موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الاتحاد الأوربي > الاتحاد الأوربي بين صعوبات البناء وحائط العزل الفاضح... مصطفى نور الدين

الاتحاد الأوربي بين صعوبات البناء وحائط العزل الفاضح... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي الأسبوعية (القاهرة) في 2 يوليو 2008

الأربعاء 2 تموز (يوليو) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الاتحاد الأوربي بين صعوبات البناء وحائط العزل الفاضح... مصطفى نور الدين

الشك في أوربا والغضب منها هو الحال اليوم. الشك في إكمال بناء الاتحاد الأوربي قريبا. فبعد الرفض الايرلندي في الاستفتاء العام لاتفاقية (ليشبونة المبسطة) للاتحاد الأوربي يوم 12 يونيو أصبح من الصعب مواصلة البناء السياسي وإتمام انتخابات البرلمان الأوربي في يونيو 2009. وهذا البرلمان جوهري لما سوف يتمتع به من صلاحيات تحل محل صلاحيات الدول الأوربية. فالبرلمان ورئاسته التي سوف تتم بالانتخاب ستكون له كلمة نافذة في السياسات المحلية بكل دولة إذ ستكون له صلاحيات متابعة ما يناقش في برلمان كل منها وإعطاء توجيهاته بشأن عدم تناقضها مع نصوص الاتفاقية الأوربية المشتركة التي يتحتم موافقة كل الدول عليها مسبقا. وحتى الآن وافق 19 دولة من 27.

والمخرج بيد أيرلندا إما بالعودة إلى صناديق الاستفتاء ثانية وهو مستبعد أو بإقرار الاتفاقية من البرلمان وهو يتنافى مع دستورها ! والاتفاقية لا يمكن إحداث أية تعديلات بنصوصها باعتبارها وثيقة دولية. ولأنه لا حل في الأفق أرجأ البرلمان الأوربي، في جلسة 20 يونيو، مناقشة المسألة لشهر أكتوبر مع الخوف من رفض دول أخرى فحينها يلزم البدء من نقطة الصفر. وبإيجاز فالرفض الايرلندي اليوم مثل الفرنسي والهولندي عام 2005 هو رفض للأساس غير الاجتماعي للاتفاقية ووضعها لمبدأ أساسي لدوران النظام الاقتصادي يقوم على المنافسة كآلية أساسية وبالتالي فقدان الدول لاستقلالها بعدم تدخل لدعم أي قطاع لأي سبب وذلك لضمان حرية المنافسة. يضاف حق البرلمان الأوربي في الدعوة لتطبيق تشريعات موحدة على كل الدول تسلب العاملين من حقوق حققوها في نضال طويل مثل توحيد ساعات العمل الأسبوعي في كل الدول.

وفي تقدير البعض "ماتت الاتفاقية قانونيا". وتسبب هذا الرفض في الإحساس بالتعاسة لدى حكام الدول ولكن رأى فيه من لا يريدون الاتحاد "بطريقة فوقية" برلمانية نوعا من التعبير عن غضبهم من حكوماتهم التي تحاشت عرض الاتفاقية للاستفتاء الشعبي خشية أن ترفض. وصرح الحزب الشيوعي الفرنسي بأن البرلمان الأوربي لم يحترم إرادة الشعوب الأوربية بفهم هذا الرفض الشعبي. وهنا يلوح سؤال على الهامش: كيف سيتم انعقاد "الاتحاد من أجل المتوسط" في 13 يوليو في ظل اتحاد أوربي مازال موضع تساؤل ؟ ومن سوء حظ فرنسا تفجر تلك الأزمة عشية رئاستها للاتحاد الأوربي في أول يوليو لمدة ستة شهور.

أما الغضب فهو من إصدار البرلمان الأوربي لقانون "عودة" المهاجرين الذين لا يحملون أوراق رسمية، في 18 يونيو. وفي انتظار ترحيلهم لبلادهم أو قبول بلد آخر لاستقبالهم يحق احتجاز (كلمة رقيقة بدلا من سجن) المهاجر لمدة قد تصل إلى سنة ونصف في معسكرات خاصة وسوف يتم توحيد العمل بهذه المدة مع عام 2010 إذ تختلف مدة الحجز حاليا من دولة لأخرى. ويظل المهاجر في هذه السجون تحت سماء مفتوحة لا يغادرها إلا على طائرة إلا إذا إنتهت المدة دون وجود مخرج فيطلق سراحه. وأعطى شهر مهلة للمهاجرين "الهاربين" لمغادرة الأراضي الأوربية وإلا وضعوا في معسكرات الاعتقال إذا تم ضبطهم. ولا يستثني القرار الأطفال القصر الذين جاءوا بمفردهم بشرط ترحيلهم لبلد به مؤسسات لرعاية الأحداث لضمان مستقبلهم !!

ويلزم قول ما لا يقال بشأن هذه السياسة المحددة للهجرة لاستبعاد القادمين من خارج أوربا والذي يقدر عددهم الآن بنحو 8 مليون مهاجر غير شرعي في الدول الأوربية. فالأساسي غير المعلن هو استخدام العمالة الأوربية الفائضة بدلا من جلب مهاجرين من خارج القارة إذ يبلغ عدد العاطلين بأوربا نحو20 مليون. فالاتحاد الأوربي يقوم على حرية حركة رأس المال والسلع والأفراد وهو ما يعني إمكانية الحراك للعمالة من بلد إلى آخر لحق المواطن من أي بلد للعمل في آخر وبالتالي تقليل نسبة البطالة الأوربية في المدى الطويل.

ومن المعروف أن ايطاليا تعد قانونا لاعتبار المهاجر بدون أوراق جنحة. وفي فرنسا أعلن "بريس هورتفو"، وزير الهجرة والتكامل والهوية الوطنية، عن سروره لما تحقق من تقدم بشأن الهجرة غير الشرعية إذ من ناحية وصل إلى فرنسا كمهاجرين بأوراق رسمية نحو 30 ألف شخص في حين تم إعادة ما يقرب من 29 ألف مهاجر إلى بلدانهم في خلال سنة وأن السنة الجارية سجلت زيادة في الطرد بنسبة تعادل 80 % بالقياس بالعام الماضي.

وأدانت القرار الأوربي كل المنظمات الفرنسية والدولية والجمعيات المدنية المنشغلة بحقوق الإنسان والمفكرين والسياسيين ورجال القانون. فالكلمة التي احتلت عناوين الصحف هي: "قرار العار". ومن بين ردود الفعل ما صرحت به السيدة "لويز اربور"، مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، عن قلقها من هذا القرار الذي لا يقوم بحماية الضعفاء الذين تعرضوا لظروف صعبة من الفقر والجوع وعدم تمتعهم بحماية قانونية". وقالت "امنيستي انترناسونال" : "إن هذا القرار القبيح سيكون مثالا تطبقه دول أخرى أسوة بأوربا". وأعلنت أحزاب الخضر عن شعورها "بالعار" من هذا القرار. أما الحزب الاشتراكي فرأى فيه:"تراجع لحقوق المهاجرين وإدارة الظهر للقيم الإنسانية الأوربية". وأعلن الأب اوجستينو مارشاتو، عن الكنيسة "إدانته للقرار" وقوله "إذا فقدت أوربا رفع راية الدفاع عن حقوق الإنسان الأصلية فماذا سيبقى لها بين الأمم الكبرى والصاعدة؟"

ومن بين عشرات المقالات الناقدة كتب ميشيل روكار، رئيس الوزراء الاشتراكي الأسبق، وجاك دولور، الرئيس السابق للجنة الأوربية (وهي سلطة عليا بالاتحاد الأوربي بجانب البرلمان الأوربي ومجلس الاتحاد الأوربي)، مقالا مشتركا، في صحيفة "لوموند" يوم 18 يونيو، وحذرا من تعارض محتوى القرار من قضية حقوق الإنسان. فالمهاجر سوف يتم عقابه بالسجن سنة ونصف في حين أن ترحيله لا يستلزم إلا نحو عشر أيام. وأدان المقال التسرع في استصدار القرار لطرد المهاجرين وحرمانهم من العودة إلى الأراضي الأوربية لمدة خمس سنوات "كما لو كانوا قد ارتكبوا جريمة." وأن هذا "يتنافى مع التقاليد الأوربية وحقوق الإنسان في الحماية بقدر من التوازن بين الإجراءات وتنفيذها الذي لا يرعى هذه الحقوق".

واتسع الاحتجاج ليرتفع الصوت الرافض من أمريكا اللاتينية. فألقى هوجو شافيز، رئيس فنزويلا، بخطاب حاد وهدد بإيقاف تصدير البترول إلى دول الاتحاد الأوربي إذا طبق القانون على المهاجرين من أمريكا اللاتينية. ووصف رفائيل كورييا، رئيس إكوادور، القرار بأنه "قرار العار". ويتصاعد النداء من أجل موقف موحد بين دول أمريكا اللاتينية التي استقبلت طوال القرون الماضية الملايين من المهاجرين الأوربيين على أرضها. ونشرت "لاهومانيتي"، جريدة الحزب الشيوعي الفرنسي، يوم 16 نداء "ايفو موراليس"، رئيس بوليفيا، بالقيام بحملة عالمية ضد القرار الأوربي ودعوة إفريقيا وبلدان المغرب العربي للانضمام لها لإجبار أعضاء البرلمان الأوربي للرجوع عن القرار وختمه :"بأننا لن نفشل في التكامل في البلدان الأوربية مثلما فشلتم في فيما ادعيتم بدوركم الحضاري في الفترة الاستعمارية". وأعلنت الأرجنتين بأن "مسألة الهجرة لا يمكن حلها إلا إذا احترم حقوق الإنسان." وجاء رد الفعل العنيف مماثلا من ارجواي حيث يشكل من هاجروا من الأوربيين نصف سكانها. وصرح جوزيه جارسيا بيلوندا، وزير الخارجية بيرو، بان القرار "تجريم عنصري ولا يتفق مع التقاليد الأوربية" وقال رئيس الخارجية البرازيلي بأن البرازيل استقبلت ملايين المهاجرين الأوربيين وأولادهم وتكاملوا بتناغم في المجتمع واتخاذ القرار الأوربي سوف يخلق تصورا سلبيا لهذه الهجرة.


عرض مباشر : الأهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك