الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > البديل يساري.. هيا ننظمه ! ...مصطفي نور الدين

البديل يساري.. هيا ننظمه ! ...مصطفي نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ٢٢ أكتوبر ٢٠٠٨

الخميس 23 تشرين الأول (أكتوبر) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

البديل يساري.. هيا ننظمه !

حزب جديد لمناهضة الرأسمالية... مصطفي نور الدين

عندما انفجرت انتفاضات الجوع في عشرات البلدان بالعالم في أوائل العام وجهت المجلة السياسية الأسبوعية المستقلة Politis "بوليتيس"، في 15 مايو، نداء بعنوان "عاجل.. البديل علي اليسار.. هيا بنا ننظمه" إذ إن انعدام العدالة تجاوز حدود المحتمل. ووقع علي النداء، في موقع المجلة، أكثر من عشرة آلاف فرنسي. وجاب Denis Sieffert "دوني سيفير"، رئيس التحرير، المدن الفرنسية طوال الشهور الماضية ليعقد جلسات نقاش مع من وقعوا أو لم يوقعوا علي النداء وللمناظرة حول إمكانية خلق حركة دائمة تقدمية تجتمع فيها التوجهات السياسية المختلفة حول نقاط نضال مشترك من أجل مجتمع أكثر إنسانية.

وتكلل اللقاء باجتماع وطني في مدينة "جانفلييه" في الضواحي الباريسية، طوال يوم 11 أكتوبر حضره أكثر من 700 مواطن من كل فرنسا ليمثلوا أحزابا ونقابات وجمعيات مدنية في كل شئون المجتمع بجانب الخبراء في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وعبر المجتمعون عن الضرورة الملحة لتشكيل قوة يسارية جديدة موحدة من أجل التغيير تتجاوز الخلافات والانشقاقات الحزبية وتعبر عن اليسار الأصيل التوجهات.

وهنا يلزم معرفة الأسباب لمثل تلك الدعوة بالعودة باختصار للخارطة السياسية الفرنسية. فاليمين الحاكم طعم خطابه السياسي بالكثير من مقولات اليسار والخضر وجذب للعمل معه العديد من قيادات المعارضة. أما الحزب الاشتراكي فبداخله صراع دون هوادة بين ست شخصيات لتولي رئاسة الحزب والإيديولوجية الحاكمة لهم "اشتراكية ليبرالية" وتحالف مع يمين الوسط. وسوف تحسم مسألة القيادة والتوجه في أوائل نوفمبر. أما الحزب الشيوعي فموقفه الجماهيري انحدر بشكل كبير منذ تحالفه في السلطة مع الحزب الاشتراكي في 1981. إذ بعد سنتين من التحالف والحكم المشترك غير الحزب الاشتراكي برنامجه ليتراجع عن برنامجه الاجتماعي والاقتصادي. ولم يستطع الحزب الشيوعي إستعادة مكانته السابقة بل طرح العديد من أعضائه إمكانية حله إلا أنه يسعي لتجديد برنامجه مع شهر ديسمبر في مؤتمره العام. ولكن تظل نقطة حرجة تخص اتفاقه أخيرا مع الحزب الاشتراكي لفتح حوار بهدف التوصل لصياغة "برنامج مشترك" مماثل لبرنامج سبق عقده بينهما في أوائل السبعينيات من القرن الماضي. ومن ناحية أخري فان الرابطة الشيوعية الثورية قررت حل تنظيمها "التروتسكي" وتشكيل حزب جديد في أوائل العام المقبل وشعاره "حزب مناهضة للرأسمالية". والموقف الذي يتخذه هذا الحزب مبدئيا معارض لكل تحالف مع الحزب الاشتراكي.

ومن ناحية أخري فان كلا من الحزبين الاشتراكي والشيوعي يعتبران "حزب مناهضة الرأسمالية" محاولة لسحب التيارات اليسارية والجذرية من أعضاء الحزبين إليه. علاوة علي ذلك فهناك العديد من الأحزاب التي تدافع عن البيئة تختلف فيما بينها علي تفاصيل. والنتيجة هي أن قوي المعارضة يزداد تشتتها منذ انتخابات الرئاسة في 2007 لعدم توصلها للتقدم بمرشح واحد يمثلها برغم النقاش بينها طوال شهور وبلورة برنامج جيد عرف باسم" 125 توصية ". وكنتيجة لعدم الاتفاق تقدم كل حزب بممثل عنه وهو ما أدي إلي استمرار اليمين في السلطة بنجاح ساركوزي وإلي مزيد من الانحدار في نسبة التمثيل الشعبي لأحزاب المعارضة باستثناء "الرابطة الشيوعية الثورية" التي تجاوزت الحزب الشيوعي لأول مرة في تاريخ كل من الحزبين.

قراء ينقذون مجلة

ويلزم أيضا ذكر كلمة عن مجلة "بوليتيس". التي تصدر منذ 1988 وواجهت أزمة عرضتها لمخاطر الإفلاس في 2006 فتوجهت بحملة للقراء لإنقاذها بجمع مليون يورو فأسرع أكثر من 11 ألف مواطن بالاكتتاب في اشتراكات سنوية لكي تظل كمجلة متميزة إذا تفتح صفحاتها للتيارات اليسارية الأصيلة من كل الأحزاب : الاشتراكي والشيوعي والمنظمة الشيوعية الثورية والخضر وللمناهضين لليبرالية. وكذا فهي مجلة شجاعة ومتفردة، بجانب الصحيفة الشهرية "لوموند دبلوماتيك"، في مواقفها لمناهضتها للحروب والدفاع عن القضية الفلسطينية وكل قضايا الإنسانية في العالم.

ولقد خرجت اللقاءات بست قضايا ملحة كمحاور للنضال الفوري وحشد قوي اليسار حولها لتقديم دراسات متعمقة حولها لتناقش في لقاء آخر موسع مع بدايات العام المقبل كبرنامج لليسار الأصيل. وهذه القضايا العاجلة هي:

إشراف المجتمع

إلحاح اقتصادي: لأنه لم يعد يطاق أو يقبل أن تقود الأزمة المالية الراهنة إلي تعبئة كل وسائل الدولة المالية للتدخل من أجل هدف واحد يتجسد في تحميل العبء علي أكبر عدد من المواطنين لأزمة ليسوا بمسئولين عن حدوثها. ولذا يلزم القطيعة مع المنطق المخرب الذي يتنازل عن السلطة لتصبح السلطة للسوق. فيجب وضع قطاع البنوك والإقراض تحت إشراف سلطة المجتمع لتكون في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ولذا يلزم إيقاف عمليات خصخصة القطاع المصرفي وإعادة مشاركة القطاع العام فيه وتأميم البنوك الجيدة حتي تكون في خدمة المجتمع ولا تظل حبيسة لنظام المضاربات وعدم الاقتصار علي تأميم البنوك التي تمر بمصاعب. فتجربة الماضي بتعرض البنوك التي ملكتها الدولة للصعوبات نتجت حينما فرضت الدولة علي البنوك العامة اتباع نفس الفلسفة التي تحكم البنوك الخاصة أي تحقيق أعلي أرباح ممكنة بغض النظر عن احتياجات المجتمع.

ولذا فإنه يلزم سلك سياسة عامة مخططة وتتحدد أبعادها في مناظرات واسعة بين المواطنين. ويجب إيقاف سياسة الخصخصة بشكل عام مستقبلا خاصة فيما يخص هيئة البريد (التي تطرح للخصخصة الآن) والتراجع عن الخصخصات السابقة التي لحقت بخدمات القطاع العام وإيقاف سياسة طرد العاملين. ولابد من التطبيق الفوري للمراقبة وللتحكم في حركة رؤوس الأموال والدوائر المالية وفرض ضريبة علي الأنشطة التي تمارس المضاربة كما يطالب بذلك منذ سنوات كل المنادين بعالم جديد مغاير وكذا فرض ضرائب علي الأرباح العابرة القارات التي يتم تحويلها وتتزايد بأرقام فلكية.

وتضاف لذلك ضرورة تقوية الرقابة علي النظام المصرفي والمالي سواء كان في القطاع العام أو الخاص. وهذا سوف يقود بالضرورة للتعارض الجذري مع السياسة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي من اجل الليبرالية المطلقة للنظام المصرفي. وهذا يعني أيضا ضرورة إحداث تغير جوهري في سياسة البنك المركزي الأوروبي الذي لم يكف عن انتقاداته إذا ارتفعت الأجور ويعتبرها سببا في التضخم في حين انه لا يعارض سياسات المضاربة.

حفاظا علي المكاسب

إلحاح اجتماعي: تتزايد في المجتمع مطالب رافضة لتحطيم المكاسب الاجتماعية التي تم اكتسابها في ظل الجمهورية، ولذا فيلزم أن ترتفع بنسبة كبيرة كل من الأجور والمعاشات والحد الأدني للأجور وتحقيق عمالة كاملة. وكذا الرفض المطلق في سقوط المواطنين في حال العوز المادي (بفرنسا رسميا 7 ملايين مواطن يعيشون تحت حد الفقر من بين 64 مليونا). والمطالبة بتخفيض مدة سنوات العمل وضرورة أن تكون التأمينات الصحية والاجتماعية معممة وشاملة ومجانية وأن يحق الخروج علي المعاش في سن الستين بمعاش كامل (تركت الدولة سن المعاش مفتوحا دون حدود ولكن ترمي إلي إطالة مدة العمل من 40 سنة إلي 42 سنة ليحق للمواطن معاشا كاملا). ومن الضروري إعادة توزيع الثروة بشكل جذري وذلك من الممكن باستعادة المبالغ التي تمنحها الدولة لرأس المال والبالغة 170 مليار يورو سنويا. ورفع مستوي المعيشة ممكن برفع الأجور والمعاشات واستعادة الأموال التي تم حصول رأس المال عليها في شكل إعفاءات ضريبية وإعادة وضع نظام ضرائب علي الدخل مطرد مع الكسب وغايته إعادة توزيع الثروة. وتضاف حتمية تحقيق وضمانة المساواة الفعلية في العمل والدخل بين الرجل والمرأة.

فالأزمة تهدد مكتسبات أصحاب الدخول المتواضعة والمتوسطة وطرد الآلاف منهم بدعوي أن الأزمة هي السبب. (خرج علي البطالة في شهر سبتمبر وحده في فرنسا أكثر من 41 ألف عامل). واعترفت الحكومة بأن الاقتصاد يمر بمرحلة ركود. أي مرور معدل النمو بنسبة سلبية ثلاثة شهور متوالية وهو ما حدث بفرنسا. فبعد أن كان هدف الحكومة الوصول إلي معدل نمو يتجاوز 2 % لم تعد تطمح في أكثر من بلوغ 1 % بل إن بعض الخبراء يتصورون أنه لن يتجاوز الصفر في المئة وهو ضربة قاسية لكل المشروع الذي أعلن عنه ساركوزي سابقا.

إلحاح بيئي: الكارثة التي نتعرض لها آتية بسرعة كبيرة من تأثير الانحباس الحراري والتغير المناخي ومشكلة الطاقة والأزمة الزراعية والغذائية. ففي هذا المجال سوف يؤدي ترك آليات السوق دون قيود إلي تحطيم ظروف الحياة ذاتها. فأي تنمية حقيقية لن تتحقق إلا إذا حدثت قطيعة مع هيمنة الاقتصاد القائم علي المصالح الخاصة وقانونها الساعي للفائدة في الأجل القصير. ولذا لزم إدخال المصلحة العامة في القطاعات الأساسية للحياة الجماعية مثل الصحة والمواصلات والأنشطة الصناعية والزراعية. وذلك يستلزم التخطيط البيئي عبر منح السياسة العامة الوسائل الضرورية للتنفيذ والقطيعة مع فكرة الإنتاجية كفكرة حاكمة في كل مجال. وكما تطالب جمعية "اتاك" يلزم فرض ضريبة مرتفعة علي من يتسببون في تلويث البيئة بالنفايات النووية والصناعية وبوسائل المواصلات.

والديمقراطية مدخلا

إلحاح ديمقراطي: منذ مايو 2007، دفع نيكولا ساركوزي السلطة الرئاسية لتصبح ملكية ومركزية تتوجت في التعديل الدستوري في يوليو الماضي. تضاف عملية تدجين للاعلام (معظم الصحف الكبري والتليفزيون يملك رأس المال الكبير المحلي ومتعدد القوميات حصة كبيرة من أسهمها خاصة صناع السلاح وهو قريب من السلطة). ويضاف خلط العمل العام بالمصالح الخاصة علاوة علي سياسة وضع فيشات بوليسية للمواطنين والتصعيد من سياسة الأمن التي يتعرض لها المواطنون من المهاجرين. ولذا يلزم وضع حد لكل تلك المؤسسات والممارسات وأن تعود السلطة للشعب وأن يتمتع كل الأجانب المقيمين بفرنسا بالحصول علي المواطنة. إلحاح أوروبي: يمر الاتحاد الأوروبي بالأزمة المالية والاقتصادية ويجسد عجزه عن وضع كأولوية مصالح أغلبية المواطنين ومرجع ذلك سجنه فيما يسمي "تعهد التوازن" والذي يحد من استخدام الدولة لمواردها المالية لمساعدة الاقتصاد المحلي بدعوي عدم تزايد مديونية الدول عن نسبة محددة ولكي تظل المنافسة إذن مفتوحة بين الدول الأوربية بمساواة.

لم تنشر الفقرات التالية لضيق المساحة بالجريدة

إلحاح أوربي: يمر الاتحاد الأوربي بالأزمة المالية والاقتصادية ويجسد عجزه عن وضع كأولوية مصالح أغلبية المواطنين ومرجع ذلك سجنه فيما يسمى "تعهد التوازن" والذي يحد من استخدام الدولة لمواردها المالية لمساعدة الاقتصاد المحلي بدعوى عدم تزايد مديونية الدول عن نسبة محددة ولكي تظل المنافسة إذن مفتوحة بين الدول الأوربية بمساواة. ويقع الاتحاد الأوربي أيضا تحت قبضة "البنك المركزي الأوربي" إذ يمارس قراراته باستقلال عن إرادة دول الاتحاد. يضاف هدم الاتحاد الأوربي المستمر لخدمات القطاع العام. ولأن الفرنسيين رفضوا في مايو 2005 وثيقة الدستور الأوربي مثل الشعب الهولندي فإنه يجب الوعي بأنه من المستحيل على اليسار إنجاز سياسة جديدة مختلفة إذا ظل يعمل في إطار الاتحاد الأوربي بصيغته الراهنة. ومن أجل ذلك هناك حتمية في تجمع الذين رفضوا الدستور الأوربي لتقديم مرشح واحد لتمثيلهم في الانتخابات الأوربية في يونيو القادم ليكون في البرلمان الأوربي صوت يدافع عن تلك المطالب.

إلحاح لسياسة سلام: بمرور السنوات تكبل القيود الأمم المتحدة وأصبح حلف شمال الأطلنطي الذراع المسلح للولايات المتحدة. ويمارس الحلف سياسة الحرب دون حدود وفلسفة صدام الحضارات الغالية على إدارة جورج بوش. وما يلاحظ الآن هو اختيار الحكومة الفرنسية لهذا التحالف العسكري وبالتكامل التام في هذا الحلف والمشاركة في أفغانستان في صراع غير مفيد ودموي ضد الإرادة الديمقراطية للشعب الأفغاني. ولذا فإن انسحاب فرنسا من حلف شمال الأطلنطي هو الشرط الجوهري لتمارس سياسة عالمية جديدة منفتحة على التعاون بين الشعوب وتكون منشغلة أساسا بالتعاون مع بلدان الجنوب في سياسة تطوير وتنمية مشتركة. وكذا يضاف مطلب إسقاط ديون بلدان الجنوب التي سوف تتعرض لحالة مأسوية نتاج الأزمة الراهنة بفعل العولمة المعممة. وضرورة طرح تنظيم التبادل التجاري العالمي في الأمم المتحدة لتناقشه كل الدول ولا يظل في يد الدول الصناعية الكبرى التي تسببت في الأزمة ومتورطة فيها.

وبناء على هذه النقاط التي تشكل برنامج عمل وحوار بين كل قوى اليسار تشكلت لجنة متابعة مؤقتة من عشرين شخصية من التيارات السياسية المختلفة والأحزاب والجمعيات المدنية والنقابات ومن الأقاليم الفرنسية وذلك لحمل عبء المشروع عن "مجلة بوليتس" التي سيكون دورها إعلاميا فحسب.

إن الحديث عن إعادة بناء "رأسمالية ذات خلق حميدة" لا يقتنع به إنسان. فما هو لازم إحداثه هو القطيعة السياسية الجذرية معها إذا كان الهدف تحاشي أزمات جديدة. ولذا فان محاولة "يسار اليسار" الفرنسي تسعى لبلورة ما يشكو منه الفيلسوف "ايف ميشو" أي غياب "نظرية ثورية" وهي نظرية ملحة خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار تحذير المفكر الكبير "ايمانوئيل فاليريشتاين" الذي يرى أن الرأسمالية بصورتها الراهنة بلغت مرحلتها النهائية ولكن الخوف أن يتولد في فترة التحول في السنوات المقبلة نظام أكثر عنفا واستغلالا بدلا من نظام عادل.


عرض مباشر : الاهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك