موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > فرنسا في ظل نيكولا ساركوزي > ساركوزي.. الرئيس المؤمن... مصطفي نورالدين

ساركوزي.. الرئيس المؤمن... مصطفي نورالدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية (القاهرة) في١٧ سبتمبر ٢٠٠٨

الأربعاء 17 أيلول (سبتمبر) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

ساركوزي.. الرئيس المؤمن... مصطفي نورالدين

عاد النقاش الحاد حول العلمانية الفرنسية مع زيارة بابا الفاتيكان، بندكيت السادس عشر، لفرنسا من 12 إلي 16 سبتمبر. فاستقبال ساركوزي للبابا صحبه خطاب عاود فيه طرح فكرته عما يسميه "العلمانية الايجابية والمفتوحة" وهو ما وافقه عليه البابا كتعريف. وكتبت مجلة "لاكسبريس"، في 12 سبتمبر عن : "شهر العسل بين البابا وساركوزي" فأين توجد الخلافات مع خطاب الرئيس ولماذا؟

إذ من الممكن تصور أن تكون سياسة البابا ودوره السعي إلي وحدة الكنيسة المسيحية ومحاربة التيارات المعتدلة التي تسببت من وجهة نظره في عدم الانضباط في السلوك والقطيعة مع المسيحية التقليدية. ولكن ما يأخذه البعض عليه هو أنه في هذه السياسة يتوجه بتحالفاته مع الأجنحة المتشددة اليمينية في الكنيسة ومن مظاهرها إقراره بمعاودة السماح بإلقاء القداس باللغة اللاتينية بل وأنه يتحالف مع التيارات الكنسية التي تعطي أصواتها في الانتخابات السياسية العامة لليمين المتطرف.

وما يستحق الانتباه هو أن خطاب الرئيس ساركوزي منذ 20 ديسمبر 2007 عن "العلمانية الايجابية" يعني ضمنا اتهام العلمانية الفرنسية الحالية بأنها سلبية. أما من أين جاء الرئيس بهذا المفهوم ؟ جاء به من الخطاب البابوي منذ 1907. فالكنيسة استمرت في اعتبار " انفصال الدين عن الدولة في فرنسا مأساة مؤلمة" بحسب كلمات البابا السابق جان بول الثاني، في 11 فبراير 2005، في رسالته إلي قساوسة فرنسا. ففرنسا تعتبر في التاريخ "الابنة البكر (البكرية) للكنيسة".

أما بشأن ساركوزي وهو الأهم بالنسبة للفرنسيين فالمشكلة تجسدت في خطابه أمام البابا في قصر الرئاسة "الاليزيه". إذ قال بإن "التخلي عن الديانة جنون... وخطيئة ضد الثقافة وضد الفكر. ومن أجل هذا أدعو إلي علمانية ايجابية." تلك العبارة تعتبر حكما أخلاقيا علي الآخرين الذين لا يؤمنون ويعتبر الدستور ذلك حقا لهم في اعتناق أي فكر كمسألة خاصة لا شأن للسلطة السياسية بها ولا الحكم عليها سلبا أو إيجابا. فمن لا ديانة له يتمتع بالحق في العيش بمساواة مع الآخرين ولا علاقة بين قناعته الفلسفية بحياته كمواطن. فالعلمانية هي فصل الدولة عن الدين كتطبيق للقانون وللدستور منذ 1905. وهو ما يعني أن لا شأن للدولة بتصريف أمور المعابد والكنائس والمساجد إذ يتم الاهتمام بها من قبل الأفراد أو المساندات الخاصة. فالدولة هي حامية لحرية كل مواطن في الممارسة للعقيدة أو الفلسفة التي اختارها وليست طرفا لا في تحديد اختياره ولا في الحكم عليه.

فما يخشاه الكثير من المحللين هو عودة تدخل رجال الأديان في أمور الحياة السياسية. وخلق إحساس بالانتماء لفرنسا بداية من الدين وليس الانتماء إلي الجمهورية بقيمها العلمانية. وأن النية مبيتة تغيير هذا الوضع التاريخي وسوف يتبعها تحول المجتمع إلي جاليات دينية وتزايد مطالب خاصة بكل جالية.. فالعبارة التي قالها ساركوزي لم يكن لرئيس الجمهورية أن يقولها في دولة علمانية باعتباره المدافع عن ضمان حرية اعتقاد كل المواطنين من مؤمنين بأي ديانة في ممارسة شعائرهم وغير المؤمنين في العيش بحرية بفكرهم المختلف. فاعتباره الإيمان بدين ما حتمي لضمان العقلانية وعدم السقوط إذن في "الجنون" أو "الهوس" حديث غريب علي الشعب الفرنسي. فهو حديث "مستورد" من البلدان الانجلو سكسونية وخاصة الولايات المتحدة. وهو ما يشير له معظم المحللين. فمجلة "لو نوفيل اوبسرفاتير" عنونت حوارا بشأن المسألة يوم 12 سبتمبر :"ساركوزي مغرم بالديمقراطية الأمريكية حيث وجود الرب مهيمن" وينقل قول سارة بالين، نائبة مرشح الرئاسة الجمهوري ماكين بقولها :"إن إرسال جنود للعراق كان عملا ربانيا". وسبقها بوش بكلامه عن وحي هاتفه من أجل شن الحرب في أفغانستان ثم في العراق.

فإدخال الدين في الحياة السياسية تجسدها مباشرة كلمات ساركوزي "أنه من حق الديمقراطية التي تحترم العلمانية بالحوار مع الديانات. خاصة المسيحية التي نشاركها في تاريخ طويل. فهي ميراث حي للتدبر وللتفكير ليس فقط في الرب وإنما أيضا في الإنسان والمجتمع بل في انشغالات اليوم المركزية الخاصة بالطبيعة والدفاع عن البيئة".. وأضاف ساركوزي : تكلمت مرارا عن الجذور المسيحية لفرنسا. ولكن ذلك لا يمنعنا لنفعل كل شيء ليتمكن مواطنونا من المسلمين عيش ديانتهم بالتساوي مع الديانات الأخري".

فالجديد هو أنه لا يذكر الفرنسيون رئيسا سابقا جمع في خطابه العلني بين السياسة والدين ولا من أعلن منهم صراحة عن قناعاته الدينية بالقول أو الفعل. فساكوزي هو الرئيس الأول الذي يراه الشعب يرسم علامة الصليب علنا في الكنائس وفي التليفزيون في مراسم توديع نعوش جثمان الجنود الفرنسيين الذين ماتوا في أفغانستان في 18 أغسطس. فهذا السلوك المشابه للرؤساء الأمريكيين نمط جديد.

ومن ينتقد ساركوزي يري في خطابه "خطرا علي العلمانية لتحديد الرئيس "لديانة بعينها لتعلو سواها في مجتمع متعدد الديانات" بحسب قول فرنسوا هولاند، سكرتير الحزب الاشتراكي. وهو موقف يندد به أيضا فرنسوا بايرو، زعيم يمين الوسط. ويعتبر كل المعلقين "أن إضافة صفة ايجابي لكلمة علماني هي بمثابة سب لعبقرية المواطنين وان تطبيق الفكر سيحمل مخاطر جمة".

وبطبيعة الحال انتقد أتباع الرئيس المعارضين فهم : "علمانيون متشددون".. وأن انتقاد ما قاله الرئيس إهانة لكل المسيحيين بفرنسا. وسخر مارك بلونديل، رئيس جمعية " حرية الفكر" بقوله ما سوف يأتي هو اعتبار كل علماني معارض إرهابي.


عرض مباشر : الاهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك