الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > .. هل هي نهاية الوهم الأمريگي ؟... مصطفي نورالدين

.. هل هي نهاية الوهم الأمريگي ؟... مصطفي نورالدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية (القاهرة) في ٢٠ اغسطس ٢٠٠٨

الأربعاء 20 آب (أغسطس) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

.. هل هي نهاية الوهم الأمريگي ؟... مصطفي نورالدين

"عودة الحرب الباردة".. "العملاق الروسي يستيقظ".. "نهاية هيمنة القطب الواحد".. "روسيا تملي خطتها للسلام علي أوربا".."ساركوزي في عش الدبابير" أفكار تجوب الصحافة والإعلام في العالم. فما الذي يعكر الأجواء بعد استقرار وهم سلامة العالم وسلمه تحت عباءة الجندي الأمريكي المتفرد في الساحة العالمية يفعل ما يشاء حيث يرغب ؟ ومن هذا الأرعن الذي حسب فاخطأ الحساب ليعيد للعالم ضجيج السلاح وما يمثله من مخاطر تذكر بماض بعيد ؟ وما سوف يكون مصير الإنسانية غدا ؟

بحسب جريدة "لوموند" طلب جورج بوش من نيكولا ساركوزي عدم الذهاب لموسكو لحل الأزمة بينها وبين جورجيا ولكنه ذهب بعد تأجيل الزيارة يوما بناء علي طلب السلطات الروسية بالتأكيد للتوغل أكثر في أراضي جورجيا قبل بدء الحوار معه حول الاقتراحات الأوربية لحل الأزمة. وبعد موافقة طرفي النزاع علي الاتفاق تحركت الولايات المتحدة لتحصل علي توقيع جورجيا علي الاتفاق. فالأمر يلوح وكأن أوربا لعبت دور السكرتير الخاص للولايات المتحدة. ولكن الأمر أكثر عمقا.. فأمريكا في مأزق لا يسمح لها بأن تحمي صديقها الطائش الذي أشعل تلك الحرب وأوربا في حاجة لروسيا أكثر من حاجة روسيا لأوربا. فالبترول والغاز عصب سياسة روسيا الذي لا تستطيع أمريكا أن تعوض حلفائها عنه. يضاف أن فترة التغير للرئاسة المقبلة لحظة هامة لتتنفس أوربا باستقلال نسبي ولو كان في مرحلة بلعب الوسيط بدلا من أمريكا فقدت مصداقيتها عبر سياستها العالمية وحيال روسيا منذ سقوط المعسكر الشيوعي.

الالتحاق بالأطنطلي

ونشير لنقطة مهمة للكيفية التي دارت بها الأحداث ومواجهتها وعواقبها إذا كان عامل الوقت مهما للحركة السريعة. استطاعت فرنسا، التي تترأس الاتحاد الأوروبي منذ أول يوليو ولمدة ستة شهور، أن تتجاوز كل قواعد الدبلوماسية الأوربية. فلم يعقد، كما المعتاد، أي اجتماع طارئ لوزراء خارجية الاتحاد الأوربي لفحص ملف الصراع وإصدار البيان المناسب بشأنه واتخاذ القرار الموحد حياله. إذ أرسل ساركوزي وزير خارجيته ثم لحق به بعد يومين لتدشين الاتفاق بين روسيا وجورجيا. وتحرك ساركوزي بهذه السرعة ودون اتفاق سابق علي حدود مهمته فرض الأمر الواقع علي أوربا نفسها وعلي الولايات المتحدة التي جاءت "لطلب إيضاحات بشأن محتواه" أو أن "تبصم" إن صح التعبير وتظهر تواجدها برغم حالة الشلل الدبلوماسي الذي ضربها بعد رد فعل روسيا علي اعتداءات جورجيا علي اوسيتيا الجنوبية وخسارة قوات حفظ السلام الروسية لعشرات من الجنود.

ولعل ما دفع جورجيا لاتخاذ قرار الحرب ضد الحركات الانفصالية هو رغبتها في الالتحاق بحلف شمال الأطلنطي أو بدقة أكثر رغبه أمريكا بإلحاقها بالحلف. ولأن هذا الأمر تم تأجيله فهذا يرجع إلي أن حلف الأطلنطي لا يرغب في قبول الإلحاق لدولة تمر بقلاقل و حركات انفصالية عليه حلها. فهو يضم البلدان التي لا مشاكل بها. ومن هنا يمكن تصور أن المهلة المعطاة لجورجيا لقبولها كانت حتي تصفي تلك الإشكالية لتلحق بعدها بالحلف. وكنتيجة لهزيمتها سيكون إرجاء هذا الالتحاق إلي اجل غير مسمي إلا إذا كان في خطة الغرب إعلان حالة حرب مع روسيا.

واعتبر كل من مرشحي الرئاسة الأمريكية (ماكين واوباما) أن روسيا تسعي لمحو جورجيا من خريطة الطاقة وأن الفيدرالية الروسية تسعي لاحتكار تصدير منتجات البترول المستخرجة في آسيا الوسطي والقوقاز. إذ بالفعل مدت القوات الروسية سيطرتها إلي البحر الأسود وحطمت ميناء (بوتي) الذي يعتبر المنفذ الأساسي للتصدير. والميناء التجاري تمتلك الإمارات العربية المتحدة 51 % من رأس ماله بحسب ما أوردته صوفي شهاب، مراسلة جريدة لوموند الخاصة بالمنطقة يوم 17 أغسطس.

ضعف روسيا

ولابد من التذكير بأن النهج الذي اتبعته معظم دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة كان مستفزا بشكل مستمر لروسيا بالنظر لها كدولة ضعيفة بعد انفراط المعسكر الشيوعي. وكانت قمة الاستفزاز بالاعتراف باستقلال "كوسوفو" في 17 فبراير الماضي وهو أيضا أحد عوامل تفجير الصراع في جورجيا. فجورجيا لم تعترف بكوسوفو مثل روسيا واسبانيا. أي مثل الدول التي تعيش بها أقليات تطالب بالاستقلال أو الحكم الذاتي. فمنح الاستقلال للأقليات شكل اكبر مخاوف جورجيا لأن الكثير من سكانها ينتمون لأقليات عرقية ولغوية وبالتالي فالمسألة كانت قنبلة مؤقتة ليس فقط في كل من اوسيتيا الجنوبية واباخازيا ولكن لدي السكان من الأرمن أيضا الذين واجهوا حركة اعتقالات واسعة من قبل سلطات جورجيا في 17 يوليو الماضي. فجورجيا قبضت علي القادة الأرمن لكي تحيد موقفهم في الضربة التي قامت بها ضد اوستيا الجنوبية يوم 7 أغسطس كما تقول "فلورانس مارديروسيان" المحللة المتخصصة في مسألة الصراع بمنطقة القوقاز.. ولأن الصراع له أبعاد أخري بشأن زرع درع الصواريخ الأمريكية المضادة للصواريخ البعيدة المدي في كل من جمهورية تشيك وبولندا فان الولايات المتحدة وقعت مع بولندا اتفاقا مبدئيا يوم 14 أغسطس لتنفيذه وهو ما آثار روسيا وهددت باستخدام القوي النووية في مواجهة الأخيرة في حالة الدفاع ضد التهديدات التي تشكلها هذه الصواريخ. وبذلك يكون الصراع قد انتقل فعليا بين روسيا وأمريكا بشأن ميزان القوي في أوربا بعد أن خسرت أمريكا فرصة ضم جورجيا لحلف شمال الأطلنطي لاعتراض ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة لما يسببه من استفزاز لروسيا. وبدأ من جانب آخر اختلافات في داخل الاتحاد الأوربي من 4 دول ذهبت لمناصرة جورجيا وانتقدت تصريحات ساركوزي "بأن من حق روسيا الدفاع عن مصالحها في المنطقة المتحدثة بالروسية في اوسيتيا الجنوبية". وهو شقاق داخل المجموعة الأوربية يجب انتظار عواقبه في المستقبل.. وتلزم الإشارة إلي أن روسيا كانت متيقنة من اندلاع الحرب الأخيرة. فأثناء اجتماع دول الاتحاد الأوربي في 20 أكتوبر 2006 في مدينة (لاهتي) بدولة فنلندا حيث اتهم بوتين نظيره ميخائيل ساكاشيفلي، رئيس جورجيا، بأنه يعد "لإراقة الدماء" في كل من ابخازيا واسيتيا الجنوبية. وحذر بوتين الرئيس بوش من انه يوجد من يشجع سياسة جورجيا الهدامة. بل انه عشية اتهام بوتين، طلب مجلس الأمن بالإجماع في 13 أكتوبر من جورجيا الالتزام بوقف إطلاق النار الموقع في 1994 والانسحاب من المناطق التي احتلتها في منطقة (كودوري) التي كانت جورجيا قد انتهكت الاتفاقية بالتغلغل بها في أواخر يوليو.

والنتيجة المرحلية هي كما يقول المفكر ايمانوئيل فاليريشتين، في 15 أغسطس بمقال بعنوان:"الجعرافيا السياسية للعبة الشطرنج". أن أمريكا لم تفهم أصول اللعبة منذ انهيار المعسكر الشيوعي وتصورت أنها قوة عظمي ويمكنها تحريك قطع الشطرنج كما تشاء وأينما أرادت. وفي ظل تلك القناعة الخاطئة كانت روسيا في ظل بوتين تقوي داخليا اقتصاديا وعسكريا في الوقت الذي تنهك أمريكا نفسها في حربين خاسرتين في أفغانستان والعراق. ثم تستفز روسيا بالاقتراب من حدودها بشبكة الصواريخ في جمهورية تشيك وبولندا ثم بترحيبها في ابريل الماضي بضم جورجيا وأوكرانيا لحلف شمال الأطلنطي.

روسيا والغرب

فعلي صعيد الإستراتيجية العالمية الغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة، بحاجة لروسيا أكثر من حاجة روسيا للغرب. وعبارة برنار كوشنر، وزير خارجية فرنسا، تقول الكثير من المعاني. إذ للرد علي سؤال للصحفيين عما يمكن ممارسته للضغط علي روسيا؟ قال: "ماذا تتصورون، نرسل (كليمانصو) حاملة الطائرات الفرنسية أم نرجع لروسيا الغاز الطبيعي ؟" ويعتبر "ستيفان سيستناوفتش"، الخبير في الشئون الروسية في "كونسي اون فورين ريلاشين" بواشنطن :"إن من الصعب أن تفرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية علي روسيا مثل تلك التي تفرضها علي الدول المارقة فهذا غير مجد ويعود بالخسارة علي الشركات المستثمرة هناك". وتقول "نينا هاتشيجيان"، من انستيوت اميركان بروجريس:" لم نتمكن في أمريكا من تحقيق تخفيض في استخدام البترول ولا يمكننا الاستغناء عن البترول الروسي". فروسيا تمد الغرب باحتياجاته الأساسية من البترول والغاز والاتحاد الأوروبي هو زبونها الأول وتشكل التجارة الخارجية بينهم نحو 20%. ولروسيا علاقات وثيقة مع الدول الآسيوية الكبري خاصة الصين التي تصل حجم التجارة الخارجية مع روسيا إلي أكثر من 11 % ولها علاقات قوية مع الهند وإيران وسوريا بجانب أهميتها في العلاقة الغربية مع كوريا.

إن أيا من دول الغرب لم يصرح بإدانة صريحة لروسيا وإنما بالمطالبة بسحب القوات وعودتها إلي قواعدها السابقة. وتكاد تتكرر ذات العبارة علي لسان كل الأحزاب السياسية بكل توجهاتها. بل إن الاتفاق الذي تم التوصل إليه لا ينص علي تكامل أراضي جورجيا ويترك حل مسألة المناطق الانفصالية معلقا برغم التصريحات التي تقول بعكس ذلك. ومن غير المتصور أن تتراجع القوات العسكرية الروسية من جورجيا دون التوصل لحلول نهائية لتلك المسألة وفي نظر الكثير من المحللين نهاية الرئيس ساكاشفيلي أيضا ومرجع ذلك ليس فقط تلك الحرب الغبية بل الغضب من سياسته الداخلية والفساد السائد وقمعه للمعارضة.


عرض مباشر : الاهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك