موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > فرنسا في ظل نيكولا ساركوزي > الرأسمالية اليسارية على الطريقة الفرنسية... مصطفى نور الدين

الرأسمالية اليسارية على الطريقة الفرنسية... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية (القاهرة) في ٨ أكتوبر ٢٠٠٨

الأربعاء 8 تشرين الأول (أكتوبر) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الرأسمالية اليسارية على الطريقة الفرنسية... مصطفى نور الدين

تحتد المعركة في فرنسا بين كسب سياسي عيني للمعارضة وكسب إيديولوجي لليمين الحاكم. إذ كسب الحزب الاشتراكي 23 مقعدا في انتخابات مجلس الشيوخ وفقد اليمين 10 مقاعد في دورة تجديد ثلث الأعضاء في 22 سبتمبر. وهو ما يدعم الافتراضية بأنه مع عام 2011 لمعاودة تجديد ثلث الأعضاء سوف تحدث ازدواجية في السلطة بهيمنة المعارضة على هذا المجلس قبل عام من انتخابات رئاسة الجمهورية. وستكون حدثا فريدا في تاريخ فرنسا لما لهذا المجلس من سلطات تشريعية وقدرة على شل الحياة السياسية بمعارضة القوانين التي يصوت عليها البرلمان الذي يسيطر اليمين عليه. أما اليمين فكسب إيديولوجيا في الخطب التي ألقاها الرئيس نيكولا ساركوزي أخيرا وتعرض فيها للأزمة النقدية العالمية والرأسمالية.

إذ ألقى ساركوزي في الولايات المتحدة كلمة في حفل تلقيه جائزة "إلي فيزل" التي منحها له "المجلس الأمريكي للمحرقة" ثم في الجمعية العامة للأمم المتحدة وبعدها في فرنسا في 25 سبتمبر. وفي هذه الخطب طالب بمحاسبة ومعاقبة المتسببين عن الأزمة المالية الراهنة ووجهه انتقادات للرأسمالية المالية. وكانت بعض انتقاداته هي ذاتها التي تقدمها الحركات المنادية بنظام عالمي بديل.

تحدث ساركوزي لمدة 45 دقيقة في مدينة "تولون" معقل اليمين المتطرف في جنوب فرنسا، أمام أربعة آلاف من كوادر اليمين ومثقفيه ورجال الأعمال. وأعترف الرئيس بأن:"الأزمة العالمية سوف يكون لها أثارها بعيدة المدى على فرنسا فيما يخص معدل النمو وزيادة البطالة والقوة الشرائية".

أما نقد الاقتصاد السياسي لساركوزي فهو "ثوري". فالرئيس يحلل بقوله :"انتهت فكرة العولمة في ظل الرأسمالية المالية التي فرضت منطقها على مجمل الاقتصاد وساهمت في إفساده. ففكرة السوق البالغ القوة الذي لا ينبغي مخالفته بتطبيق أي قاعدة أو أي تدخل سياسي كانت فكرة مجنونة. وكانت مجنونة أيضا الفكرة التي سادت وترى أن السوق على صواب. فطوال العديد من العقود وضعت شروط بحسبها خضعت الصناعة لمنطق المكسب المالي في الأجل القصير... وتم تدشين قاعدة للكسب تخص العاملين في داخل هذا النظام لدفعهم إلي المبالغة في التعرض للمخاطر غير المحسوبة.. وتركنا البنوك تضارب في الأسواق بدلا من القيام بمهامها في تعبئة المدخرات من أجل التنمية الاقتصادية وتحليل مخاطر الإقراض.. ومولنا المضارب بدلا من صاحب المشروع.. وأجبرنا المصانع والبنوك وشركات التأمين على وضع أصولها المالية في حساباتهم بسعر السوق الذي يرتفع وينخفض طبقا للمضاربة. وأخضعنا البنوك لقواعد المحاسبات التي لا تقدم أي ضمانة لحسن إدارة المخاطر وإنما تسهم في تزايد الأوضاع خطورة في حال حدوث أزمة بدلا من امتصاص الصدمة... كل هذا الجنون هو ما ندفع ثمنه اليوم."

ويواصل ساركوزي درسه في الاقتصاد السياسي :"اقتصاد السوق هو السوق المنظم، سوق في خدمة التنمية والمجتمع وكل المواطنين. فهو ليس قانون الغاب، ليس الكسب الهائل لقلة وتضحية كل الآخرين. هو المنافسة التي تؤدي لانخفاض الأسعار والذي يلغي الريع ويعود بالفائدة على كل المستهلكين. الرأسمالية لا ينظر لها في الأجل القصير ولكن في الأجل الطويل، وتراكم رأس المال والنمو على المدى البعيد."

وعن الأزمة الراهنة يقول الرئيس:" الأزمة المالية ليست أزمة الرأسمالية بل هي أزمة نظام ابتعد عن القيم الجوهرية للرأسمالية وخان روح الرأسمالية"... "تلك الأزمة تحثنا على إعادة بناء الرأسمالية على أسس أخلاقية العمل والمسئولية الجماعية والفردية.. ويلزم تدشين قاعدة جديدة للتوازن بين الدولة والسوق. علاقة جديدة بين الاقتصادي و السياسي بوضع أسس جديدة للتنظيم... لقد انتهت حقبة التنظيم الذاتي لحل المشاكل.. إنتهى مبدأ "دعه يعمل".. انتهت فكرة أن السوق على حق."

ويضيف ساركوزي "كنا على بعد إصبعين من الكارثة ولا يحق المغامرة بتكرارها." ويضع مجموعة من القواعد التي يلزم النظام المصرفي بإعادة ترتيبها وإلا سنت الدولة قانونا مع أخر العام لتطبيقه إجباريا. وهذه القواعد تخص الأجور المبالغ في ارتفاعها وخاصة "المنح" التي تعطى لكبار المديرين عند نهاية خدمتهم وتصل أحيانا إلى عشرات الملايين من اليورو (تسمى البراشوت الذهبي). وهي تمنح حتى لو كانت الشركة تمر بمصاعب كبيرة. إجبار البنوك على تمويل المشروعات التنموية... ووضع تنظيم شامل لكل الأنشطة المصرفية بكل تفاصيلها.."

ويدعو ساركوزي إلى عقد اجتماع عالمي للدول الكبرى في نهاية السنة لدراسة كيفية التوصل لنظام مالي عالمي جديد. وكذا أن يدرس الاتحاد الأوربي سياسة مشتركة وإعادة فحص نظرية المنافسة على اعتبار أنها وسيلة وليست غاية.."

وعلى مستوى فرنسا أكد ساركوزي "أن الدولة ضامنة لمدخرات المواطنين ولن تسمح بأن يخسر أي مواطن ليورو واحد من ودائعه بسبب سوء إدارة بنك أو شركة تأمين". وسوف تضمن الدولة القروض الضرورية لتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة.. وتطرح المزيد من أراضي الدولة للبيع وذلك لبناء منازل لمواجهة ارتفاع أثمان العقارات والأراضي بشكل هائل."

وتفوق انتقادات ساركوزي ما قدمه الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي بدأ يخلط الاشتراكية ويطعمها بالليبرالية. وهنا الاندهاش الأول الذي لاحظه كل المحللين. فساركوزي يلعب بأوراق المعرضة الفرنسية وغايته السياسية هي تفريغ اليسار من محتواه وهو ما استطاع تحقيق قسم منه بالفعل بضم بعض قادة الحزب الاشتراكي كوزراء ومستشارين. ويظل سؤال عن إمكانيات تحول الخطاب إلى تطبيق ؟ هل يمكن إصلاح الرأسمالية في مجتمع واحد برغم العولمة المعممة لاقتصاديات العالم ؟ وهل يمكن القول بأنها نهاية الرأسمالية بشكلها الراهن وحتمية ابتداع رأسمالية جديدة وكيف في حين أن الدول لم تعد المسيطر على رأس المال بعد لا مركزيته في الشركات العابرة القوميات والقارات وممارساته خارج الحدود الجغرافية ؟ ويضاف الصراع والتنافس بين الدول بحيث يصعب فرض تنظيم واحد عليها إذ أي جهة تلك التي ستقوم بفرض الإصلاح للنظام على الصعيد العالمي ومراقبة حسن تطبيقه ؟

وعلق الحزب الاشتراكي على خطاب ساركوزي بالقول: "أخيرا بدأ اليمين يدرك صحة ما نقوله وما بقى هو التطبيق" ! وصرح الحزب الشيوعي "بأن الرئيس حاول البرهنة على وجود بعض الرأسماليين الشريرين يقومون بعمليات المضاربة بينما هناك الكثير من الرأسماليين الطيبين من رجال الأعمال في حين أن أساس الرأسمالية هو تحقيق الربح وتراكماته والمضاربة." وعلقت الرابطة الشيوعية الثورية :"لا يمكن تهذيب الرأسمالية بإضفاء الأخلاق عليها. فالحل هو استبدالها بنظام اجتماعي جديد اشتراكي وديمقراطي مدافع عن البيئة."


عرض مباشر : الاهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك