الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > برنامج اشتراكي لإصلاح الرأسمالية : نرفض استمرار نظام لا يمول الاقتصاد الحقيقي ويساعد (...)

برنامج اشتراكي لإصلاح الرأسمالية : نرفض استمرار نظام لا يمول الاقتصاد الحقيقي ويساعد اللصوص... مصطفي نورالدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية - القاهرة في ١٥ أكتوبر ٢٠٠٨

الأربعاء 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

بعد الأزمة المالية العالمية

برنامج اشتراكي لإصلاح الرأسمالية : نرفض استمرار نظام لا يمول الاقتصاد الحقيقي ويساعد اللصوص... مصطفي نورالدين

المناهضون للرأسمالية ينقسمون في تقديم البدائل ما بين إصلاحها أو نفيها كنموذج يدعي أنه نهاية التاريخ. وما يطرح في فرنسا من حلول للأزمة أو للرأسمالية كتابات غزيرة نتوقف هنا عند مساهمة الحزبين الاشتراكي والشيوعي. فالثمن لعملية الإصلاح التي تحاول الحكومات وضعها بشكل انفرادي أو بشكل كتل أو بتدخل البنوك المركزية سوف يتحمله كل المواطنين برغم أنهم ضحايا ممارسات النظام الرأسمالي المعتادة وتلك التي يقال بأنها انحراف في حين أنها قانونه الجوهري. فالمواطن سيدفع في مرحلة الأزمات الثمن مضاعفا بتزايد البطالة وارتفاع نفقات المعيشة وانحصار التمتع بغطاء طبي وصعوبة الحياة بعد الخروج علي المعاش وفقدان المدخرات والمنازل وتزايد الضرائب والمديونية عليه.

ويعتبر الكثير من المحللين أن "اليسار الأوربي سقط ضحية الأزمة الراهنة" بحسب جريدة "لوموند" يوم 6 أكتوبر، لعدم تقديمه لنموذج بديل وانشغاله بالصراع الداخلي علي زعامة أحزابه وترك الملعب لليمين الذي تبني الكثير من مطالبه باسم ليبرالية جديدة للقرن الواحد والعشرين. وإن كان في ذلك جانب كبير من الحقيقة فإنه لا ينفي محاولات تقديم بعض الاقتراحات وإن ظلت جزئية مع غياب برنامج كامل لمجتمع مختلف.

اليسار يتقدم

وفرضت قوي المعارضة الفرنسية (الحزب الاشتراكي، الشيوعي والخضر وحركة من اجل الجمهورية) فتح نقاش في البرلمان بشأن الأزمة المالية وسياسات مواجهتها. وقبل اليمين الحاكم بعد رفضه في أول الأزمة طرحها في البرلمان بالقول بأن الوقت الراهن ليس للحوار وإنما للوحدة الوطنية خلف الإجراءات التي قررتها الحكومة. وجاء القبول لأن المخاطر المحدقة بالاقتصاد الفرنسي حقيقية مثلها مثل الاقتصاد العالمي في ظل العولمة المعممة.

هل علي فرنسا أن تحاول النفاذ بجلدها من الأزمة وحدها وهل ذلك ممكن أم أن المطلوب هو خطة للاتحاد الأوربي (27 دولة) وكيف ؟ هل بإصلاح للنظام النقدي والمصرفي ؟ أي السؤال مباشرة: هل هي أزمة الرأسمالية المالية أم أزمة رأسمالية ؟

فالأزمة ليست فقط نتاج ما يسمي تواجد "دول ومناطق جنات التهرب من الضرائب" التي تتلقي الأموال مجهولة المصدر والاستخدام" وتتبع سياسة الأسرار البنكية ولا هي نتاج سلوك أفراد غير مسئولين في القطاع المصرفي أو نتاج "البراشوت الذهبي" الذي يتلقونه كهدية نهاية الخدمة. فالأزمة تخص النظام الرأسمالي برمته الذي قنن حرية الأسواق وحرم فرض أي قيود عليها. فهذا التقنين بالنسبة لأوربا سنته اتفاقية "ماستريتش" ووثيقة "الدستور الأوربي". فالمنافسة المفتوحة وتحريم تدخل الدولة لمساعدة أي قطاع ولأي سبب تفجرها اليوم السياسة الأوربية الرامية لإنقاذ البنوك. وتفجرها أيضا السياسات الأحادية لبعض الدول لبنوكها المحلية مثلما حدث مع ايرلندا. وهو ما يعني التسابق لإنقاذ الذات وهروب الأموال من البنوك الأوربية الأكثر عرضة للمخاطر إلي بنوك دول أخري أوربية تحمي بنوكها برغم مخالفتها لنص الاتفاقيات الأوربية وروحها.

البورصات تتراجع

وبرغم كل إجراءات الحماية التي تتخذها الدول الرأسمالية لا تتوقف البورصة عن الانحدار في كل الدول فسجلت أسوأ انخفاض لها في باريس يوم 6 أكتوبر وهو انخفاض لم تسجله منذ 1987 وهو وضع مماثل في كل الأسواق المالية العالمية ويعني أن إنقاذ بنك هنا وبنك هناك لن يقدم الحل لازمة الرأسمالية. فالثقة أصبحت منعدمة بين المؤسسات المالية إذ لا يعرف احد الأوضاع الحقيقية للبنوك ومن منها سيمر بمصاعب اليوم أو غدا. وكذا فإن انعدام الثقة بدأ يظهر لدي المواطنين الذين يستشعرون الخوف علي ودائعهم ويفكرون في سحب أموالهم من البنوك. يضاف ما تشهد به الصحافة الليبرالية من انحدار القروض. فكتبت صحيفة "الفيجارو" اليمينية يوم 6 أكتوبر :" تبحث البنوك المركزية عن رؤوس أموال وليس لدي المؤسسات المالية سيولة والأزمة تشتد في أوربا كما في أمريكا". فندرة القروض التي تمنحها البنوك للشركات سينتج عنها انخفاض في معدلات النمو وتزايد معدلات البطالة. وهو ما سيضاعف بدوره في انخفاض في معدلات الاستهلاك لانخفاض القدرة الشرائية لانحدار الدخول. وبالتالي استقرار حالة الكساد أو الركود التي بدأت بفرنسا. فأزمة النظام المالي هي أزمة الرأسمالية ككل فكل قطاعات الاقتصاد الفعلي تأثرت ولا يتوقع أكثر المتفائلين إلا استمرار تفاقمها في الشهور القادمة. وهذا يكشف كذب الأطروحة الرسمية بأن بنوك أوربا آمنة والاقتصاد بخير ولن يتأثر. فالخطاب السياسي الآن يبشر بالأسوأ القادم.

خطة الحزب الاشتراكي

قدم الحزب الاشتراكي خطة من 6 نقاط لمواجهة الأزمة الراهنة وطالب الحكومة بتنفيذها واعتبرها خطة كان سينفذها لو كان بالسلطة. وتتلخص في :

أولا: تأسيس صندوق رأس مال وطني للضمانة مهامه ضمان القروض الاستثمارية التي تتعاقد عليها الشركات الصغيرة والمتوسطة مع المصارف وكذا قروض الأفراد لشراء مساكنهم الخاصة.

ثانيا: حث الشركات علي الاستثمار بتخفيض الضرائب علي تلك التي تعيد استثمار أرباحها لدفعها للمزيد من التطوير وكذا تخفيض الضرائب بشكل ملموس علي الشركات الصغيرة التي تتوجه للصناعات المستقبلية. وعلي النقيض زيادة الضرائب علي الشركات التي توزع تلك الأرباح في شكل أسهم تتجه للبورصة.

ثالثا: ضمان مستوي المعيشة بعدم منح الشركات تخفيض للضرائب إلا إذا زادت من العمالة ورفعت الأجور. ولزوم زيادة مستوي المعيشة بتعميم منح العاملين تتمثل في شيكات مواصلات لجهات عملهم لتقلل من إنفاقهم علي الانتقال. وكذا زيادة المساعدات الاجتماعية للأسر.

رابعا: زيادة دعم الدولة للاستثمارات في المحافظات في مجالات التعليم والمواصلات العامة والطاقة والحفاظ علي البيئة.

خامسا : دعوة المجلس الأوربي لتحديد قواعد النظام المالي بوضع نظام رقابة علي العمليات المصرفية.

سادسا: المطالبة بعقد مؤتمر نقدي عالمي لتنظيم تذبذب أسعار العملات وتحديد هامش التذبذب.

بكلمة، ما يقدمه الحزب الاشتراكي لا يختلف جوهريا عما يمارسه اليمين الحاكم إذ لا يتطرق لا لتغيير العلاقات الاجتماعية ولا لإعادة توزيع الثروة. فهو يصلح من النظام الرأسمالي ببعض من الإجراءات التنظيمية للحفاظ علي استمرارية بقائها. وقد عارض هذا التوجه الجناح اليساري في الحزب ويمثله "بينوا هامون" وهو أحد المرشحين الستة لرئاسة الحزب في انتخابات نوفمبر القادم. وصرح "هامون" بضرورة مراجعة مبدأ اتفاقيات التبادل التجاري الحر وبأن "الأزمة الراهنة شككت في القناعات السائدة حتي في قلب حزبنا ولذا يلزم فتح النقاش حولها وما الحلول الصحيحة لمواجهتها. بالإضافة إلي أنه في ظل الأزمة يجب الكف عن الاستمرار في جذب الحزب في اتجاه اليمين والليبرالية وهي الإيديولوجية التي تسود بالحزب منذ سنوات طويلة وتري بضرورة تقليص تدخل الدولة.. فعودة الدولة للتدخل بقوة الآن جعل قناعات الحزب بالية وقديمة. وعلي النقيض فانه منح الشباب للفكر القائل أنه لم يعد مقبولا استمرار نظام كف عن تمويل الاقتصاد الحقيقي والقيام بمساعدة اللصوص."

الحزب الشيوعي

انتقد الحزب الشيوعي الخطة التي تقدم بها الحزب الاشتراكي بشأن إنشاء "صندوق رأس مال وطني للضمانة" فهو وإن كان يضمن تقديم القروض للشركات الصغري والأفراد الساعين لشراء سكنهم لا يحول دون المضاربات. ويقترح الحزب الشيوعي تشكيل "شبكة عامة للمؤسسات المالية" تجمع المؤسسات المالية العامة وشبه العامة وتتخصص في الإقراض. والهدف هو النضال ضد المضاربات وتشجيع نمط جديد من التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تزيد من فرص العمل وتحافظ علي البيئة. وأن علي "شبكة الإقراض" أن تلجأ إلي تطبيق معدلات فائدة انتقائية لمنح السلف فتكون منخفضة للاستثمارات النافعة ومرتفعة علي ممارسي المضاربات. وأن ترتبط هذه الشبكة بصناديق التمويل العامة في الأقاليم التي يكون دورها تحمل تسديد فوائد القروض كلية أو جزئيا عندما تخص الاستثمارات المادية أو الأبحاث التي تجريها الشركات في تلك الأقاليم. وأن تخضع "شبكة الإقراض المالي" و"صناديق التمويل الإقليمية" لرقابة البرلمان وممثلي الأقاليم ونقابات العاملين. وأن هذا من وجهة نظر الحزب الشيوعي هو الحل لمحاربة فعالة للمضاربات.

ويمكن إكمال تصور الحزب الشيوعي بفكرة الاقتصادي الماركسي "بول بوكرا"، صاحب نظرية رأسمالية الدولة الاحتكارية. إذ ينادي "بوكرا" بضرورة خلق "عملة نقدية عالمية" تستخدم في علاقات الدولية للكف عن استخدام الدولار كعملة مهيمنة تخلق التبعية والأزمات. وان تقوم هيئة عالمية جديدة بالإشراف علي استخدام هذه العملة التي تخصص لتمويل كل برامج التنمية الحقيقية في كل دول العالم عن طريق قروض طويلة الأجل علي أن تكون تلك المشاريع خالقة للعمالة وذات نفع عام وتحافظ علي البيئة وتعني بالتأهيل والتدريب. ومن ناحية أخري يلزم أن يقوم البنك المركزي الأوربي بتغيير إستراتيجيته لتلتقي مع أهداف التنمية الفعلية والقيام بتمويل انتقائي في صالح خلق العمالة والمساهمة في خلق نظام مالي عالمي جديد لمواجهة الهيمنة الأمريكية.


عرض مباشر : الاهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك