الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > "أبناء دون كيشوت" أعلنوا الحرب على البؤس الفرنسي.. مصطفى نور الدين

"أبناء دون كيشوت" أعلنوا الحرب على البؤس الفرنسي.. مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) العدد 1311 - ٣١ يناير 2007

الأربعاء 31 كانون الثاني (يناير) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

"أبناء دون كيشوت" أعلنوا الحرب على البؤس الفرنسي... بفلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) العدد 1311 - ٣١ يناير 2007

هل يمكن تصور آلاف من المواطنين يذهبون لمشاركة سكان المقابر في مصر حياتهم لكي تتحرك الجهات المسئولة لإيجاد سكن لمن لا مأوى لهم؟ هذا ما يحدث في فرنسا منذ أواخر ديسمبر. إذ بادرت جمعية "أبناء دون كيشوت" الأهلية التي أسسها مجموعة من الشباب بنصب آلاف الخيام على ضفاف نهر السين في واحدة من أجمل مناطق باريس (قنال سان مارتان) كحركة عصيان مدني من اجل توفير السكن لنحو 100 ألف مواطن يعيشون في العراء.

الرأسمالية والفقر :
فهل يعني ذلك أن الرأسمالية المتقدمة تنتج الفقر ؟ لو كان فيكتور هيجو حاضرا لأعاد صياغة روايته "البؤساء" واستبدل متاريس "كوميونة باريس" بالخيام كأسلوب مستحدث للثورة على استمرارية معاناة الملاين في واحدة من أكثر المجتمعات الرأسمالية تطورا.

فرسميا يعلن شهريا عن تحسن أو تدهور البطالة كمؤشر لمدى نجاح سياسة الحكومة إلا أن التقدير الرسمي للعاطلين هو 2 مليون فقط. وأخيرا تصدت لهذه الأرقام المضللة جمعيات من باحثين جادين، وكشفت العدد الفعلي والذي يصل إلى 4.4 مليون. إذ لا تأخذ وزارة العمل في الاعتبار إلا شريحة من يبحثون عن عمل دائم ولا تضيف من يبحثون عن عمل مؤقت أو "نصف وقت" أو العاطلين الذين تجاوز سنهم الخمسين ويعفيهم القانون من البحث عن عمل أو العاطلين في المستعمرات الفرنسية في أعالي البحار.. وفضل وزير العمل ألا يعقب !

والأكثر مأساوية جاء في تقرير نشره منذ أيام "المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية" ويكشف أن بفرنسا نحو 7 ملاين نسمة ( 22 % من السكان) دخلهم الشهري أقل من 788 يورو . أي في حالة فقر إذ يعتبر الدخل الشهري الضروري للفرد 1314 يورو. وأنه من بينهم 10 % دخلهم لا يتجاوز 418 يورو شهريا.. وأن 14 % أفراد وحداء و 13 % أسر أحادية العائل (مع طفل أو أكثر).

استراتيجية البؤس المكثف :
والمشكلة مثارة منذ عقود وحلولها السابقة كانت للتسكين والتخدير السياسي في ظل كل الحكومات. "فالأشخاص بدون سكن ثابت" كما يطلق عليهم يعيشون في الشوارع وتحت الكباري وبجوار المحلات الفاخرة ليتسولون وينامون ولحافهم أوراق الجرائد.

فالمتجول بفرنسا يشاهد آلاف الرجال والسيدات في حالة مزرية. ولان البعض قد يشيح بوجهه حتى لا تصدمه مشاهد البؤس فإن "أبناء دون كيشوت" أجبروا الجميع على رؤية ما يتحاشونه مركزا، على ضفاف نهر السين، في الخيام التي يتجمع فيها ألاف من المتضامنين بالنوم مع من لا سكن لهم من الفرنسيين والمهاجرين، ليشعروا بحياة "المستذلين المهانين". وامتدت الخيام لقلب عشرات المدن : ففي مرسيليا ( 359 خيمة)، بوردو (390)، تولوز (445)، ليون (513)... وأفردت الجرائد صفحاتها مضطرة للحديث عن الظاهرة الجديدة وطرح مسألة البؤس الذي يذهب ضحيته عشرات كل سنة من البرد القارص. (متوسط عمر الفرنسي 76 سنة ومن ينامون في الطرقات يموتون في الخمسين من العمر).

وكف تدخل البوليس عن تفرقة من نصبوا خيامهم إذ بلغ عددها نحو 3 ألاف في باريس وأصبح من المستحيل ألا تحاول الدولة إيجاد مخرجا.. فالانتخابات الرئاسية في أبريل القادم ! فتحرك الساسة من كل الأحزاب فللوعود ثمرة في صناديق الانتخابات. وتوالت المفاوضات بين ممثلي "أبناء دون كيشوت" ووزيري الشئون الاجتماعية والإسكان وتقرر توفير 27 ألف مكان لسكن عاجل حتى يتم تدبير سكن نهائي لكل حسب حاجته !

ولكن "أبناء دون كيشوت" قرروا الاستمرار، تحت المطر وفي البرد، حتى تتجسد الوعود في أفعال. الاستمرار برغم أن ما توصلوا إليه من إيجابيات في أسبوعين ناضل من أجله دون جدوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الكثير، مثل "الأب بيير" أشهر المدافعين عن الفقراء مدعوما بشخصيات تنشغل بالهموم الإنسانية مثل العالم- الفيلسوف "ألبير جاكار".

ووضع"أبناء دون كيشوت" على شبكة النيت ميثاقهم لتوفير سكن لكل مواطن. وانضم لهم نحو 17 ألف مواطن والجمعيات الأهلية والأحزاب السياسية باستثناء اليمين المتطرف.

وأضطر جاك شيراك للتدخل باقتراح قانون سيقره البرلمان في فبراير، وفيه تتعهد الدولة بضمان سكن لكل محتاج ومقاضاة الملاك الذين يرفضون تأجير شققهم. ففي فرنسا مليون و800 ألف شقة خالية. وطرد من السكن عام 2004 نحو 103 ألفا مقابل 88 ألفا عام 1997. وبفرنسا قانون أخر يفرض على كل مدينة توفير 20 % من مساكنها للإسكان الشعبي أو أن يدفع مجلس المدينة غرامة كبيرة.. والغالبية تفضل دفع الغرامة.

صالة العرض

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك