الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > الاتحاد من أجل المتوسط : الأهداف والعقبات... مصطفى نور الدين

الاتحاد من أجل المتوسط : الأهداف والعقبات... مصطفى نور الدين

رد على أسئلة من جريدة السفير اللبنانية نشر مقطافات منها يوم 10 يوليو 2008

الخميس 10 تموز (يوليو) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الاتحاد من أجل المتوسط : الأهداف والعقبات... مصطفى نور الدين

نشرت مقطفات من هذا المقال بجريدة السفير اللبنانية يوم 10 يوليو 2008 تحت عنوان :أمواج فرنسية وأمريكية تتقاذفهم وإسرائيل تترسخ... العرب يلتفتون شمالا.. يا أهلا بالمتوسط" كرد على أسئلة الأستاذ وسام متى :

ما هي فرص نجاح وفشل المشروع؟

ما هي الأهداف الأوروبية والفرنسية خصوصاً من وراءه؟

ماذا عن موقف الصين والولايات المتحدة من المشروع؟

ما هي العوائق والإشكاليات التي قد تعيق تنفيذه؟

هل يمكن أن يكون الهدف من المشروع تطبيع العلاقات العربية-الإسرائيلية؟

مشروع الاتحاد من اجل المتوسط قد يقف في أول خطواته بعد التقاط صورة تذكارية للأعداء يتصافحون ويكون ذلك نجاحا لإسرائيل باجتماعها مع الدول العربية مثلما كان في مؤتمر انابوليس ثم في قطر. أي استمرار مباركة الدول العربية لسياستها وإقرارها. والنجاح لا يتوقف على أوربا وحدها فهي سوف تضع شروطها غير المعلنة تفصيليا للآن والنظم العربية المشاركة مستعدة للذهاب إلى أقصى مدى في التنازلات مقابل بعض المناصب الرئاسية في الاتحاد، كما هو حال مصر، أو للسعادة باستقبال مقره في عاصمتها كما هو حال دول المغرب العربي. فهي محاولة من هذه الدول لتأخذ أي وضع في النظام العالمي ولسياسة الاستهلاك المحلي وكذا لشراء الصمت حيال سياستها غير الديمقراطية. ولأن الدول العربية تدخل الاتحاد بشكل فردي، وليس من خلال جامعة الدول العربية، فلا وزن لها في المساومة. ويشار إلى أن تصور ساركوزي للعالم العربي يستند إلى نفس الفكرة، أي أن "وحدة العرب صورية ويجب التعامل مع كل دولة على حدة". يضاف أن ترابط المصالح عميق ومعقد خاصة لبلدان المغرب العربي نظرا لوجود ملايين المهاجرين المغاربة بأوربا وبالتالي فكل تشدد من طرف دول المغرب له عواقبه على مستقبل الهجرة. ويضاف تداخل الاستراتيجيات الدفاعية بين مع الغرب والمعاهدات التجارية وتيسر حركة رأس المال المستثمر بهذه البلاد وبالتالي خشيتها لانحصار حضوره إذا ما ظلت على هامش المتوسط.

والمشروع لا يختلف جوهريا عن المشروع الأمريكي من اجل "الشرق الأوسط الكبير" الذي مات لحظة ميلاده. والاختلاف هو أن من يدعو له اليوم هي فرنسا أساسا وأوربا تذهب إليه بحذر. ولكن الولايات المتحدة ترى فيه بطبيعة الحال مشروعها يقوم بتنفيذه حلفاء لها بالنيابة عنها نتيجة مأزق علاقاتها مع شعوب البلدان العربية جراء حروبها ضد بعضهم ومساندتها لإسرائيل غير المحدودة. فالولايات المتحدة أعطت توكيلا لفرنسا للعب دورا في داخل الإستراتيجية الأمريكية العالمية. وتجسد هذا الدور في اقتراب فرنسا من مناطق النفوذ الأمريكية التقليدية مثل منطقة الخليج. فاتفاقيات التعاون العسكري مع دول الخليج لم يكن لها أن تتم ما لم توافق الولايات المتحدة عليها. وجهزت فرنسا الأرض لجر الدول العربية للمشروع بالتعاقدات المتوالية وخاصة النووية مع دول المغرب العربي وبعض دول الخليج. يضاف مواقف فرنسا من إفريقيا المتوافقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وخاصة مشكلة دارفور والدول المتعاملة مع الصين. وفرنسا مع ساركوزي تحاول أيضا استعادة دورا عالميا واللحظة مناسبة مع تغير طاقم الإدارة الأمريكية بعد شهور. فإن كسب التوجه الجمهوري المتشدد ففرنسا اليوم تجسده مسبقا. وإذا تصورنا أن الديمقراطيين، مع بارك اوباما، أكثر ليونة، وهو احتمال ضعيف، فإن فرنسا ستقود الاتجاه الأكثر صرامة في السياسة العالمية. والجو الأوربي اليوم يتوجه في ذات المسار المتشدد ولسنوات طويلة.

وفيما يخص الصين فالأمر ينظر له ليس من موقفها معه أو ضده ولكن باعتبار "الاتحاد من اجل المتوسط" يقوم في جانب منه لمحاصرة "الزحف الصيني". فالغرب منذ سنوات يفقد أفريقيا بوجود صيني مكثف في الاستثمارات والقروض المسهلة وبأسعار فائدة اقل من الدول والبنوك والهيئات النقدية الغربية، بل تنعدم أحيانا الفوائد على القروض الممنوحة. وأدى ذلك لخروج العديد من الدول الإفريقية من تحت سيطرة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. يضاف لذلك الارتفاع المستمر لاستغلال الصين لحقول النفط الأفريقي والاعتماد على المستورد منه للسوق الصينية التي يتزايد طلبها عليه.

أما الأهداف الأوربية والفرنسية فهي متعددة. ولعل أهمها هو تعميم الليبرالية الاقتصادية وتكشف هذا الهدف التقارير الأوربية الرسمية التي ترسم لخلق منطقة للتبادل التجاري الحر مع عام 2010 على النمط الذي تتبعه أمريكا مع جيرانها. يضاف هدف جوهري وهو الأمن أو كما يقال محاربة "الإرهاب" وهنا يدخل التعريف المغرض باعتبار المقاومة إرهابا. فهي إذن محاصرة لحركات المقاومة بكل أشكالها في المنطقة العربية وغيرها. وهذا لن يستثني الدول أيضا التي تشكل "محور الشر" في القاموس الغربي وبالتالي عزل إيران لهجوم محتمل عليها بعد عزلها عن حلفائها الاحتماليين بدخولهم الاتحاد من اجل المتوسط. فالهدف النهائي هو القضاء الفعلي على أي قوة محلية مهددة لمصالح الغرب وإسرائيل أو في أضعف الأحوال تدجينها.

وبطبيعة الحال يضاف هدف ضمان الطاقة والسوق للسلع التكنولوجية الغربية وتنظيم عملية الهجرة عبر قنوات تصب في احتياجات الغرب للأيدي العاملة المرتفعة الكفاءة. وأصبح تنظيم الهجرة والحد منها حيويا لأوربا نظرا لتوسيع الاتحاد الأوربي إذ بأوربا أكثر من 20 مليون عاطل وبالتالي فاستيعاب هذه البطالة بتشجيع أو تسهيل حركة الأيدي العاملة سوف يخفض من نسبة البطالة بدول الاتحاد ويساعد على ذلك أن الاتفاقية الأوربية تحرر حركة السلع ورأس المال والأفراد. ولكن ليتم ذلك يلزم أن تقوم دول المتوسط بغلق حدودها لمنع الهجرة "المتوحشة" غير الرسمية.

وهناك دون شك هدف أساسي وهو حماية إسرائيل بالتطبيع معها عبر ملتقى يجمعها مع العرب تحت مسمى عام. فهو ليس لقاء عربي إسرائيلي وكأن "الكل المتوسطي" لا يمثل الأعضاء المشكلة له. وهنا لابد من الإشارة إلى أن العلاقات الأوربية الإسرائيلية تشهد تعميقا متزايدا أقره مجلس وزراء خارجية الإتحاد الأوربي في منتصف يونيو الماضي.

ويلزم الإشارة أخيرا بأن هناك علاقة ثلاثية الأطراف في طور التكوين وهي : حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوربي والاتحاد من اجل المتوسط. فالتنسيق على المستويات الثلاثة بشأن الأمن "العسكري" له وجود هام خاصة بعد العودة المنتظرة لفرنسا إلي مجلس قيادة حلف شمال الأطلسي مع أخر العام الراهن. فتأمين البحر المتوسط مسألة حيوية في الإستراتيجية الغربية مجتمعة وضم دول المتوسط لهذه الإستراتيجية هي استعادة لوضع يده عليها تحت قيادة كل من حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوربي بشكل مباشر تحت مسمى جديد "الشراكة" وإلهاء تركيا بدور حيوي في هذا الاتحاد لصرفها عن الانضمام للاتحاد الأوربي.

أما العوائق التي قد تواجه هذه الاتحاد فتعود لمثاليته إذ سيجتمع به عدد غير معلوم من الدول. فهناك 27 دولة أوربية من طرف ومن الطرف الآخر العد غير معلن بعد ولكن يقدر بأربعين دولة من الطرفين. والصعوبة سوف تتأتى في جانب منها من التنافس بين الدول الأوربية للاستئثار بالسوق العربية. أي التنافس الرأسمالي التقليدي المفتوح على مصراعيه في ظل ليبرالية مشروطة على الجميع. فهل سيقود ذلك الخلاف لخلق الشقاق الأوربي ؟ والعائق الآخر هو عدم نهاية إتمام الاتحاد الأوربي بعد الرفض الايرلندي يوم 12 يونيو الماضي للاتفاقية ومواجهة مشاكل محتملة مع رفض بولندا وغيرها لإقرارها.

لا شك أن عدم التوصل لحلول لمشاكل الشرق الأوسط سيكون عاملا في تفجير الخلافات بالجلوس مرات أخرى مع إسرائيل في ظل متابعتها لسياستها العدوانية واحتلالها للأراضي العربية وعدم حل القضية الفلسطينية وعودة اللاجئين. وهنا سيكون الموقف السياسي الأوربي المنحاز لإسرائيل قنبلة مؤقتة دائمة في قلب الاتحاد.من أجل المتوسط.

يضاف لذلك التناقضات في الموقف الأوربي بشأن حقوق الإنسان ففي الوقت الذي تدين الهيئات الأوربية الممارسات المعادية لحقوق الإنسان في العديد من الدول العربية فإنها تضع هذه المسألة في سلة المهملات لتشييد هذا "الاتحاد". ولأن الصراع الاجتماعي يزداد في المجتمعات العربية نتيجة الفقر وغلاء المعيشة وكتم أصوات الصحافة والأحزاب المعارضة وتعرض الكثير للسجن والتعذيب وعدم احترام حقوق الأقليات فإن الموقف الغربي يتسم بالنفاق وسوف يواجه في كل لحظة بضرورة إدانة بعض الشركاء من دول المتوسط أو الصمت حول ممارساتهم. ومن العوامل الأخرى تمويل المشاريع التي سوف يحددها هذا الاتحاد. فمن سوف يمول وكيف سوف يتوزع نصيب كل طرف ومن أين سوف تأتي الأموال ؟ هل من قروض بأسعار فائدة أم بدون أسعار فائدة ؟ ومن سيقبل بالقيام بسياسة حرس الحدود للاتحاد الأوربي من دول البحر المتوسط على نفقته الخاصة ؟


عرض مباشر : جريدة السفير اللبنانية

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك