الصفحة الرئيسية > ركن الأصدقاء > محمد نور الدين > تخوفات مصرية من الأزمة العالمية

تخوفات مصرية من الأزمة العالمية

نشر بجريدة البديل اليومية - القاهرة - يوم ٣ نوفمبر ٢٠٠٨

الاثنين 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008, بقلم محمد نور الدين

الخبير الاقتصادي محمد نور الدين يكتب لـ «البديل»:

تخوفات مصرية من الأزمة العالمية

لا توجد دولة بمعزل عن تداعيات الأزمة.. ويجب أن نعترف بأن اقتصادنا تأثر بها
أصبح واضحا أن هناك أزمة اقتصادية عالمية فجرها تدهور الأوضاع المالية في الولايات المتحدة الأمريكية التي تنفرد بقيادة العالم منذ عقدين من الزمان. فقد خلقت الرأسمالية الأمريكية هذه الأزمة بسلوكياتها وأخلاقياتها وثقتها المفرطة في قدرتها علي استمرار النهب المنظم في الداخل والخارج. ثم قامت بتصدير الأزمة إلي بقية العالم مستفيدة من الأدوات التي سبق أن خلقتها وروجت لها، خاصة العولمة وإزالة القيود والحرية المطلقة للسوق والليبرالية المتوحشة التي لا تخضع لأي ضوابط وتستهين بأي حكومات وشعوب لا تتفق معها في الرأي والسلوك. وكان تصدير الأزمة بنفس السهولة التي تطبع بها أمريكا الدولارات بدون قيود وتشتري بها ما تشاء من أصول وحكومات وأشخاص في شتي أرجاء المعمورة.

كما أصبح واضحا أن انتقال الأزمة إلي الدول الأخري لا يتوقف علي إرادة هذه الدول ولا علي قوتها أيا كانت، فانتقال الأزمة عملية موضوعية تتحقق بتوافر شروط هذا الانتقال. ومن ثم فإن أي ادعاء بأن الاقتصاد المصري بمنأي عن الأزمة هو ادعاء غير علمي يفتقر إلي الموضوعية والفهم الدقيق لما أصبح عليه وضع السوق العالمية وموقع مصر في هذه السوق. وكما ينبغي عدم التهوين فيجب عدم التهويل وإثارة الذعر، والاعتراف بأن الاقتصاد المصري الذي تم إدماجه طوعا في الاقتصاد العالمي - بل كان هذا الإدماج مصدرا لفخر المسئولين في بلادنا -قد تأثر بالأزمة مثله مثل كل الاقتصاديات التابعة الكبير منها والصغير. وبدون هذا الاعتراف المبدئي لن يمكن اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من تأثير الأزمة علي الاقتصاد المصري، وللتقليل من المخاطر التي يتعرض لها حاليا والتي سيتعرض لها مع استمرار الأزمة، خاصة أن الأزمة كما تشير الدلائل لن تنتهي قريبا، وأن آثارها ستمتد سنوات رغم كل الأمنيات الجميلة بأن تكون نهايتها قريبة.

وفي تناولنا للمخاطر الحالية والاحتمالية التي يمكن أن يتعرض لها الاقتصاد المصري تحت تأثير الأزمة، فإننا ننطلق من نفس الأسباب التي أدت إلي نشأة وتصاعد الأزمة في الولايات المتحدة لتتحول إلي انهيار كامل لكثير من المؤسسات الكبري في قطاع التمويل وبعض المؤسسات في قطاعات الإنتاج العيني بالولايات المتحدة، وإلي سرعة انتقال الأزمة إلي الدول الأخري.إلا أنه لا يمكن في ذات الوقت معرفة جميع التفاصيل الخاصة بآليات انفجار الأزمة، أخذا في الاعتبار أن الكثيرين يرون أن أسباب أزمة 1929 مازالت غير معلومة تماما رغم مرور نحو 80 عاما علي تفجرها.

التخوفات التالية لا تتعلق بالتأثير المباشر للأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة علي الاقتصاد المصري، ولكنها تبحث في العوامل التي يجب التمعن فيها ودراستها لتجنب حدوث أزمة مصرية علي غرار الأزمة الأمريكية.

التخوف الأول بالنسبة للاقتصاد المصري يتعلق بنفس السبب الأساسي المعلن للأزمة الحالية في الولايات المتحدة، والذي يمكن وصفه بالقشة التي قصمت ظهر البعير _ وهو الخلل الكبير في منظومة التمويل العقاري. فما حدث في الولايات المتحدة من بداية العقد الحالي هو ارتفاع غير مبرر وبشكل مضاربي في أسعار العقارات، صاحبه زيادة غير منضبطة في الإقراض العقاري لتمويل شراء مساكن وعقارات بشروط تجاهلت " جودة الائتمان وشروط منحه". فالشركات والمؤسسات العاملة في المجال العقاري استغلت سيادة القيم الاستهلاكية الأمريكية الخاصة بأن يتملك كل شخص مسكنه،وتساهلت في تقديم التمويل لآجال طويلة بأسعار فائدة منخفضة وبنسب تسليفية عالية من قيمة العقارات المرتفعة أصلا مع عدم إجراء الدراسات الائتمانية اللازمة للتأكد من قدرة المقترضين علي السداد. وبغرض التوسع في الإقراض وتحقيق أرباح كبيرة يستحق عليها المديرون مكافآت وأجورًا شديدة الارتفاع تم التوسع في الإقراض مع إهمال الضوابط المعتادة فقدم الجهاز التمويلي الأمريكي المتقدم قروضا لتمليك مساكن لأشخاص لا يعملون أو أشخاص ليس لديهم دخول تكفي لسداد الأقساط.

ومع استمرار بطء النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة وارتفاع البطالة واتجاه أسعار الفائدة إلي الارتفاع بدأ كثير من المقترضين في التوقف عن السداد فتم الاستيلاء علي مساكنهم وعرضها للبيع. ومع كثرة المعروض من المساكن كان طبيعيا أن تتجه أسعارها للانخفاض. وقد تفاقمت المشكلة أكثر لأن انخفاض قيمة العقار عن مبلغ القرض - أو عن الرصيد المتبقي منه - يتطلب أن يقدم المقترض ضمانات إضافية وهو ما عجز عنه الكثيرون فتم الاستيلاء علي مزيد من العقارات وعرضها للبيع مما دفع بالأسعار إلي مزيد من الانخفاض. وبذلك تمثلت المشكلة في نقص الأموال التي تحصلها مؤسسات التمويل العقاري في شكل أقساط وفوائد من ناحية وانخفاض قيمة العقارات التي باعتها بعد انتزاعها من المتعثرين من ناحية أخري. هذا في حين أن البنوك والمؤسسات الدائنة لهذه المؤسسات تطالبها بسداد الأقساط والفوائد المستحقة عليها طبقا لشروط التمويل الذي حصلت عليه. وأمام عجز مؤسسات التمويل العقاري عن السداد للبنوك تفاقمت مشكلة السيولة بالنسبة لهذه البنوك علي النحو الذي أدي إلي حركات إفلاس وإدماج وغير ذلك من الإجراءات التي شملت كلا من مؤسسات التمويل العقاري وبنوك الاستثمار وبعض البنوك التجارية.

وإذا تعلق الأمر بمصر فلابد من الإشارة ابتداء للاختلاف الكبير في دور وآليات التمويل العقاري هنا عما هو الحال في أمريكا، فما زال التمويل العقاري في مصر- كنظام متكامل - في بداياته رغم الجهود الرسمية الكبيرة التي تستهدي بنمط الحياة في الولايات المتحدة وتحاول نشر التجربة في مصر، ومازالت ظاهرة تملك المساكن بدلا من إيجارها تنتشر ببطء.

ومن ثم فإن الأمر في مصر يتعلق أكثر بالأراضي التي منحتها الدولة بأسعار رخيصة لكثير من رجال الأعمال والجهات الأخري لإقامة مشروعات معينة سياحية أو صناعية أو إسكانية. فقد قام البعض بالفعل بإقامة المشروعات التي خصصت لها الأراضي، علي حين احتفظ البعض الآخر بالأراضي لسنوات أو بدأ في بيع أجزاء منها أو الدخول بها كشريك في مشروع مع آخرين، الأمر الذي يحمل في طياته تقييما جديدا لسعر الأرض يستند إلي معايير أخري بخلاف القيمة التي تم بها الشراء. وفي هذه الحالة يكمن الخطر المحتمل حين يتم استخدام هذه القيمة الجديدة للأرض وما أقيم عليها من مبان في الحصول علي تمويل من البنوك وحين يتم احتساب القيمة التسليفية للأصل الضامن بما يعكس زيادات في قيمة هذا الأصل تجاوز القيمة الحقيقية له. فإذا لم يتم السداد لاي سبب وأراد البنك الدائن بيع الأرض أو المباني لاسترداد أمواله فإنه قد يفاجأ بأن القيمة المعروضة أقل بكثير من قيمة القرض.

ويزيد من خطورة الأمر في مصر ما يراه الكثيرون من ارتفاعات مبالغ فيها في أسعار كل العقارات في السنوات الأخيرة، سواء تمثلت في أراض أو مبان إدارية أو سكنية أو سياحية. ورغم أن البنك المركزي المصري يضع قيودا علي توسع البنوك التجارية في تقديم التمويل للأغراض العقارية مشترطا ألا يزيد إجمالي ما يقدمه كل بنك لهذا القطاع علي 5 % من إجمالي ما يقدمه من قروض، رغم ذلك فإن ارتفاع أسعار العقارات الضامنة يبقي ممثلا لمشكلة حقيقية إذا اتجهت الأسعار إلي الانخفاض لأي سبب.

التخوف الثاني ينطلق أيضا من التجربة الأمريكية ويتعلق بآلية "المشتقات" التي تم التوسع فيها بشكل مبالغ فيه أيضا عن طريق إصدار أوراق مالية بضمان قروض ورهون عقارية وبيع هذه الأوراق عن طريق البورصة لتشتريها بنوك الاستثمار وغيرها من المؤسسات التمويلية بهدف تحقيق مكاسب رأسمالية حين استرداد قيمتها فضلا عما يمكن أن تحمله من عائد، ثم تقوم الجهات المشترية لهذه الأوراق بإصدار أوراق جديدة بضمان الأوراق الأولي. وتستمر سلسلة إصدار أوراق جديدة مشتقة دون حد أقصي لعددها بحيث نجد أن كل ورقة جديدة تستند إلي ورقة مالية_ أو محفظة تضم مجموعة من الأوراق - سبق إصدارها. وهنا نجد أن قيمة المشتقات يمكن أن تصل إلي أكثر من عشرة أمثال قيمة القرض الأصلي الذي صدرت الورقة الأولي بضمانه.

وكل هذه الأوراق يتم تداولها وانتقالها بسهولة من مؤسسة مالية إلي أخري، كما يمكن الاقتراض من البنوك بضمانها. ومن ثم فان هذه المشتقات تعتبر مصدرا لأرباح كثير من مؤسسات التمويل سواء تلك التي أصدرتها - لتحصل علي سيولة جديدة يتم توظيفها _ أو التي اشترتها وتاجرت فيها بيعا وشراء واقتراضا. إلا أن كل ذلك يتوقف علي اكتمال حلقات التداول واستمرار احتفاظ الورقة بقيمتها - أي احتفاظ المتعاملين بالثقة في الورقة والجهة التي أصدرتها، ومن ثم فيكفي أن تنكسر سلسلة الثقة بتعثر إحد ي المؤسسات في أي حلقة من حلقاتها المتتالية لتنهار قيمة هذه المشتقات وتتعرض كل المؤسسات المالية التي اشتركت في الإصدار أو التداول للمشاكل المالية ونقص السيولة وهذا ما حدث في الولايات المتحدة نتيجة للتوسع المفرط في إصدار المشتقات والتعامل بها للحصول علي أرباح أو إيرادات أقرب ما تكون للأرباح المضاربية.

وفي مصر لا تنتشر المشتقات علي هذا النحو الواسع ومازال وجودها محدودا وقد يتمثل أساسا في عمليات تقوم بها المؤسسات المالية لحساب بعض عملائها للتحوط من تقلبات أسعار الصرف وأسعار الفائدة، إلا أنه كان مقررا أن يتم إصدار قواعد جديدة قبل نهاية العام الحالي تتيح التوسع في إصدار وتداول المشتقات وتعمل علي انتشارها كأداة تمويل متقدمة. كما أنه من المتصور أن كثيرا من رجال الأعمال المصريين وبعض المؤسسات المالية المصرية تتعامل في هذه المشتقات في السوق الدولية، إلا أنه لا تتوافر بالطبع معلومات عن حجم هذه التعاملات ولا عن مدي ما سببته من خسائر بسبب الأزمة الأمريكية.

ولعل أهم ما يجب إعادة بحثه ودراسته في هذا الصدد هو " شهادات الإيداع الدولية " التي طرحتها مؤسسات مصرية في سوق لندن علي قوة أسهم مسجلة في البورصة المصرية. وقد لوحظ أن تدهور أسعار الأوراق في بورصة لندن خلال الأسابيع الماضية قد شمل هذه الشهادات وأدي إلي نقل هذا التدهور إلي البورصة المصرية بصورة آليه بغض النظر عن الملاءة المالية للشركات والمؤسسات التي صدرت هذه الشهادات علي قوة أسهمها.

التخوف الثالث يتعلق بدور مؤسسات التقييم التي تمنح المؤسسات المالية وما تصدره من أوراق درجات تقييم عالية بعيدة عن الواقع، في حين ينظر المستثمر إلي هذا التقييم باعتباره يعكس درجة عالية من المصداقية الناتجة عن قيام مؤسسات التقييم وخبرائها بدراسات متعمقة لكافة الجوانب المالية والفنية والإدارية للمؤسسات المالية قبل إصدار تقاريرها. وهذه التقارير يتم الاستناد إليها عند عمليات التداول باعتبار أنها تقارير لا يأتيها الباطل مطلقا وأنها تكفي بمفردها لاتخاذ قرار البيع أو الشراء أو التمويل وتحديد سعر الفائدة ومدي المخاطر دون الحاجة لإجراء مزيد من الدراسات للتعرف علي الجدارة الخاصة بالمؤسسات المالية الأخري وما تصدره من أوراق.

وهذه ليست في الواقع المرة الأولي التي يتبين فيها أن دور مؤسسات التقييم يتجاوز الواقع وأن تقاريرها مبالغ فيها ولا تعكس الجدارة الحقيقية للمؤسسات المالية، وإلا لكانت قد أصدرت تقارير تشير إلي توقع حدوث أزمات بالمؤسسات التي انهارت في الولايات المتحدة وتلك التي انهارت إبان أزمة جنوب شرق آسيا خلال العقد الماضي.

وفي مصر يزداد دور مؤسسات ومكاتب التقييم الائتماني في القطاع التمويلي ويتم الاعتماد علي هذه التقارير بشكل متزايد _ فقانون البنوك في علاجه لمشكلة ضمان البنوك للسندات التي تصدرها الشركات حتم اللجوء إلي إحدي مؤسسات التقييم قبل إصدار هذه السندات- الأمر الذي يحتاج إلي كثير من المراجعة ووضع الضوابط التي تكفل المصداقية لمثل هذه التقارير، مع التأكيد علي ألا تكون هذه التقارير هي الأساس الوحيد للوقوف علي الجدارة الائتمانية للمؤسسات وما تصدره من أوراق.

التخوف الرابع يتعلق بالدور الرقابي للدولة خاصة السلطات النقدية والائتمانية وهيئات الرقابة علي الأنشطة التمويلية الأخري. فمن الواضح أن قطاع التمويل العقاري وبنوك الاستثمار الأمريكية لم تكن تخضع لرقابة قوية فضلا عن أنها لم تكن تخضع أصلا لرقابة مجلس الاحتياطي الاتحادي الذي يعتبر البنك المركزي للبلاد ويراقب أعمال البنوك التجارية. وقد كان لضعف الرقابة دور كبير في التوسع المفرط في الإقراض العقاري وفي إصدار الأوراق المالية والمشتقات وزيادة تداولها علي النحو الذي حدث.

ويبدو أن ضعف الدور الرقابي كان سببا جوهريا لنشأة المشكلة منذ بدايات هذا القرن وتفاقمها دون أن يتم التعامل معها بجدية ودون ايجاد الأساليب الرقابية التي تحول دون التوسع غير المدروس بعناية في كل من التمويل العقاري وإصدار المشتقات. وتشير التقارير إلي صدور تحذيرات قوية من كثير من الخبراء والمؤسسات المعنية في الولايات المتحدة وخارجها من استمرار الانفلات التمويلي، إلا أن الاحتكارات المالية بنفوذها وسطوتها حالت دون اتخاذ إجراءات في هذا الشأن.

وبالنسبة لمصر، فلاشك أن قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد الصادر في 2003 قد انتقل بالوضع الرقابي للبنك المركزي المصري خطوة كبيرة إلي الأمام ومنحه صلاحيات وسلطات رقابية كبيرة تكفل ممارستها سلامة أداء الجهاز المصرفي المصري ككل وتتيح له التدخل بسرعة في حالة حدوث أي مخالفات أو مخاطر. ويبقي أن التطبيق والممارسة لنصوص القانون وروحه يكفلان ألا تقع البنوك العاملة في مصر والمسجلة لديه أيا كان شكل ملكيتها تحت وطأة أزمة مماثلة لما نشهده في الولايات المتحدة.

ومن ثم فإن ما يمكن الإشارة إليه كضعف أو افتقاد للدور للرقابي القوي يتعلق أساسا بالمصرف العربي الدولي وبنك ناصر الاجتماعي وهما لا يخضعان لرقابة البنك المركزي المصري، وبالبورصة والكيفية التي يتم بها التعامل اليومي وقيد الأوراق الممكن تداولها والقواعد المنظمة لتبادل قيد الأوراق مع البورصات الأخري، وبعملية الرهن العقاري وأطرافه سواء تمثلت في هيئة التمويل العقاري أو الشركات أو البنوك أو المشروعات ذاتها،، أخيرا وهو الأكثر أهمية ما يتعلق ببنوك الاستثمار أو شركات الاستثمار في مصر أيا كان اسمها وهي جميعا لا يوجد في اسمها كلمة "بنك أو مصرف" وقد شهدت السنوات السابقة توسعا كبيرا في نشاطها المحلي والخارجي خاصة مع عمليات الخصخصة وإزالة القيود علي تحركات رأس المال. هذا ما يحتاج إلي دراسات تكفل حسن أداء هذه القطاعات بشكل يحول دون حدوث أزمة.

التخوف الخامس يتعلق بنمط المسئولين ونمط الإدارة في القطاع التمويلي المحلي السائد خلال السنوات الأخيرة في البنوك والتأمين، والبورصة وسوق المال والتمويل العقاري. ففي إطار عملية التطوير وإعادة الهيكلة للقطاع المصرفي انتقلت المسئوليات الرئيسية بالبنوك العامة والخاصة إلي إدارات جديدة معظمها من العاملين السابقين بالبنوك الأمريكية بالتحديد. ومن المؤكد أن معظم هذه القيادات تتمتع بمهارات وخبرات مصرفية عالية، إلا أن خبرتها تكونت أساسا من خلال اشتغالها في البنوك والمؤسسات التمويلية الأمريكية وبعض المؤسسات الأوربية المناظرة. وهنا فان نمط سلوك هذه المؤسسات المتقدمة ونوع الأسواق المالية التي تعمل يحددان نمط تفكير وسلوك ونوع الخبرات المتراكمة للعاملين فيها، وهي كلها كانت من العناصر الأساسية التي أحدثت الأزمة التي نراها الآن في أمريكا ونري توابعها في الدول الشريكة والتابعة علي حد سواء. يقترن بذلك أن جهود التطوير وإعادة الهيكلة التي تتم في القطاع التمويلي تتم من خلال مكاتب خبرة أجنبية تقوم في الواقع بتعميم ما يسمي "أفضل التجارب والممارسات" ولا شك أن هذه الممارسات والتجارب التي يستهدف تقليدها هي ممارسات أمريكية وأوروبية وأنها ليست بعيدة عن أسباب الأزمة.

ويثير هذا التخوف تساؤلات بخصوص كيفية تحقيق أكبر استفادة من القيادات الجديدة للقطاع التمويلي وما يرتبط من بها من تطوير يشمل مفهوم النشاط التمويلي وإبعاده ووسائله ونظم العمل المرتبطة به. ولا شك أن الرقابة الداخلية بهذه المؤسسات والرقابة الخارجية علي أنشطتها يمكن أن تساهم إلي حد كبير في الحيلولة دون تعرض القطاع التمويلي المصري لمشاكل من النوع الذي حدث في الولايات المتحدة. ولكن مع هذا يبقي سؤال مؤداه وماذا لو كان نمط تفكير وسلوك ومهارات القيادات الجديدة والمستشارين بالأجهزة الرقابية في الحكومة والقطاع التمويلي مماثلة لتلك التي بدأت تسود قيادات الأجهزة التمويلية ذاتها؟؟


عرض مباشر : جريدة البديل

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك