسوف يحدد معالمه الاتحاد الأوربي مع الولايات المتحدة وبمشاركة الدول الصاعدة.

عشرون ومائة

وعاود رؤساء دول الاتحاد الأوربي في اجتماع استثنائي في بروكسل، عاصمة بلجيكا، في 7 نوفمبر، ببلورة اتفاق لإستراتيجية موحدة تعبر عن (27 دولة) لتقديمها في مؤتمر العشرين دولة الكبري يومي 15 و16 نوفمبر في واشنطن. والملاحظ أنه لم يعد هناك كلام عن إعادة تشييد الرأسمالية، كما يطالب نيكولا ساركوزي، وإنما العمل "علي إصلاح النظام المالي العالمي وأن يكون لصندوق النقد الدولي دور محوري دوليا في الرقابة والتنبيه لاحتمال وقوع أزمات. يضاف إلي ذلك تشديد الرقابة علي مكاتب تقويم المخاطر وعلي المؤسسات المالية من جهة محايدة والتوصل إلي تحقيق الشفافية المصرفية وتحاشي المخاطر... ". وسوف تقترح أوربا في واشنطن عقد مؤتمر عالمي بعد مائة يوم من هذا الاجتماع لمناقشة نفس المسألة بغية مواصلة نفس الهدف بتطبيق مزيد من الإجراءات مع الإدارة الأمريكية الجديدة بعد شهر من انتقال السلطة إلي اوباما.

وفي سان باولو عاصمة البرازيل عقد اجتماع، في 7 نوفمبر، ضم كلا من وزراء مالية ومديري البنوك المركزية للدول العشرين التي ستشارك في مؤتمر واشنطن وتلك الدول تستحوذ وحدها علي 85 % من إجمالي الدخل المحلي العالمي. وصرح "لولا" الرئيس البرازيلي باسم المجتمعين عن ضرورة "تشكيل هيكل مالي دولي جديد قادر علي ضمان أمن وتطور المجتمعات بصورة عادلة وعلي قدم المساواة. وكذا الحاجة إلي "حكومة عالمية رشيدة" أكثر انفتاحا ومشاركة في اتخاذ القرارات. بالإضافة إلي ضرورة أن تكون للدول الصاعدة الكبري (البرازيل، روسيا، الصين والهند) كلمة في اتخاذ القرار".

وكما هي العادة نسجل غياب بلدان الجنوب بما فيها العربية. فمازالت الدول المهيمنة عالميا تتصرف بنفي وجود هذا الجنوب برغم تملكه من أوراق حاسمة في الاقتصاد العالمي كأسواق لسلعه واستثماراته وكمصدر للمواد الأولية الضرورية لاقتصادياته. والعلة معلومة إذ أن النظم الحاكمة بهذا القسم من العالم غير ديمقراطية ويعم بينها الفساد وتكتفي بالاستيلاء علي الثروة وتلعب دور التابع للقوي المهيمنة ولا تبذل أقل قدر من الضغط للمساهمة بدورها في اتخاذ قرارات سوف تفرض عليها.

ولا يعتقد أي من المحللين أن اجتماع واشنطن سيقدم تغيرات جوهرية. وفي حديث مع دومينيك ستروس الذي كان، مديرا لصندوق النقد الدولي، في صحيفة فينانشيال تايمز في 8 نوفمبر، أقر بأن المؤتمر لن يقود إلي اتفاقية دولية جديدة أي لن يكون هناك "بريتن وودز جديدة". وأن المؤتمر سوف يجمع حصيلة الدراسة التحليلية التي تمت واتخاذ قرارات لمواجهة الأزمة ثم البحث بعد ستة شهور في نتائج تلك الإجراءات. فليس من الممكن إحداث تغيرات جوهرية في النظام العالمي قبل استلام الإدارة الأمريكية الجديدة السلطة. وصرح البيت الأبيض،في 8 نوفمبر، بأن هناك "أرضا مشتركة بين الدول العشرين علي مبدأ اقتصاد السوق والانفتاح وحرية المنافسة والتوسع التجاري ونمو الاستثمارات وحركة رؤوس الأموال". بمعني واضح الرأسمالية المالية ستظل علي حالها مع بعض التأنيب للمخالفين واستمرار النهب للعاملين.

أعلي الأفيش

وليس بخفي علي المحللين أن الأضواء تبتعد عن «ساركوزي» بسبب ظهور اوباما "الشاب، الأنيق، ذي البشرة الملوحة" بحسب تعبير بيرولسكوني، رئيس وزراء ايطاليا، وهو تعبير تفوح منه رائحة عنصرية تختفي خلف خفة الدم. فكتب أنطوان جوريل بصحيفة ليبراسيون، في 6 نوفمبر، تحت عنوان: "قصر الإليزيه يطمح أن يشارك في أعلي الأفيش". إذ أن "اوباما" سيحول الأضواء المسلطة علي ساركوزي منذ وصوله لقصر الرئاسة وخاصة في تدخله في الأزمة بين جورجيا وروسيا ثم في الدروس التي يعطيها للعالم لمواجهة الأزمة الرأسمالية الراهنة."

وإن كانت استطلاعات الرأي أظهرت أن 84 % من الفرنسيين سعداء لانتخاب اوباما فان دافيد مارتنيون، قنصل فرنسا في لوس أنجلوس والمتحدث باسم الاليزيه سابقا، أطلق نكتة سخيفة بقوله بأن حملة اوباما الانتخابية منسوخة من حملة الرئيس ساركوزي !


عرض مباشر : الاهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك