الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > حرب فرنسا في أفغانستان قذرة أم ضرورية؟... مصطفي نورالدين

حرب فرنسا في أفغانستان قذرة أم ضرورية؟... مصطفي نورالدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية (القاهرة) في ٢٧ اغسطس ٢٠٠٨

الأربعاء 27 آب (أغسطس) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

حرب فرنسا في أفغانستان قذرة أم ضرورية؟... مصطفي نورالدين

"بالتمعن في تاريخ العالم، لم ينجح أي جيش أجنبي في العالم في بلد ليس بلده. لا وجود لهذا، لا الصين في فيتنام ولا بالنسبة لليابانيين. فهو لا يوجد، أيا كان العصر وأيا كان المكان". حكمة قالها نيكولا ساركوزي في مارس 2007 إبان حملته الانتخابية لرئاسة الجمهورية !! ثم قال وفعل بنقيضها بعد وصوله لرئاسة الجمهورية.

لقد دفعت مأساة موت 10 جنود مظلات من الفرنسيين وجرح 21، يوم 18 أغسطس، الصحف للعودة لأقوال ساركوزي المرشح ثم الرئيس في خلال سنة ونصف السنة لإظهار هذه التناقضات. إذ قال المرشح، في 26 ابريل 2007:"بالتأكيد كان من المفيد إرسال جنودنا لأنه كانت هناك حرب ضد الإرهاب. ولكن التواجد لأجل طويل لا يلوح لي حاسما. ولقد قرر رئيس الجمهورية (جاك شيراك) إعادة قواتنا الخاصة وعناصر أخري. وهذه السياسة هي التي سوف أتبعها".. ثم بعد وصول ساركوزي للسلطة غير كلية من استراتيجيته وتعاون بشكل أكثر مع التحالف الأمريكي وهو قرار "شخصي" طرح علي البرلمان للمعرفة وليس لإقراره. وصرح ساركوزي يوم 20 أغسطس موجها حديثه للقوات الفرنسية في أفغانستان :"لماذا نتواجد هنا ؟ لأنه هنا يتم جزء من عملية الحرية في العالم. فهنا تدور حرب ضد الإرهاب... لا شك لدي يجب أن نتواجد هنا. وأقول لكم بيقين لو كان علي الاختيار مرة أخري فسوف أعيد تأكيد الاختيار الذي فعله من سبقوني بإرسال الجيش الفرنسي هنا."(أرسلت فرنسا قواتها عام 2001 في ظل فترة التعايش بين شيراك كرئيس جمهورية ديجولي وجوسبان كرئيس وزراء اشتراكي).. فما الذي حدث لتضحي فرنسا بزهرة شبابها في أتون حرب أفغانستان وما الذي جعلها تنسي حكمة تاريخية؟ أسئلة تعاود الطبقة السياسية والإعلام طرحها بعد مأساة 18 أغسطس فهي اكبر خسارة للجيش الفرنسي في معركة منذ حرب الجزائر وذلك باستثناء التفجيرات التي تعرض لها في بيروت في 1983.

توديع ووسام

فبعد أن قام ساركوزي بتوديع الجنود العشرة ومنحهم أعلي وسام في الدولة في احتفال مؤثر لوجود أهل القتلي وقدمت كل الأحزاب السياسية الفرنسية عزاءها لأسر الجنود وتحيتهم للقوات المسلحة بدأت استجوابات الحكومة تتوالي من اليسار ومن بعض أعضاء اليمين الحاكم. وازدادت المشكلة تعقيدا بما نشرته، في 20 أغسطس، صحيفة "لوموند" من شهادات للجرحي تناقض الرواية الرسمية. إذ قالوا إن بعضا منهم قتل بنيران القاذفات الأمريكية، التي جاءت لمساعدتهم، "بشكل خطأ". بجانب شكواهم من سوء التنسيق وطول مدة وصول العون لهم بعد نفاد ذخيرتهم (استمر القتال من حوالي الساعة الواحدة ظهرا حتي حلول الليل وتم نقل أخر جريح في الثانية صباحا).. فافتتاحية نفس الجريدة في نفس اليوم "تعتبر استراتيجية حلف شمال الأطلنطي فاشلة" وتطالب "بأن يفسر رئيس الجمهورية (قائد الجيش) للفرنسيين لماذا يموت جنودهم علي بعد 6 آلاف كيلومتر من أراضيهم؟" .. وكان الرئيس الفرنسي قد قرر في ابريل الماضي تعزيز قوات التحالف مع الولايات المتحدة بنحو 700 جندي لتصل القوات الفرنسية إلي ما يزيد علي 3 آلاف جندي من بين 70 ألفا من 37 دولة. واهم تواجد هو (23550 أمريكيا، 8530 إنجليزيا، 3370 ألمانيا، 2500 كندي، 2350 إيطاليا، 1100 استرالي..) أما الخسائر فوصلت إلي 574 أمريكيا، 116 إنجليزيا، 90 كنديا، 24 فرنسيا و23 أسبانيا.

استحالة كسب الحرب

ولا يكاد يختلف أي خبير استراتيجي في تحليل الوضع العسكري وتلك الحرب وعواقبها. ففي حوار نشر بصحيفة "لوموند" في 21 يوليو الماضي، يعتبر جيرار شايان، وهو من كبار الخبراء في استراتيجية حرب العصابات والحرب غير النظامية ويقضي عدة شهور سنويا في أفغانستان، :"إن انتصار حلف شمال الأطلنطي مستحيل إذ لن يتمكن من القضاء علي الطالبان والطالبان أيضا لن تهزمه. فليس هناك من مخرج إلا بفتح مفاوضات بين الأطراف." ويضيف: "إنه باستثناء كابول وبعض المدن الكبري تسيطر طلبان علي السلطة المحلية الفعلية في كل المجتمع. ففي شمال وشرق أفغانستان تمكنت طالبان بعون السكان من تأسيس سلطة هرمية موازية... ولأن التجربة تبين أنه عند الوصول إلي هذا المستوي من علاقات القوي فإن الحرب تعتبر خاسرة. وأن ذلك مرجعه انشغال قوات التحالف بالبحث عن بن لادن ولم يتم أي إنجاز اقتصادي أو اجتماعي للفلاحين خاصة في منطقة "الباشتون" أي مفتاح البلد الأساسي".. ويضاف لذلك الفساد الذي تحميه السلطة وعدم تأهيل العدد الكافي من الجنود الأفغان. وأن طائرات التحالف تقصف القري وتقتل المدنيين. فكل تلك عوامل يستخدمها الطالبان لتكوين رأي عام مناهض لوجود القوات الأجنبية وتنامي الروح الوطنية. ويعتبر "شايان" أن من يقاتل ضد التحالف هم من السكان من "الباشتون" وامتدادهم الباكستاني حيث يصل عددهم إلي 15 مليونا يشكلون قاعدتهم الخلفية. بل من مصلحة باكستان كدولة ألا تسقط المنطقة في يد الهند ولذا فهناك دعم باكستاني لهم وإن كان ذلك لا ينفي أن "الباشتون" يقاتلون أولا من اجل مصالحهم الذاتية."

طالبان والمخابرات

وتقول المحللة السياسية بجريدة "لوموند"، "نتالي نوجايريد":"إن المخابرات الغربية لديها المعلومات بأن الطالبان الذين يقومون بعملياتهم علي الحدود الباكستانية يستمدون مساعدتهم من المخابرات العسكرية السرية الباكستانية التي تتصرف كدولة داخل الدولة. وأنه بدأ الوعي بأن تلك هي المشكلة الأساسية في مشاكل أفغانستان.". وتعتبر أن وجود حلف شمال الأطلنطي في ظل تلك الظروف مرتبط بالوضع في باكستان بسكانها البالغ 150 مليونا وبسلاحها النووي. ومن جانب آخر لمحاصرة إيران من شرقها وغربها وكذا للتواجد علي أبواب أسيا الوسطي.". ويقول ميكائيل اوهانلون، خبير الدفاع في "بروكينجز انستيوشن بواشنطن": "نحن في طريقنا لخسارة هذه الحرب". وفي نظره "يلزم زيادة القوات بعشرين ألف جندي للمواجهة وهو عدد معقول وإن يكفي بالكاد للنجاح." وهو نفس تقدير بروس ريديل، أحد رجال المخابرات الأمريكية سابقا وخبير بالمنطقة.. ورأي الخبير الأفغاني أحمد رشيد مهم إذ يعتبر من أكبر المتخصصين في تنظيم الطالبان ويقضي وقته متنقلا بين أفغانستان وباكستان. (كتابه الأخير الصادر هذا العام بعنوان:"الانحدار إلي الفوضي" وهو نقد للسياسة الأمريكية وللحلف الأطلنطي في أفغانستان وباكستان منذ 2001).

يقول رشيد :"سوف تزداد العمليات ضد القوات الأجنبية طوال فترة الانتخابات الأمريكية. وسوف تضطر الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلنطي للدخول في مفاوضات مع الطالبان." ويضيف "إن خسارة حرب يكون نتاج قلة في العتاد والمقاتلين وهذه ليست مشكلة بالنسبة لطالبان إذ تأتيهم جحافل من العراق وتيتشني وباكستان وكشمير ومن العرب ولديهم أسلحة متطورة وأموال المخدرات". ويضيف "بأن قذف الطائرات للمدنيين رفع من حجم التعبئة ضد القوات الأجنبية. وهناك أيضا عوامل أخري للمساعدة مثل الدين والقبيلة والأسرة. علاوة علي ذلك فان قبائل الباشتون الباكستانية والتي لها استراتيجيتها الخاصة بها تدعم في الوقت نفسه الباشتون الأفغانية. ولا ينفي رشيد الشكوك حول المساعدة التي يقدمها جهاز الأمن السري بالجيش الباكستاني للطالبان خاصة محاولات اغتيال الرئيس الأفغاني والعمليات الانتحارية الكبري. وفي نظره لن تدخل قوات الطالبان المدن ولكن سوف تقوم بفرض الحصار علي قوات حلف الأطلنطي بداخلها.. أما بشأن باكستان فيري رشيد أنها في خطر خاصة أن طالبان أفغانستان هم قادة طالبان باكستان. وبشأن الاستراتيجية الممكنة يري رشدي أنها ليست متوقفة عند حدود أفغانستان بل تخص المنطقة ككل. فلابد من فتح حوار مع بلدان أسيا الوسطي وإيران والهند وأن تقوم الأخيرة بحل مشكلة كشمير.

حرب خطرة

وعلي ضوء تحليل الخبراء ومواقف السياسيين المعارضين والكثير من الصحف ما الذي سوف تقرره فرنسا؟ لعل المأساة الإنسانية هي إرسال جنود دون خبرة لحرب خطرة إذ معظمهم في العشرينات من العمر بل احدهم لم يتجاوز 19 سنة وكانت تلك تجربة بعضهم الأولي في المعارك حيث وصلوا لأفغانستان في يوليو الماضي.. وبطبيعة الحال في حالة المأساة لا تملك الصحف إلا كتابة عبارات الحداد وتمجيد القوات المسلحة. ولكن ينزلق البعض لاعتبار الحرب في أفغانستان "تراجيديا ضرورية" كما في افتتاحية "ليبراسيون" ولكن بالإقرار "أنه لا يوجد حل إلا الحل السياسي". وأمام قوة رد الفعل من قبل الكثير من السياسيين والخبراء سوف يناقش البرلمان المسألة في 22 سبتمبر. فالمعارضة للحرب تتردد كما في تصريح اوليفيه بيزانسونو، العصبة الشيوعية الثورية، الذي وصفها "بالحرب القذرة وضرورة عودة الفرنسيين إلي أرض الوطن" في حين يطالب الحزب الاشتراكي "بإعادة النظر في الاستراتيجية الراهنة لحرب لا يلوح انتصار فيها". أما السيدة ماري جورج بوفيه، سكرتيرة الحزب الشيوعي، فتري أن "الحل هو في تحسين حياة الشعب الأفغاني فهو الأكثر فاعلية لانحصار تأثير الطالبان وأن تتم مقاومة الفساد وبناء مجتمع ديمقراطي.. وطالبت بفتح مناظرة برلمانية حول الوجود الفرنسي هناك".. وعبرت السيدة ارليت لاجلييه، حزب الصراع العمالي، عن "أن العشرة موتي زائدون علي الحد. ولكننا لم نر مظاهر لعواطف مماثلة حيال النساء والأطفال الذين يسقطون تحت قنابل القاذفات الغربية.. وإذا عاد الطالبان فهو لأن قوة التحالف هي التي عبدت لهم الطريق.. وليس للقوات الفرنسية أي لزوم للتواجد في أفغانستان."

وتظل نقطة مهمة وهي أن التعديل الدستوري الفرنسي الذي تم في 21 يوليو الماضي يعطي للبرلمان سلطة إذا تلزم موافقته بالتصويت علي بقاء قوات فرنسية في ارض أجنبية أكثر من أربعة اشهر. ولكن الأغلبية اليمينية تسيطر علي معظم المقاعد! فهل سوف تستمر فرنسا في طريق الحرب؟!! أكيد.


عرض مباشر : الاهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك