الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > صراعات أحزاب اليسار الفرنسي... مصطفى نور الدين

صراعات أحزاب اليسار الفرنسي... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية (القاهرة) في١٠ سبتمبر ٢٠٠٨

الأربعاء 10 أيلول (سبتمبر) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

صراعات أحزاب اليسار الفرنسي... مصطفى نور الدين

ككل سنة، في شهر أغسطس، تعقد معظم الأحزاب السياسية الفرنسية ما يسمي "جامعة الصيف" حيث يقدم قادة التيارات بكل حزب تقويم للممارسات والأخطاء والرؤية المستقبلية للخط السياسي. وما يهيمن بداخل الحزب الاشتراكي هذه السنة هو الصراع علي القيادة بعد انتهاء فترة فرنسوا هولاند سكرتير الحزب منذ 10 سنوات. والسؤال المطروح من أحق بهذا المنصب ؟ هل هي "سوجلين رويال" مرشحة الحزب لرئاسة الجمهورية والتي خسرت في مواجهة نيكولا ساركوزي أم شخصية أخري؟ إذ أن أحد الفرضيات هو أن الشخصية الأمثل نظريا للترشيح لرئاسة الجمهورية في 2012 يفضل أن يكون سكرتير الحزب. وهو إفتراض نظري لم يتحقق إلا مرة واحدة في أول فوز للحزب الاشتراكي عام 1981 مع وصول فرنسوا ميتران لرئاسة الجمهورية. إذ مع ليونيل جوسبان لم تثبت محاولاتين صحة الفرضية بانتصاره. يضاف ما هو أهم : أي تحالف علي الحزب الاشتراكي عقده ؟ هل مع الحزب الشيوعي واليسار الجذري والخضر أم مع يمين الوسط ؟ وفي ظل السؤالين تتمحور المناظرة التي دارت من يوم 29 إلي 31 أغسطس في مدينة "لاروشيل" علي شاطئ المحيط الأطلنطي. ويمكن تلخيص الصراع علي رئاسة الحزب في عدة تكتلات ضد سوجلين رويال يقود أحدها ليونيل جوسبان، رئيس الوزراء سابقا، مع بعض أتباع دومينيك ستروس-كان، الذي اختاره نيكولا ساركوزي ممثلا لفرنسا لرئاسة صندوق النقد الدولي، وكان منافسا "لرويال" لتمثيل الحزب في انتخابات رئاسة الجمهورية في مايو العام الماضي. وهذا التكتل يدعم ترشيح برتران دولونيه، عمدة باريس، منذ 2001، الذي تظهر استطلاعات الرأي العام تصدره لقائمة الشخصيات الأكثر حظا لرئاسة الحزب والشخصية الأكثر حبا من الفرنسيين. وهذا الأخير له خصوصية في الحياة السياسية الفرنسية إذ أعلن في التلفزيون عام 1998 عن ميوله الشخصية "المثلية". ولكن ما هو أهم هو إصداره لكتاب منذ عدة أسابيع "بعض الشجاعة" يعلن فيه أنه "اشتراكي وليبرالي" علي السواء. وواجه حملة انتقاد حادة من قبل رويال وبعض قادة الحزب لجمع المفهومين معا كإيديولوجية للحزب مستقبلا. ويضيف "دولونيه" أن مستقبل الاشتراكية أن تصبح خضراء أي أن يكون جوهرها الدفاع عن البيئة.

وحدة اليسار

أما "ليونيل جوسبان" الذي يساند ترشيح عمدة باريس، فيطالب بعودة "إستراتيجية وحدة اليسار أي التحالف مع الحزب الشيوعي وأحزاب الخضر برغم ما أصابهم من ضعف في الانتخابات الأخيرة". وهو توجه لمعارضة الاختيار الذي مالت له سوجلين رويال منذ المرحلة الثانية في انتخابات رئاسة الجمهورية بتفضيل التحالف مع "فرنسوا بايرو" زعيم يمين الوسط.

والكتلة الثانية تسند الترشيح الممكن لعمدة مدينة "ليل" السيدة "مارتين اوبريه"، وزيرة الشئون الاجتماعية (1984) ثم العمل(1997)، والتي حققت أفضل نتيجة في الانتخابات المحلية السابقة. وهي معارضة لسياسة جورج بوش لما يسميه حرب ضد محور الشر وتعارض التحاق فرنسا بحلف الأطلنطي وتدعو لمساعدة بلدان الجنوب كضرورة ومسئولية أخلاقية. وتطالب بنظام اقتصادي عالمي يستند أساسا علي الحاجات الاجتماعية والحفاظ علي البيئة. وكذا ضرورة تدخل الدولة لضمان العدالة الاجتماعية. ويدعم ترشيحها "لوران فابيوس"، رئيس وزراء سابقا والمنافس الأخر "لرويال" في انتخابات رئاسة الجمهورية السابقة. ومن وجهة نظر "فابيوس" يمر الحزب "بحالة من التمزق غير المعلن ويشعر الأعضاء باليأس والتيه والغضب الدائم."

والكتلة الثالثة هي التي تدعم وصول سوجلين رويال لسكرتارية الحزب خلفا لفرنسوا هولاند رفيق حياتها سابقا. ولأن لكل زعيم شعار أطلقت رويال عبارة إنجيلية لمواجهة التيارات الأخري التي لم تكف عن التهجم عليها سياسيا وعلي مستوي شخصي : "فليحب أحدكم الأخر أو اندثروا".

والتكتل الرابع يتجمع خلف "بيير موسكوفيشي" الذي ترك "العصبة الشيوعية الثورية" والتحق بالحزب الاشتراكي في 1986. وشغل مناصب سياسية متعددة أهمها كوزير للشئون الأوربية في حكومة "جوسبان" لخمس سنوات. ويعتبر التلميذ النجيب لدومينيك ستروس- كان" والمدافع عن خط الاشتراكية الديمقراطية. وسوف يعرف نهائيا يوم 23 سبتمبر من سوف يعلن علي قائمة الترشيح لمنصب السكرتير الأول للحزب ثم في منتصف نوفمبر يتم اختياره بالانتخاب في المؤتمر العام للحزب.

لليمين در

ويلزم التذكير بعدد من السلبيات التي وقعت بقلب الحزب الاشتراكي وأهمها التحاق العديد من قادته باليمين الحاكم كوزراء أو مستشارين أو مكلفين بتقديم تقارير للحكومة لإصلاح مؤسسات الدولة والشئون الاقتصادية والمالية. وكان أخر واهم "خيانة"، بتعبير الاشتراكيين، هو تصويت "جاك لانج"، وزير الثقافة سابقا، في البرلمان علي التعديل الدستوري في يوليو الماضي. إذ كان الوحيد من بين أحزاب المعارضة الذي وافق علي الإصلاح الذي تم إقراره بفضل ضم صوته لليمين برغم ما يعنيه هذا التغيير الدستوري من منح سلطة متزايدة لرئيس الجمهورية وتهميش سلطة رئيس الوزراء. إذ أن الرئيس هو الذي سيقدم أمام البرلمان بيان تقويم ممارسة سياسات الحكومة في حين أن ذلك كان دور رئيس الوزراء. وبطبيعة الحال تدخل السياسة الخارجية الفرنسية في برامج الأحزاب. فحزب وسط اليمين الجديد الذي يترأسه "فرنسوا بيرو"، مرشح لرئاسة الجمهورية في الانتخابات الأخيرة، يطالب باستمرار التواجد الفرنسي في أفغانستان. أما الحزب الاشتراكي فينقسم الموقف بداخله بين داعي لعودة الجنود الفرنسيين وبين مطالب باستمرار تواجدهم. ولكن 95 % من المكتب السياسي تعارض سحب الجنود الفرنسيين وتعتبر حدوثه "هدية للإرهابيين في العالم اجمع" وفي نفس الوقت يعلن الحزب "معارضته لإستراتيجية ساركوزي الحالية في الانحياز للسياسية الأمريكية". وما يقترحه الحزب هو "الخروج من إستراتيجية حرب عصابات التي لن تقود لانتصار. وينتقد بطء تحويل المهام للأفغان وان الاقتصاد تهيمن عليه المخدرات وانعدام الحوار السياسي لإيجاد حل دائم". وللتذكير فان فرنسا كانت في ظل حكومة اشتراكية برئاسة ليونيل جوسبان، حين قرر الرئيس الديجولي جاك شيراك مشاركة فرنسا في قوات التحالف الأمريكي في أفغانستان عقب 11 سبتمبر 2001

والشيوعيون في مأزق

وفيما يتعلق بجامعة صيف الحزب الشيوعي الفرنسي فهي عودة بعد انقطاع لهذا التقليد منذ 2001. وهي محاولة لبعث الحياة في الحزب بعد عدد من النتائج الانتخابية السلبية والتي علي أساسها سوف يكون انعقاد مؤتمره العام في ديسمبر محددا لمستقبله. ولذا فلم تكن القضية هي صراع علي القيادة المقبلة كما هو الحال في الحزب الاشتراكي ولكن بالأحري طرح 35 من قضايا الساعة للحوار في ندوات. فطرحت قضايا مثل: ما الذي يعنيه اليوم الصراع الطبقي ؟ وهل يمكن الحديث عن نظام أو نموذج ساركوزي-بيرلوسكوني ؟ والي أين تذهب الصين ؟ وما القطيعة التي يمكن أن يحققها "أوباما" ؟ وأي نمط تنمية صالح لمواجهة التحديات العالمية؟

وكما كتبت "لاهومانيته" جريدة الحزب، في 29 أغسطس : "حتي الآن لم يتوصل قادة الحزب لتفسير موحد لأسباب انحدار أوضاع الحزب الشيوعي. ولكن فكرة أساسية يتفق حولها الجميع وهي لزوم بلورة برنامج جديد يرد علي التغيرات التي حدثت بالمجتمع الفرنسي والعالم." وصرحت السيدة ماري جورج بوفيه، سكرتيرة الحزب بأن "علي الحزب أن يتجدد دون أن يفقد طبيعته ليلتف حوله اكبر عدد من المواطنين عبر برنامج معاصر وشجاع. وهو ما سوف يحدث في مؤتمر ديسمبر." وانتقدت "بوفيه" جامعة صيف الحزب الاشتراكي لأنها لم تركز علي العمل علي وحدة الحركة اليسارية.


عرض مباشر : الاهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك