الصفحة الرئيسية > على الهامش.. دراسات ومقالات للتحميل > إجهاض الاستراتيجيات المعادية بسلاح الفكر... بقلم : مصطفى نور الدين

إجهاض الاستراتيجيات المعادية بسلاح الفكر... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) ٧ اكتوبر ٢٠٠٦

الأحد 7 كانون الثاني (يناير) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

إجهاض الاستراتيجيات المعادية بسلاح الفكر... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) ٧ اكتوبر ٢٠٠٦

هددت تيارات دينية إسلامية متشددة بالموت، روبر رودكير، أستاذ فلسفة فرنسي للاستياء من مقال هاجم فيه الإسلام واضطر للتخفي والتمتع بحماية بوليسية خاصة. وتنظم حملة لرفض التهديد وتدخل رئيس الوزراء للدفاع عن حرية التعبير وكذا وزير التعليم الذي أضاف "أن الأستاذ كموظف كان عليه أن يلزم الحذر في تعبيره ولا يزج بالوزارة في رأي شخصي". وقال عمدة مدينة تولوز التي يعمل بها المدرس "أنه ورط المدينة والمدرسة في موقف شخصي" فكيف يحق لمدرس يعلم الطلبة أن يقول بما قال أمام شباب من كل الأديان. إذ وقع الأستاذ مقاله، الذي نشره في منتصف سبتمبر بجريدة الفيجارو، ذاكرا اسم المدرسة التي يعمل بها بضاحية مدينة تولوز الفرنسية.

ولو أن الأستاذ قدم أطروحة للنقاش لغفر له جهله أو فهمه الباطل ولكن لا توجد بمقاله إلا سب وقح. وبرغم ذلك ولأنه أستاذ وعضو بهيئة تحرير بمجلة "الأزمنة الحديثة" الفكرية الشهرية الشهيرة التي أسسها جان بول ساتر فيجب التوقف عند عبارة واحدة نستسمح القارئ بذكرها لنرى ما تقصد. فأستاذ فلسفة لا يكتب كلمة إلا ليعني بها شيئا في نفسه. يقول روبر رودكير أن :" سمات محمد التي يكشف عنها القرآن هي انه قائد حربي قاسي، سارق، قتال لليهود ومتعدد الزيجات". "قتال يهود أو جزار يهود" عبارة تعيد للعقل الغربي بما فيها الفرنسي شخصية تاريخية وإيديولوجية تلصق بها هذه السمة أي "هتلر" والنازية. وإذا كان ذلك هو التاريخ القديم للإسلام فان له استمرارية إذن تتواصل، في رأيهم، على يد المسلمين الآن في فلسطين وغيرها. الأستاذ لا يقول ذلك صراحة ولكن كلماته تقولها ضمنا. فبحسبه يقوم المسلمون بفرض الإسلام على الغرب ويدلل على ذلك بأمثلة غير حقيقية إطلاقا مثل "منع السيدات من لبس الاسترينج (مايوه سيدات لا يخفي كلية المؤخرة) على بلاج نهر السين في باريس والذي يعد في الصيف ليستمتع به بعض المواطنين لعدم قدرتهم على تكاليف المصايف المرتفعة. وتلك أكذوبة فإن أحدا لم يتدخل من المسلمين المهاجرين في أزياء الفرنسيات. وهي أحجية غبية مثلها مثل اختيار الطعام في وجبات الطعام بالمدارس والذي لا يخص المسلمين فقط. فالجالية اليهودية تفرض أيضا أن يتناول أطفالها الأطعمة التي تخضع لتعليمات التوراة وتسمى كاشر.

البابا وحمالو الحطب

وإن كان الحوار بين الفكر والأديان ليس بوليد اليوم توجد فروق هائلة بين أشخاص يناقشون فلسفيا أفكار دين ما موضوعيا وبين ما يمكن بتسميتهم "بحمالي الحطب". فالفلسفة هي حوار أفكار ومن يدعي أنه يقول كلمة نهائية أفاق فلسفيا.

أما حمالو الحطب ومشعلو الحرائق إراديا فهم يعرفون ما يبغون منذ خط الحرف الأول فيما يكتبون. وإن كانت الفلسفة، في جانب منها، تهتم بمقارنة الأديان وإظهار التلاقي فيما بينها فان السوقة من حمالي الحطب يوهمون بأن الزجاج المهشم ألماظ وماس. إذ ما يلفت للنظر في مقال أستاذ الفلسفة أنه يدافع عن بابا الفاتيكان بعد ردود الفعل على محاضرته بألمانيا. فيقول بأن المسلمين يحاولون "خنق أثمن ما يعتز به الغرب ولا يوجد في أي بلد إسلامي: أي حرية التفكير والتعبير."

والتناقض هو أن البابا الراهن وأي بابا سابق لم يحرم عليهم أحد يوما حرية ما يقولونه بل لا تملك هذه السلطة أي دولة. فالبابا يعبر دائما عن قناعته اللاهوتية والإيديولوجية كرئيس لدولة الفاتيكان. ولم يخف ذات يوم في كل تدخلاته اختلافه مع الإيديولوجيات والسلوك والقوانين التي تطبق في الغرب. فالفاتيكان له مواقف رافضة للإجهاض وتنظيم الحمل وزواج شخصين من ذات الجنس. والبابا له مواقف لاهوتية معروفة بشأن كل الكنائس فهو يعتبر أن كنيسة الفاتيكان الكاثوليكية هي الوحيدة التي تعبر عن الديانة المسيحية على الصعيد الكوني وأن الكنائس الأخرى من أرثوذكسية وبروتستانتية... إلى أخره ليست كنائس ولكن توجهات لاهوتية ابتعدت عن الكنيسة الأم ويجب العمل على عودتها لتلحق بالكنيسة الأم. وللفاتيكان مواقف سياسية لا يخفيها فقد شارك في الحرب ضد الشيوعية في الماضي القريب في ظل جان بول الثاني والبابا الراهن يعارض انضمام تركيا للاتحاد الأوربي. وبالتالي فلا أحد يمكن الادعاء أن البابا في حاجة لحماية حرية تفكيره ورأيه ولكنها حجة لتمرير أفكار مغرضة.

الإسلام والنازية :

فأستاذ الفلسفة الفرنسي "روبر رودكير" ومقاله بجريدة الفيجارو في صفحة أراء حرة لا تستحق علميا فتح حوار معه. فالمقال سب بالمعنى الحرفي في الإسلام ووصفه بصفات لو تلفظ بها أمي جاهل لغفر له. ولأنه يقول بأنه "فيلسوف" فيجب البحث أبعد؛ أي ما وراء الأفكار وغايتها.

فقوله بان "المسيح معلم الحب ومحمد معلم الحقد" يرمي لحرب أديان. فهو يعرف لأنه "فيلسوف" أن المسلمين يكنون للمسيح كل الحب وأنهم لن يتهوروا في الطعن في رسالته التي يعتبر الإسلام الامتداد لها.

وان وراء ما يقوله "الفيلسوف" أخطر مما يفوه به. ففي عبارته القذرة: "أن الرسول سارق وذابح لليهود ومتعدد الزيجات" وسطها هو ما يشغله وما يريد الترويج له. "فقاتل اليهود" تعني بفكر الغرب معادة لليهود وبالتالي معادة للسامية. وبالتفكر لحظة فيما وراء ذلك ومن في التاريخ الغربي "ذبح اليهود"؟ أول أسم يتبارى للذهن هو هتلر بطبيعة الأحوال. أي سيضاف للرسول ما اتسم به هتلر. تلك التداعيات التي لم يقل بها "الفيلسوف" نصا سوف تتسارع إلى ذهن القارئ الغربي "المعذب" من تاريخ آبائه وأجداده الذين اضطهدوا اليهود في الغرب وتشعرهم بالذنب تعميهم عن مناصرة القضية الفلسطينية والمساندة اللا مشروطة لإسرائيل.

ويمكن استخراج استنتاجات أخرى من الكتابة "الماكرة" التي توحي بدون أن تقول صراحة. فمن الممكن تطبيق نظريته في إسلام يذبح اليهود بالرجوع إلى الهجوم الانتحاري في فلسطين ويكون بذلك كامتداد لسياسة الرسول يتبعها من اتبع ديانته. فها هم أتباع الإسلام يقتلون اليهود كما كان أسلافهم يفعلون في الماضي. فهم في نظره يطبقون "مبادئ القرآن الذين تعلموها منذ الطفولة".

وقد أدانت كل منظمات وجمعيات حقوق الإنسان الفرنسية التهديد بالموت لشخص يعبر عن رأيه إلا أنها أعلنت عدم اتفاقها مع الآراء التي قال بها الأستاذ عن الإسلام. ولا يكاد يتفق مع ما طرحه بمقاله إلا القلة المعتادة من اليمين المتطرف إذ حيته أحزابهم التي تهاجم المسلمين المهاجرين كجزء جوهري من حملتها منذ أكثر من ثلاثين سنة. وكذا يحيه ويدافع عنه الكثير من المنظرين من الصهاينة الفرنسيين وعلى رئسهم الان فينكلكروت وبرنار هنري ليفي واندري جولكسمان وكلود لانزمان (رئيس تحرير الأزمنة الحديثة) وباسكال بروكنر وغيرهم.

والأخير (بروكنر) يكشف في كتاباته منذ الثمانينات القرن الماضي عن معاداته للعالم الثالث خاصة في كتاب شهير بعنوان "نحيب الرجل الأبيض". وعاود حديثا ذات العداوة في كتابات جديدة وأضاف بعدا إسلاميا لمعاداته. وفي هذه العداوة تلتقي فكرة الإسلام "كذابح لليهود" في الماضي التي يتطرق إليها أستاذ الفلسفة روبر رودكير مع "التفجيرات الإرهابية التي تتم باسم الإسلام والحروب المقدسة". أي بمعنى أوسع مع ما يسميه جورج بوش بالحرب "ضد الإرهاب" وأخيرا ضد "الإسلام الفاشي". فكل هذه المهاترات تعطي للسياسة الإمبريالية أساسها العميق لتبررها. فكل من يساند أستاذ الفلسفة هم من المدافعين عن سياسة الولايات المتحدة في حروبها في أفغانستان والعراق وعن عدوانية إسرائيل.

ولعل السلوك الرافض بالعنف لمهاترات البعض في الغرب تفيد هؤلاء في إشعال نار الفتنة أكثر مما تفيد العرب والمسلمين. فهم يستدلون من عنف ردود الفعل على صواب قضاياهم الباطلة. فرئيس تحرير الأزمنة الحديثة يقول ذلك صراحة :"أن ردود الفعل العنيفة تثبت صحة ما يقوله روبر رودكير عن الإسلام والقرآن كفكر يدعو للعنف".

فالمواجهة الصائبة لهؤلاء الأشخاص هي بتركهم ينبحون وعدم إعطائهم الفرصة لفرض استراتيجيهم بإشعال حرب بين الحضارات تغذي استراتيجيتهم السياسية عمليا في الشرق الأوسط وفي داخل المجتمعات الغربية حيث يعيش ملايين العرب والمهاجرين ويتعرضون للعداوة بشكل متزايد مع كل قضية جديدة.

فالقلم هو السلاح الوحيد للمواجهة الصحيحة. بل أحيانا ترك كلماتهم تذهب هباء الريح إذ يتحينون كل فرصة لملء الكون صراخا بان الفكر يضطهده الشرق ليخفوا سياستهم الإمبريالية لخلق شرق أوسط تمزقه الحروب الدينية والعرقية والقبلية وللأسف يسقط فيها البعض من المتحالفين مع الغرب.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك