الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > هل تمر الليبرالية الأمريكية بمرحلة اشتراكية ؟... مصطفى نور الدين

هل تمر الليبرالية الأمريكية بمرحلة اشتراكية ؟... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية (القاهرة) في ٢٤ سبتمبر ٢٠٠٨

الأربعاء 24 أيلول (سبتمبر) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

هل تمر الليبرالية الأمريكية بمرحلة اشتراكية ؟... مصطفى نور الدين

عندما تكون الفوضى قاعدة دوران النظام الليبرالي فالنتيجة المنطقية حدوث أزماته الدورية ولكن أزمته الراهنة لا مثيل لها منذ نصف قرن أو قرن في نظر الكثير. وفي تقديرات بعض المسئولين السياسيين لا ينبغي الخوف أما غالبية المتخصصين فدقوا ناقوس الخطر. فالمجلة المتخصصة في الأعمال المصرفية "بورصوراما" تصف الوضع :"في وسط الأسبوع كان النظام المصرفي الأمريكي في حالة انهيار : الدم (النقود) لم يعد يجري في هذا الجسم الكبير المريض، والضغط (الذي يقاس بسعر الفائدة في الأجل القصير) ارتفع بشدة. أما المورفين الذي تم حقن الجسم بجرعات كبيرة منه (السيولة التي قامت البنوك المركزية بضخها) لم يكن لها تأثير. فلا مناص من إجراء جراحة عاجلة للغدة الخبيثة التي تنحر جسده."

تدخلت الإدارة الأمريكية بتخصيص 700 مليار دولار لإنقاذ النظام المصرفي في 22 سبتمبر وظهر جورج بوش شخصيا على شاشة التلفزيون ليعلن القرار وكأنه إعلان لحرب جديدة. هنا عكس التدخل حجم المخاطر بعد تفاقم الأوضاع لتقترب من الكارثة. فتصريح بوش لتهدئة السوق والشعب يقول بأن "هذا المبلغ الهائل من أموال دافعي الضرائب لإنقاذ أموالكم ووظائفكم". إذ بحسب "شاريس دوود"، رئيس لجنة البنوك في مجلس الشيوخ الأمريكي،"كانت الولايات المتحدة على حافة إفلاس نظامها المصرفي في غضون أيام قليلة".

وفي فرنسا، وأوربا بشكل عام، كانت أثار أزمة النظام المصرفي ملموسة إذ في ظل العولمة المعممة ترتبط مصارف أوربا بالمصارف الأمريكية عضويا في علاقات إقراض واقتراض متبادل. فعناوين الصحف تعبر عن عمق الأزمة: "انهيار الرأسمالية الجديدة إلي أين ؟"، "والآن التقشف؟" "الأسبوع الذي غير إلي غير رجعة وويل استريت".. وتعكس المقالات في معظم الصحف "نهاية العصر الذهبي" و"سبتمبر الأسود للنظام المصرفي"...

وإذا كانت كريستين لاجاردير، وزيرة الاقتصاد الفرنسي متفائلة في عواقب الأزمة على الاقتصاد الفرنسي فان لورانس باريسو، رئيسة اتحاد رجال الأعمال متشائمة. فالأخيرة صرحت في 16 سبتمبر أنه :"سوف يكون للأزمة عواقب كبيرة على الاستثمار وسرعة النمو للعديد من المشروعات وسيحدث تباطؤ ملحوظ للنمو بشكل عام."

والتحليل المتشائم يقول به أيضا دومينيك ستروس-كان، مدير صندوق النقد الدولي، إذ يرى "الأزمة لا سوابق لحدتها.. فهي وقعت في قلب النظام النقدي بأمريكا وليس في دولة هامشية.. وان تباطؤ النمو للاقتصاد العالمي برمته بما في ذلك الصين الدول الأوربية."

وكتب شالرز ويبلوزسز، يوم 19 سبتمبر في موقع "تيلوس" مقالة بعنوان: "نهاية الرأسمالية ؟ كلا، على النقيض.." فبحسبه "هذا وقت اختفاء البنوك التي ارتكبت أخطاء هائلة وحمقاء منذ 2003 وتسترت على ممارساتها المريبة ولم تعترف بأخطائها وتصوب سياساتها. فهذه البنوك راهنت على استمرارية انخفاض أثمان العقارات ومنحت قروضا هائلة لعدد كبير من المواطنين المتعثرين وانقلب الوضع على البنوك بعدم قدرة المقترضين على السداد فبدأت المصاعب في الظهور وواكبها عدم الإقرار بخطورة العواقب تحت تأثير الفوائد العظيمة التي حققتها وأصابت هذه البنوك بنوع من العمى" ويضيف أن البنوك توهمت أن الأزمة ستمر وتأتي الأيام الوردية فكذبها الواقع.

ومن ناحية أخرى لم تمارس جهات الرقابة المسئولة عن النشاط
المصرفي دورها بجدية إذ أن المراقبين صرحوا بأن الآمان يسود والبنوك صلبة في الوقت الذي كانوا يعرفون فيه أن المصارف تخفي ممارستها في بند لا يخضع للمراقبة ويسمى "خارج الخطة أو الموازنة". وكذا ولم تمارس الحكومات مسئوليتها في الرقابة وبالتالي توفير الحماية للمواطنين من دافعي الضرائب". وفي تصوره أن الرأسمالية تجدد نفسها عبر الأزمات وسوف تحل بنوك جديدة جدية محل التي أفلست وبعد فترة تعاود هي أيضا ارتكاب أخطاء وتسقط بدورها وهلم جرة.

ونشرت صحيفة "لوموند" يوم 19 سبتمبر، حوارا مع جورج سوروس، الملياردير الأمريكي واحد عمالقة المضاربة في البورصة. ومن وجهة نظرة أن الوضع يعكس أزمة في "ويل استريت" وليس انهيارا. "ولكننا على حافة حفرة ولم نسقط فيها بعد وهذا سوف تحدده كيفية معالجة الأزمة. والجديد هو أن تفجر النظام قائم. فما يحدث يفوق التصور".

فالأزمة نتيجة ما يسميه "تشدد السوق" أي سيادة إيديولوجية "دعه يعمل" والتنظيم الذاتي التلقائي للأسواق. فالنظام تفجر من داخله وليس نتاج عوامل خارجية". ويحمل سوروس المسئولية على "الان جرينسبان، الرئيس السابق للبنك المركزي الأمريكي (1987 – 2006). وقال جيوليو تريمونتي، وزير الاقتصاد الايطالي بأن ما سببه "جرينسبان" لأميركا من خسائر تماثل ما سببه لها "أسامة بن لادن". إذ قرر "جرينسبان" ترك معدلات الفائدة على القروض منخفضة لفترة طويلة وسمح للبنوك بابتداع خدمات مصرفية كما تشاء وظن أن الفائدة العائدة من ذلك تفوق الخسائر. وكذا تعود المسئولية على سلطات الرقابة لأنها تركت الحرية المبالغ فيها للقائمين على إدارة الأسواق المالية وترك عمليات الإقراض مفتوحة "على الغارب" بشكل وحشي وواسع. والنتيجة إغراق الملاين من الأبرياء بالديون.

أما بشأن تدخل الإدارة الأمريكية لإنقاذ النظام المصرفي فهي من وجهة نظره جاءت متأخرة بإنقاذ مصرفي "فريدي ماك" و"فاني ماي" ثم شركة التأمين "اي.ايه.جي" والذي كان حتميا وإلا انهار النظام كله. ولكن هذا تدخل علاجي مؤقت وليس وقائيا". وما يختلف اليوم عن أزمة 1929 هو أن السلطات وعت بحتمية تدخلها للإنقاذ برغم أن تلك ليست ثقافتها السياسية بتدخل الدولة.

ويعتبر سوروس أنه سوف يكون للازمة صداها على أوربا ولكن حجم الأثر متوقف على السياسة التي سوف يتم إتباعها لعلاج الأزمة والحل الأمثل هو خفض أسعار الفائدة. ولكن سيكون للازمة أثارها على النشاط الاقتصادي فالمواطن لن يلجأ إلى الاقتراض وسيخفض من استهلاكه ويحدث انكماش في الشهور المقبلة.

ويرى سوروس ضرورة إعادة النظر في النظام المصرفي الأمريكي برمته. فبنوك الأعمال يلزم أن تدمج في بنوك الإيداع وابتداع نظام جديد للتنظيم. وعلى السلطات المصرفية منع تكوين تكتلات مالية وان تكون سياسة الإقراض متناغمة مع السوق العالمي وان يفرض على البنوك أن يكون رأس مالها الأساسي أو الأصول اكبر مما هي عليه. بجانب ضرورة الحيلولة ضد انهيار أسعار العقارات والتقليل من الاستيلاء على منازل الملاك المتعثرين.

وكتب المحلل المالي "ماركو اونادو" في مقال بعنوان :"الأزمة المالية : أشيل و السلحفاة" يوم 12 سبتمبر. ويقول:"أهم دروس الديون العقارية المتعثرة هو أنه طوال العشرين سنة الماضية لم ترتفع أصول البنوك الذاتية بنفس معدل زيادة القروض والمخاطر".

والملاحظ اليوم أن البنك المركزي الأمريكي لن يواصل سياسة إنقاذ كل البنوك التي سوف تتعرض للإفلاس. وربما يقود ذلك إلي سياسة بنكية اقل مغامرة وأكثر شفافية حينما تدرك أن المنقذ ليس دائما على استعداد للإنقاذ وان هناك حدود وعلى البنوك أن تغير من سياستها القائمة على المضاربة ومنح قروض غير آمنة.

ولم يمر تدخل الإدارة الأمريكية بالتأميم للبنوك لإنقاذ النظام المصرفي دون تهكمات إذ كيف تتدخل الدولة الرأسمالية النموذجية في السوق الذي تفرض أن يكون متحررا في كل بلدان العالم ؟ فقال نوريل روبيني، مسئول الخزانة في ظل الرئيس كلينتون :"مرحبا بكم في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية الأمريكية".


عرض مباشر : الاهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك