الصفحة الرئيسية > على الهامش.. دراسات ومقالات للتحميل > مايو-يونيو 68 : ثورة الطلبة والعمال في فرنسا بعد أربعين عاما ... مصطفى نور (...)

مايو-يونيو 68 : ثورة الطلبة والعمال في فرنسا بعد أربعين عاما ... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي الاسبوعية (القاهرة) على حلقتين في ١٨ يونيو و 25 يونيو ٢٠٠٨

الأربعاء 18 حزيران (يونيو) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

مايو-يونيو 68 : ثورة الطلبة والعمال في فرنسا بعد أربعين عاما... مصطفى نور الدين

نشر القسم الأول يوم 18 يونيو والثاني في 25 يونيو.. هنا النص الكامل

أحد وعود الرئيس نيكولا ساركوزي إبان حملته الانتخابية هو "تصفية ميراث حركة مايو 1968 إذ نتائجها، من وجهة نظره، قادت إلى فقدان المعايير السلوكية وعدم احترام السلطة والتحقير من قيمة العمل". وجاء رد الفعل خصبا إذ صدرت عشرات الكتب وآلاف المقالات والدراسات وتعقد ندوات ومؤتمرات لا حصر لها وعاودت الصحف نشر مقالات الأرشيف اليومي للأحداث التي شلت فرنسا شهري مايو ويونيو عام 68.

ومنذ وصول ساركوزي إلى قصر الرئاسة لا يكاد يمر أسبوع دون أن يتظاهر مئات الآلاف لرفض السياسات الجديدة التي يجسدها 55 إصلاحا غالبها يغضب المواطنين في مجالات التعليم والصحة والمعاشات وغلاء المعيشة... ويرفع البعض الشعار: "فرنسا بحاجة إلى حركة 68 جديدة وحقيقية هذه المرة"، أي بالاستيلاء على السلطة ! فهل فرنسا اليوم تشبه الأمس ؟ وهل مطالب اليوم تختلف عن الأمس ؟ وما الذي قاد للحركة منذ 40 سنة ؟ ما جذورها الفكرية وأسبابها التاريخية والاجتماعية ؟ وهل كانت حركة طلابية فقط أم جسدت الصراع الطبقي أيضا ؟ أسئلة تختلف الإجابة عليها نحاول التعرض لها بإيجاز.

الانتفاضات الشبابية في العالم

يلزم تقديم خلفية تاريخية موجزة ضرورية. كانت سنة 1968 ثورية على الصعيد العالمي لمطالب متعددة ومتباينة وبدأت منذ أوائل الستينات. فالانتفاضات الشبابية تفجرت في اسبانيا وبريطانيا وايطاليا والبرتغال وألمانيا والولايات المتحدة واليابان وكلها حركات لمناهضة الحرب الأمريكية في فيتنام بجانب المطالب الإصلاحية في الجامعات وإنهاء استمرار المجتمع السلطوي. وانفجرت حركات أخرى في المكسيك وباكستان والسنغال والجزائر وتشيكوسلوفاكيا واليونان. وفي مصر انطلقت الحركة في أبريل ومايو 68 للمطالبة بالديموقراطية وحرب التحرير الشعبية لتحرير فلسطين وعاودت الانفجار عامي 1972 و 73 قبيل حرب أكتوبر.

حركة مايو – يونيو الفرنسية

وما ميز حركة فرنسا أساسا هو انجاز إضراب عام شل كل الحياة في المصانع والجامعات والمؤسسات وكذا ما أثمره من تحولات اجتماعية مازالت نتائجها تتحقق في مجتمع اليوم. وتفجر الحركة في فترة ما سمي بفرنسا "بالثلاثين سنة الفاخرات".. سنوات سمان لأن الاقتصاد في نمو والعمالة شبه كاملة والبطالة محدودة ولكن المجتمع قمعي. والمهم الإشارة أن حركة 68 مرتبطة بما قبلها إذ لم تنتج من فراغ. فغداة الحرب العالمية الثانية مر المجتمع الفرنسي بتمزق نتيجة تعاون الكثير مع نظام "فيشي" الخاضع للاحتلال النازي بعد استسلام نحو 2 مليون جندي فرنسي في ساعات محدودة أمام الاكتساح النازي. وبعد التحرير قامت عمليات تصفية أحيانا جماعية وبشكل غير قانوني لمن اعتبروا كمتعاونين مع الاحتلال وراح ضحيتها نحو 11 ألف مواطن بالحق أو الباطل نتيجة مصالح شخصية أو لمجرد الشك واستمرت لعام 1953. وجاء كتاب "رسالة إلى لجنة المقاومة" كصرخة للمفكر الكبير "جان بولان" ليطالب بالكف عن ممارسة التصفيات غير الإنسانية. ثم هزمت فرنسا عام 1954 في معركة "ديان بيان فو" في حرب الهند الصينية التي بدأت عام 1946. وضد هذه الحرب وضد حرب الجزائر التي بدأت خرجت أصوات رافضة من اشهرها الأديب والشاعر والمطرب "بوريس فيان" الذي كتب أغنية "الهارب من الجندية" وتم منعها عام 1954. ومن كلماتها :" السيد الرئيس.. لست على هذه الأرض لأقتل البؤساء.. السيد الرئيس.. لو كان لابد من إراقة دماء.. اذهب وأعط دمك".. ثم بدأت حركة التحرر الوطني لتفقد فرنسا كل مستعمراتها في أوائل الستينات وكان أكثرها عنفا منح الاستقلال للجزائر إذ راح ضحيتها آلاف من الفرنسيين ومئات الآلاف من الجزائريين بجانب ممارسات التعذيب الوحشية ضد المقاومة الجزائرية. وكان صدى الحرب داخليا ممزقا للمجتمع بين أتباع الاحتفاظ بالجزائر كجزء من فرنسا والمنادين باستقلالها. وترك عودة مليون فرنسي من الجزائر بعد الاستقلال في 1962 حالة من المرارة ضد ديجول. ولعب المثقفون الفرنسيون دورا عظيما لمناصرة حركة التحرير الجزائرية كمثال نموذجي لدور المثقف في الاعتراض علي الدولة بالتعرض للسجن وفقدان الوظائف.. والأمثلة لا تنضب نكتفي بذكر الكتاب الذي تم مصادرته عام 1957 للكاتب "هنري اليج" بعنوان : "السؤال" وكشف عن ممارسات التعذيب ضد الجزائريين وسبب له الكثير من المتاعب مع الدولة. وكان أشهر ما قام به المثقفون ضد تلك الحرب هو البيان المعروف بأسم بيان "ال 121" المنادي بحق عدم طاعة الدولة ورفض الذهاب للحرب والذي صاغه الكاتب والمفكر العظيم "موريس بلانشو" إذ كان قنبلة دوت في قلب المجتمع ووقع عليه "جان بول سارتر" وغيره من كبار الكتاب والفنانين ومنهم : "مارجريت دوراس"، "ارتور اداموف"، "ميشيل ليريس"، "ديونيس ماسكولو"، "موريس بونس"، "سيمون سينيوريه"، "نتالي ساروت" و"الان روب-جرييه".... وتواصل دور المثقفين ضد حرب فيتنام عام 1968 وكان نوعا من الالتحام مع الاحتجاجات التي كانت قد بدأت على الصعيد العالمي.

فرنسا الطلبة والعمال

وكان النظام العالمي السائد يتواصل تحليله في الغرب وأمريكا اللاتينية بشكل عميق من قبل الاقتصاديين والمؤرخين. وكانت هناك أسماء هامة في تلك الفترة ومنها أندريه جوندر فرنك وكتاباته عن العالم الثالث وكذا ايمانوئل فاليرشتين عن "الاقتصاد-العالم" وسمير أمين ونظريته عن التطور غير المتكافيء وبول سويزي عن الرأسمالية الاحتكارية وهاري ماجدوف في تحليله للإمبريالية الأمريكية وفرانز فانون بكتابه الشهير "معذبو الأرض" الذي يحلل الأوضاع غير الإنسانية في المستعمرات..

ووجدت الحركة من كان يعبر عنها في المجال الفكري بل ويتوقع حدوثها. فكتابات المفكر الماركسي "هنري لوفيفر" تحليل دقيق ونقدي للمجتمع المعاصر الاستهلاكي كما ستعبر عنه فيما بعد شعارات الحركة الطلابية. ففي كتابه "نقد الحياة اليومية" (1961) تتجسد القضايا التي تطرحها الشعارات بلغة فلسفية. ومنها "عدم فرض الصمت على الفكر النقدي" و"المستهلك لا يشبع رغبة ولكن يتم دفعه لتحقيقها" و"الأيام الثورية، التي تعادل 20 سنة من التاريخ المعتاد، تسمح بالجري وراء التاريخ وأحيانا الإمساك به لحظيا. فهذه الأيام تحدث لأن الناس لا ترغب ولا تقدر على العيش كما في السابق"..

ويعتبر الفيلسوف الألماني- الأمريكي "هربرت ماركوز" أن حركة مايو ويونيو في فرنسا قد تجاوزت بأطروحتها ما قدمه في كتابيه "ايروس (الحب) والحضارة" (1955) و"الإنسان ذو البعد الواحد" (1964). ففي الكتابين ندد "ماركوز" بالقهر الذي يقع على الفرد في المجتمع الصناعي المتقدم الأمريكي خالقا كبتا جنسيا وأن الحضارة الصحية ممكنة بنفي هذا القهر عن الإنسان. وفي مقدمة الطبعة الفرنسية في فبراير 67 يكاد "ماركوز" يرسم السيناريو لما سوف يحدث من الحركة الشبابية والعمالية في مايو 68 من رفض استمرار قهر غريزة الحب الإنسانية. وأن الانتصار لهذا المطلب الإنساني الطبيعي سوف يتحقق حتى في ظل المزيد من الضغوط التي يفرضها المجتمع المتقدم بتقنيته التي جعلت من الإنسان مستلبا من إنسانيته.

ولابد من إضافة أن "أناجيل" حركة مايو شكلتها مباشرة كتابات مفكري تيار "الأوضاع" (سيتيواسينست) الذي يعتبر امتدادا للسريالية". وهو تيار يرفض المجتمع السلعي بثورة الفرد عليه ليتخلص من الاستلاب... ولعبت أفكار مؤسس التيار "جي دويبور" دورا هاما وخاصة كتابه "مجتمع الفرجة" (1967) وفي نفس السنة، كتاب المفكر البلجيكي راؤول فانيجيم :"دراسة حول كيفية العيش موجهة للشباب". وأخيرا والأهم كتيب (32 صفحة) في صورة منشور كتبه "مصطفى خياطي"، وهو من أصل تونسي، عام 1966 بعنوان طويل: "حول البؤس في الوسط الطلابي من منظور اقتصادي وسياسي ونفسي وجنسي وخاصة عقلي ثقافي وبعض الوسائل لعلاجه". فالكتاب الأخير طبع منه عشرة آلاف نسخة إبان الحركة وتحولت فقراته إلى شعارات تكتب على الحائط في الشوارع. ومنها الشعار الشهير :"عش بدون وقت ميت وتمتع دون موانع". و"فلتزيد الخجل خجلا بالرضوخ للإعلانات" و"ليس كافيا للفكر أن يعمل على تحققه ولكن على الواقع أن يبحث عن فكره" و"اصنع الموقف الذي معه يستحيل العودة للخلف" و"الإدارة الذاتية لا يمكن مقاسمتها مع أي سلطة أخرى" و"الإدارة الذاتية هي الوسيلة والغاية في الوقت نفسه".

فكل هذه الكتابات انتقادات حادة للمجتمع الرأسمالي وما يخلقه من استلاب أو اغتراب للإنسان بتحويل المجتمع والثقافة والعلاقات إلى سلعة والى مجتمع سلطوي. وتلك أفكار تلتقي بدورها مع تحليل الفيلسوف "جورج لوكاش" في كتابه "التاريخ والوعي الطبقي" الذي ترجم للفرنسية 1960 (وتعود الآن دراسات جديدة لتؤكد على صحة أطروحاته). وكذا فهي كتابات تنتقد الحروب العدوانية للرأسمالية. والتقت هذه الدراسات الفلسفية والاجتماعية مع الكتابات الأدبية والمسرحية ومنها، مثلا، كتابات "جان جينيه" في مسرحية "الحواجز" أو "البرافان" التي ثار إبان عرضها عام 1966 الجمهور اليميني الباريسي المتطرف وحاول منعها لما تظهره من جرائم الجيش ضد الجزائريين لولا تدخل الكاتب "اندريه مارلو"، وزير الثقافة. وكذا كتابات "بيير جوياتا" وخاصة روايته عن حرب الجزائر :"مقبرة لخمسمائة ألف جندي" (1965). ويضاف إسهامات "سيمون دو بوفوار" وكتابها "الجنس الآخر" (1949) الذي كان جوهريا في خلق وتطور حركة المرأة ومرشدا لتحررها.

ويضاف ظهور ما سمي "الرواية الجديدة" وكتابتهم المتجاوزة لحدود التقاليد البورجوازية المهذبة أو الخجولة. وكذا كتاب المسرح "العبثي" أو اللامعقول من "اوجين يونسكو" إلى "صموئيل بيكت" التي تكشف صعوبة التواصل بين البشر. والسينما بدورها لعبت دورا خاصة في "الموجة الجديدة" مع المخرج الفرنسي - السويسري "جان-لوك جودار" وفيلمه :"الصينية" (1967). والذي يعتبر إرهاصا بحركة مايو. إذ يتناقش أربعة طلاب في شقة حول أفكار "ماو تسي تونج" وكيف يمكن لهم تغيير العالم ونشر هذه الأفكار الثورية في فرنسا.

الانفجار من العفوية إلى التنظيم

كان ذلك هو الجو العام في المجتمع قبل بدء تشكيل "دانيل كون- بنديت" "حركة 22 مارس" 1968 واحتلالها لجامعة "نانتير" في الضواحي الباريسية، للاحتجاج على استمرار اعتقال مجموعة من المناضلين من "لجنة مناصرة فيتنام". وأغلق العميد الجامعة يوم 2 مايو فذهب الطلاب في اليوم التالي لمواصلة احتجاجهم في جامعة "السوربون" في باريس. ثم تطورت الحركة الطلابية بهدف واحد وهو الإفراج عن المعتقلين من الطلاب الذين احتلوا جامعة "السوربون" يوم 3 مايو. وأخرجت قوات الأمن المركزي الطلبة وقدم قادتهم لمجلس التأديب بالجامعة وحكم بالطرد على "كون-بندين". ويظل الأسبوع الأول من الأحداث حرجا فلم يكن للحركة أي برنامج ولا مطالب إلا الإفراج عن رفاقهم إلا أنه بدأت تظهر فكرة ضرورة الاتصال بالعمال للحاق بهم. وخرج ألاف الطلاب يوميا في مظاهرات حتى يوم 10 مايو فواجههم البوليس بقمع وحشي. ووصفت معظم الصحف الحركة بالفوضوية واليسارية المتطرفة ووصفت أخرى المواجهة العنيفة بين الطرفين بأنها "مذبحة". وأمام هذا العنف تعاطف الشعب ومعظم المثقفين التقدميين مع الحركة وتحركت النقابات العمالية لتخرج مع الطلاب في مظاهرة جمعت مليون مواطن يوم 13 مايو وذلك برغم أنه تم الإفراج عن الطلبة. وفي اليوم التالي أعلنت الطبقة العاملة الإضراب العام في كل فرنسا.

الطبقة العاملة تدخل الصراع

فالتحول العميق لحركة الشباب والطلاب أخذ معناه السياسي العميق في إضراب الطبقة العاملة الفرنسية حيث توقف نحو عشر ملايين عامل عن العمل أكثر من شهر وشلت الحياة الاقتصادية كلية وهو اكبر إضراب عمالي فرنسي في القرن العشرين. ولم يتم التوصل إلى إنهاء للإضراب إلا بالتفاوض بين الدولة والنقابات وكان المكلف بالتفاوض هو الشاب جاك شيراك (رئيس الجمهورية السابق) الذي شغل حينئذ منصب سكرتير الدولة للعمالة.

وكان لوحدة التيارات السياسية نتيجة هامة برغم اختلاف الإيديولوجيات إذ حققت الطبقة العاملة انتصارا كبيرا. فهذا الإضراب كان بشكل مستقل واتخذه العمال في كل مصنع باستقلال وحدد العاملون في كل مصنع مطالبهم الخاصة. فالحركة التي قادتها الطبقة العاملة كانت مستقلة في قراراتها عن الحركة الطلابية بل أن القيادات النقابية حالت بين التنسيق بين الحركتين.

وكان من بين الشعارات في مئات "الأفيشات" وترددها الهتافات : "الدولة هي كل واحد فينا" و"الحدود (الجغرافية).. لا تعنينا" و"لا لطرد رفاقنا من الأجانب" و"لا أخجل لأني ثوري".. "لا للدولة البوليسية".. "لا للدولة الدكتاتورية".. ومن بين الشعارات التي تعكس الاهتمام بحال الطبقة العاملة : "لا للتسريع في وتيرة العمل".. "الفلاحون والعمال منتجون، الطلبة متحالفون"..

وكان الهجوم على الإعلام منطقيا فالصحف كانت تعتبرهم جميعا من الفوضويين واليساريين المتطرفين إلى جانب أن الراديو والتلفزيون ملك الدولة ولذا رددت الشعارات: "احذر، الراديو يكذب".."الإعلام يبث السموم"..و"البوليس يتحدث إليكم كل يوم الساعة الثامنة مساء" أي في نشرة الأخبار.

ثم كان هناك الحس بضرورة أن يحق التعليم للجميع الذين لم يتمكنوا من دخول الجامعات فكان شعار "الجامعة البرجوازية..لا ، الجامعة الشعبية .. نعم".. "يا برجوازيون.. لم تفهموا".. "عاش نضال البروليتاريا".."استمروا في الإضراب، يموت رأس المال". وتحققت بعد ذلك فكرة الجامعة الشعبية في جامعة "فانسان" ثم أصبحت جامعة"سان ديني" في الضواحي الباريسية وكانت معقلا للأساتذة من كبار المثقفين حيث تطور التعليم من التلقين إلى الحوار والجدل بين الأستاذ والطلبة في مدرج يجلسون فيه حول الأستاذ وبجانبه. ومع احتلال الطلبة لجامعة "السوربون" ووضع متاريس في شوارع العاصمة والمدن الكبرى واحتلال العمال لأماكن العمل بدأت تتبلور الأفكار في انتقاد المجتمع والدولة السلطوية والدور الذي يقوم به أساتذة الجامعة ثم محتوى البرنامج الدراسي والمطالبة بحرية الفرد ومسئوليته وانتقاد السلطة الأبوية التقليدية العنيفة.

وتصاعدت حدة الحركة خاصة بعد طرد "كون - بنديت" من فرنسا في 24 مايو لأنه ألماني (من أم فرنسية وأب ألماني). وخرج مليون فرنسي مرة أخرى في مظاهرة مطالبين بعودته. ويرفعون الشعار الشهير:"نحن جميعا يهود وألمان". وخشي الجنرال ديجول حدوث انقلاب فلجأ إلى قاعدة عسكرية فرنسية في ألمانيا للتأكد من مساندة الجيش له ضد الهبة الشعبية.

وفي نفس اليوم أعلنت الحكومة موافقتها على بدأ التفاوض مع النقابات العمالية. ووافقت على رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 37 % (سبعة وثلاثون في المائة). واستطاعت الطبقة العاملة إلى اكتساب التواجد التمثيلي النقابي في المصانع وهو ما لم يكن موجودا قبل 68. ومع أواخر الشهر أعلن الجنرال ديجول حل البرلمان وإجراء انتخابات في يونيو. وتعهد بتحقيق إصلاحات في الجامعة والمؤسسات الثقافية والإدارة. ولكن واصل العمال في الكثير من المصانع الإضراب عن العمل حتى يوم 23 يونيو أي بعد المرحلة الأولى من الانتخابات.

كان المواقف من حركة 68 معقدا لتشعب مطالبها بين سياسية وطلابية وعمالية واجتماعية وثقافية ومضادة لمؤسسات الدولة. فهي حراك في مواجهة أطراف مختلفة في دورها في داخل نسيج المجتمع. وعكست "أزمة تاريخية كشفت عن حكم متسلط لنظام متحوصل في عادات عقلية وسياسات وإيديولوجيات. بمعنى أنها كانت ظاهرة ولحظة متفردة سمحت بالكشف عن "الاتفاق الاجتماعي على الصمت" السائد الذي يشكل سدة المجتمع. وبالتالي طرح التساؤلات بما يحمله من ريبة في القناعة المستتبة كنظام يدعي بأن كل شيء على ما يرام.

الخروج عن طوع الجنرال

وهناك علامات هامة تمثلت في الخروج عن طاعة الجنرال ديجول وأدى عصيانه إلى حل الأزمات دون إراقة دماء (مات 5 أفراد فقط طوال الحركة فيما يمكن اعتباره حوادث جانبية). فديجول طلب من جورج بومبيدو، رئيس الوزراء، "تنظيف جامعة السوربون" فرفض بومبيدو. وعندما قرر الطلاب احتلال مسرح "الأوديون" الشهير في العاصمة، هاتف "اندريه مالو"، وزير الثقافة، مدير المسرح ليترك الطلاب يحتلونه. وجاء سلوك "موريس جريمو"، مأمور بوليس مدينة باريس، مماثلا إذ اصدر رسالة مكتوبة إلى فرق البوليس كتب فيها : "إذا ضرب أحدكم متظاهرا سقط على الأرض فكأنه يوجه الضربة إلى نفسه شخصيا" ! ويضاف لذلك أمر جوهري هو أنه في أكثر أوقات التقاتل بين الطلاب والبوليس لم يطلق البوليس النار على المتظاهرين. بل كان هناك خط تليفوني يربط قادة الطلبة ومسئولي البوليس لتحاشي أي مواجهة دموية. كانت الحركة خليطا من العنف و"اللعب" لإنجاز مجتمع يستطع فيه الأفراد التنفس والسلوك بمسئولية دون وعظ وإرشاد وأوامر من أي سلطة في المنزل أو الجامعة. فالشعارات تتكلم: "ممنوع المنع".."واقعيون ونطلب المستحيل".."أسرع بالعدو يا رفيق، العالم القديم خلفك".."لا تمنحني الحرية سوف أتولى الأمر بنفسي".."الحلم هو الحقيقة" و"الشعر في الشارع".

تحرر إنساني مفتوح

إن مصالحة الأوربي مع الجسد والحس قللت من حدة التوتر والتخلص من الكبت وفكرة الخطيئة وصرف الطاقة للإبداع والعلم والعمل. فبالتحرر من هاجس يلاحقه دون إشباع ومن حرية ممنوعة النول كان المجتمع الفرنسي نهبا للاستلاب. ومع حركة 68 أصبح الفرد هو سيد على جسده للتصرف به حسب إرادته الحرة. أي التخلص من الاستلاب أو الإغتراب الذي تفرضه كل سلطة خارجية عن إرادة الفرد. وارتبط قطع تلك الخطوة إعادة تحديد علاقة الفرد بالسلطة في كل أشكالها لما كانت تحمله من ضغوط في الأسرة والمدرسة والكنيسة والعمل. فشعار "ممنوع المنع" يجسد فلسفة كاملة عن مسئولية الفرد في الفعل المعبر عن رغبة ذاتية للاستمتاع دون عراقيل بالحياة. وأنتج هذا التحرر إلى إطلاق القدرات النقدية للفرد فخرج من دائرة المتلقي السلبي للتاريخ والمعرفة إلى المجادل. وأصبح هذا الجدل ذاته هو منهجية التعليم. فالفرد لم يعد يحشو رأسه الخطاب بمحللاته ومحرماته التقليدية ولا التصور الرسمي للتاريخ في الكتب المدرسية ولم يعد الإبداع محكوما بمقص الرقيب. فلا يكاد يخلو واحدا من فروع الإبداع إلا ومر بثورته الداخلية نراه في الفنون التشكيلية والأدب الروائي والمسرحي وفي السينما والموسيقى والغناء. حركة 68 يجسدها أيضا شعار رومانسي جميل "واقعيون ونطلب المستحيل". فالحركة تسير بفعل قواها الداخلية وتنجز المشروع المفتوح بإيجابياته وسلبياته ولكن بقدرة على التوقف لنقد ذاتي متواصل يمنحها صحتها وقدرتها على الاستمرارية.

وعبر تلك الحركة أصبح المجتمع يدور في فلك مركزه الفرد. وكل ما ابتكرته الأجيال الجديدة من أنماط حياة حطمت الأنماط التقليدية المكبلة لحريتها. بل أن التشريعات والقوانين اضطرت للتحلي بمرونة إجبارية لتعترف بأنه سلوك شرعي وقانوني وطبيعي ما كان بالأمس القريب خطيئة وانحلال وخروجا على القانون.

لحظة ثورية دون ثورة

وفي تحليل "كون-بنديت" في كتابه : "صنع 68" الذي صدر في مايو 2008 يواصل رفض وصف الحركة بالثورة ويعتبرها حركة ثائرة. إذ لم يطالب من أحد إلا جماعات محدودة بالاستيلاء على السلطة برغم أن بعض الدول الأجنبية والدولة الفرنسية والجنرال ديجول نفسه توقعوا أن تكون النتيجة النهائية هي قلب نظام الحكم في صورة انقلاب تقليدي. وكان اختفاء ديجول في قاعدة عسكرية في ألمانيا بحثا لضمان مناصرة الجيش له مع القادة العسكريين.

فالحركة لا تنفصل عن مثيلاتها التي بدأت قبل فرنسا في دول الغرب والشمال والجنوب. ولكن الخصوصية أن الحركة الفرنسية أثمرت عن حدوث إضراب عام طويل. يضاف أنها حركة صراع أجيال وضد السلطة وسوء المعاملة. فأجيال ما بعد الحرب العالمية الثانية تميزت معاملتهم بالعنف حيال الأطفال في المدرسة بالضرب المبرح وفي المنزل أيضا من قبل الآباء إذ كانت تحمل عبء أخطاء ممارستها التاريخية في الداخل وفي المستعمرات.

وفي حديث مع "كون- بنديت"، في أول أسبوع من حركة مايو 68 ،نشر بمجلة "ماجزين ليترير"، كان المجتمع الذي يحلم به كفوضوي هو مجتمع اشتراكي يقوم على الإدارة الذاتية. مجتمع حضاري تحرر التقنية المتقدمة فيه الإنسان. وتبنى أفكار "ماركوز" في نقد المجتمع السلطوي وضرورة النقد الذي يهدم لمعاودة البناء من جديد. إلا أن الحركة الشبابية في النهاية طورت نظريتها الذاتية من خلال الممارسة اليومية دون الاعتماد على مفكر بذاته ولا تنسق مع الطبقة العاملة التي كان عليها أن تحدد موقفها بدئا من مصالحها وليس من مطالب الطلبة.
ويلزم التذكير بأن التوصل لتحليل سياسي للانتفاضة كان عصيا حتى على الحزب الشيوعي الفرنسي طوال الأيام العشر الأولى إذ كان مانشيت "لهومانيتي"، صحيفة الحزب، بعنوان :"المخربون يحولون باريس إلى نار ورماد" إلا أن قواعد الحزب اجتمعت وناقشت المسألة بعمق و اعترضت على هذا العنوان وقالت بأنه لا يمكن التخلي عن هؤلاء الشباب. وانتصر هذا التوجه وتحول العنوان الرئيسي إلى "التعاطف مع الحركة". وجاء ذلك التغير تحت تأثير "لوي أراجون" و"روجيه جارودي". وكانت الثمار السياسية للحزب كبيرة في عام 1969 حينما حصل مرشحه في انتخابات رئاسة الجمهورية على 22 في المائة من أصوات الناخبين وهي سابقة لم تتكرر وعنت في الوقت ذاته أن الحركة لم تكن تسعى لقلب نظام الحكم والتزم الحزب الشيوعي والقيادات النقابية المقربة منه "بالشرعية الديمقراطية" برغم أن الفرصة سمحت يومي 13 و 24 مايو للاستيلاء دون عناء على أجهزة الدولة.

ويعتبر "كون بنديت" أن عدم رفع شعار الاستيلاء على السلطة يجعل من عام 68 نهاية لفكرة الثورة وبزوغ فكرة الحركات التحررية والتي استمرت من حينها إلى الآن. ويعتبر أن الشعار الوحيد الخاطئ للحركة كان "الانتخابات فخ للبلهاء". فالخطأ كان في أن من شاركوا في الحركة انغلقوا داخل أسطورة مجتمع "ما بعد الديمقراطية" والتخلص نهائيا من الرأسمالية والعيش في استقلال تام. أي تحقيق مجتمع يتم تنظيمه ذاتيا بلجان عمالية وفلاحية وطلابية ولجان للمستهلكين. إلا انه يرى في تحقق هذا النموذج التجسيد للشمولية بشكل آخر إذ من أي شرعية تستمد هذه اللجان وجودها وتفرضه على المجتمع؟

حرية الرجل تتحقق بحرية المرأة أولا

لعل أكبر إنجاز بدء وتأكد في السنوات التالية للحركة كان تحقق حرية المرأة. فحتى عام 1965 لم يكن للفرنسية حق العمل دون موافقة الزوج ولا يمكنها فتح حساب مصرفي إلا إذا وافق كتابة ! ولم يتم إلغاء القانون الذي يسمح بطرد السيدات من العمل لأنهن حوامل إلا عام 1966. وأن استخدام حبوب منع العمل لم يسمح بها المشرع إلا عام 1967. وتحققت المساواة في الحقوق القانونية بين الأطفال "غير الشرعيين" والشرعيين عام 1972.. فالتطور للحركة النسائية اجتماعيا وثقافيا بلغ ذروته مع قانون حق الإجهاض. إذ كانت عذابات المرأة كبيرة قبل هذا القانون الذي صدر عام 1975 نظرا لاضطرارها للإجهاض سرا ودون رعاية طبية وراح ضحية تلك الممارسة الكثير من النساء. بل سنت حكومة فيشي قانونا عام 1942 بالحكم بالإعدام على السيدة إذا أجهضت باعتباره فعل "يهدد أمن الدولة". أما اليوم فالتشريع يبيح للفتاة في سن السادسة عشر حق الإجهاض دون الحصول مسبقا على موافقة أولياء الأمر في حدود المدة القانونية أي 12 أسبوعا من بدء الحمل إلى جانب صرف حبوب منع الحمل مجانا للقاصرات. وكان التطور في طريق نضال الحركة النسائية عام 1980 بإقرار القانون لأجازة وضع مدتها 16 أسبوعا مدفوعة الأجر وتصل إلى 24 أسبوعا للطفل الثالث. وبعدها بأربعة سنوات أصبح من حق الأب أيضا الحصول على أجازة بمناسبة الوضع لمعاونة الزوجة. وفي سنة 1972 صدر قانون المساواة في الأجور بين الجنسين لممارسة نفس العمل.

ومن المؤشرات السياسية لم يترشح للبرلمان الفرنسي عام 1967 إلا 70 سيدة وبعد حركة 68 بلغ عددهن 200 ثم أكثر من 3 آلاف في يونيو 2007 أي لتشكل النساء نحو 42 % من عدد المرشحين. واليوم يتواجد بالبرلمان 107 سيدة يشكلون 20 % من الأعضاء ومن بينهن 61 سيدة من اليسار. وان كانت المرأة قد تقدمت كمرشح لرئاسة الجمهورية منذ 1974 مع "ارليت لاجيلييه"، تروتسكية، فإنه لأول مرة تصل المرأة للتصفية النهائية في الدورة الثانية مع "سوجلين رويال" في انتخابات الرئاسة عام 2007. وكأن كلمات قصيدة "لوي أراجون" تتحقق مع الزمن إذ يقول في قصيدته : "الشاعر محق دائما..فهو يرى أبعد من الأفق.. ومن المستقبل ومملكته.. أعلن مع "أراجون".. المرأة هي مستقبل الرجل".

القسم الثاني

:

إذن، فالأساس الذي استندت عليه الحركة ظل المجال الديمقراطي في التحول وذلك رغما عنها وعن أحلامها فالأمر فرض عليها. وبالتالي يعتبر "كون – بنديت" أن التيارات الثورية التقليدية من الماركسية والماوية والتروتسكية والفوضوية والإباحية كانت في وضع متناقض بالدعوة للثورة في حين أن الشارع لا يطالب إلا بالتغير والتحرر من السلطات التقليدية والحفاظ على الوعاء الديمقراطي كشكل التمثيل الأكثر شرعية.

ولكن يظل تقويم مكسب الحرية مختلف حوله ففي الوقت الذي يمتدح فيه البعض إنجازاتها يعتبره الغير نتيجة سلبية. فالمفكر "روجيس دوبريه" اخص الحركة بكتاب بعنوان "مايو 68 ثورة مضادة ناجحة" كتبه بعد عشرة سنوات من وقوعها وأعاد إصداره للاحتفال بالعيد الأربعين للحركة مع مقدمة دون تغيير موقفه. فهو يعتبر أن الحرية التي تم إنجازها حولت الفرد ليصبح مركز الكون بدلا من التحلي بالعلاقة الحميمة مع الآخر. فهي لم تحقق ثورة لأننا مازلنا نعيش في ظل الجمهورية الخامسة والدولة هي ذات الدولة ولكن الذي تحقق هو ثورة على صعيد السلوك في علاقة الرجل بالمرأة وكذا في تجلي الفردية. والسلبي هو الانجراف الذي حدث من حينها نحو النمط الأمريكي في الوجود. وكان الفيلسوف "هنري لوفيفر" محقا في تحليليه للحركة منذ البدء إذ كانت حركة مايو من وجهة نظره "لحظة ثورية دون ثورة".

الدفاع عن البيئة والثورة العمرانية

ولابد من ذكر أحد المؤثرات الهامة لحركة 68 هو ما طرحته بشان مشكلة البيئة والعمران. فحركة الخضر التي ظهرت بعد قليل من هذا الوقت هي نتاج الأطروحات التي رفعت الحركة شعاراتها. ومن المهم هنا التذكير بكتابات "هنري لوفيفر" عن "الثورة العمرانية" وكتابات "رونيه دومو" عن البيئة والدفاع عنها ليس فقط في فرنسا وإنما في إفريقيا وأمريكا اللاتينية. فالايجابي الجوهري سياسيا هو ظهور أحزاب الخضر والمنظمات والجمعيات الأهلية التي بدأت تلعب دورا فاعلا في دفع الدولة بل والمجتمع الدولي على معاودة فحص السياسة العالمية فيما يخص الحفاظ على البيئة من المخاطر الصناعية وغيرها من العوامل الملوثة والمهددة لها نتيجة نمط الإنتاج في المجتمع الرأسمالي المتمركز حول المزيد من الإنتاجية وتطوير ماكينات ووسائل مواصلات تسهم في هذا التلوث بشكل كبير.

وإذا كان من الضروري قول خلاصة أو نتيجة لحركة 68 فإنها كسبت على الصعيد الثقافي ولم تكسب سياسيا أما اجتماعيا فهو بين- بين. فثقافيا تحققت حرية الفرد وأصبح السيد على مستقبله وباستقلالية عن كل سلطة. أما سياسيا فالطبقة نفسها هي الحاكمة وبالأحزاب ذاتها وبخطاب يتماثل. فهي التي تتولى السلطة وبتداول منذ 1981 مع انتصار "فرنسوا ميتران" في رئاسة الجمهورية نتيجة تحالف الحزبين الاشتراكي والشيوعي. أما اجتماعيا فمازالت الهوة كبيرة بين الفقراء والأغنياء وازداد عدد الفقراء وتفشت ظاهرة البطالة إذ في 1967 كان عدد العاطلين نحو 300 ألفا واليوم أكثر من 3 مليون.

فماذا بقى من مايو 68 وهل شباب اليوم هم نتاجها الخالص أم هم نتاج لعالم مختلف كيفيا ؟ الإجابة يتضمنها السؤال. أربعون عاما مرت وواقع اليوم مختلف. فسلطة الأمس من الدولة ومؤسساتها تغيرت ولم تعد السلطة الأسرية تقارن بالأمس إذ أنجز شباب اليوم عملية انعتاق دون نضال ما فحريتهم معطاة جاهزة في مجتمع آخر. غير أن الإنسان اليوم شارك في صناعته عالم مختلف منذ الثمانينات من القرن العشرين وهيمنة العولمة المعممة. فالسلطة التي يواجهها الإنسان اليوم تعمل على تحويله إلى "نسخ" أو صورة طبق الأصل. أي خلق هذا الفرد النمطي المتوحد أمام شاشة هاتف محمول وسماعة أذن لسماع موسيقى تتشابه مع حلقة رفاق متماثلين في الأزياء وبعزلة عن التواصل بالآخر.. فالفرد سقط تحت سلطة أكبر جديدة غير مرئية تفرض عليه بالإيهام نمط حياة وتترك لديه التصور أن اختياره إرادي. فاليوم الإنسان متفرد وغير مسيس. فهي حالة إنتاج لبشر متشابهين، مستنسخين بفعل العولمة الاستهلاكية المعممة. الإنسان اليوم هو نقيض روح 68 إذ كانت روح جماعية تذوب فيها الخصوصيات الطبقية. وشهادة واحد من اكبر مفكري فرنسا هامة إذ لعب دورا فاعلا فيها. يقول "موريس بلانشو" في كتابه "المثقفون موضع تساؤل" : "عندما شارك البعض منا في حركة مايو 68 راوده الأمل حماية نفسه من كل ادعاء بخصوصيته المتفردة. وبشكل ما توصل المثقفون لاتخاذ هذا الموقف لأنه لم ينظر إليهم على حدة ولكن ككل الآخرين إذ ساعدت شدة الحركة المناهضة للسلطوية على نسيان الخصوصيات ولم تسمح بالتمييز بين شاب وكهل وغير المعروف والشهير جدا كما لو أنه برغم التمايز والاختلافات الدائمة تعرف كل واحد على نفسه في الكلام غير معلوم المصدر الذي كتب على الحوائط وأن هذا الكلام برغم أنه تمت بلورته جماعيا لا يبدو أبدا كما لو كان من صنع مؤلفه إذ أنه كان من الجميع ومن أجل الجميع في صياغاته المتناقضة." ويواصل بلانشو :"هذا يعطي فكرة عما تعنيه حالة تغير كبير أو انقلاب لم يكن في حاجة لان ينجح أو الوصول إلى نتيجة نهائية، أن يستمر أو لا يستمر لم تكن المسألة، لقد كان أمر مكتفيا بذاته لأن الهزيمة النهائية التي لحقت به لا علاقة لها به."

التأقلم الرأسمالي المستمر

وفي دراسة عميقة للباحث "جان بيير لو جوف" يكشف التأثير الذي حدث في تطوير الإدارة الرأسمالية بالاستيلاء على شعارات حركة مايو وتطبيقها. ومن هذه الشعارات الإدارة الذاتية للعمل وتحقق الذات الفردية ولكن ليتم استخدامها من أجل رفع الإنتاجية. وذات الشيء تم تبنيه أيضا في المدارس والنظم التربوية الحديثة. بمعنى آخر تم استخدام تلك الأفكار المنتمية للحركة الثورية لاستمرار تسيير نظام محافظ من نمط جديد. وهي فكرة يلورها "هنري لوفيفر" منذ أربعين سنة في كتابه "بقاء الرأسمالية" وحلل فيه قدرة النظام الرأسمالي على إعادة تجديد علاقات الإنتاج الاجتماعية كعامل أساسي لاستمرارية بقائه.

وبشأن الميراث الثقافي الذي ظل من حركة مايو نلحظ أن تنظيمات التيار اليساري السياسي الجذري ظلت مزدهرة عدة سنوات بعد انتهاء الحركة بينما تلاشت المنظمات التي لعبت دورا ثقافيا فقط أي لم تكن منظمات مشاركة في الواقع إلا بالأفكار مثلما هو الحال مع أصحاب نظرية "الأوضاع".

فالحركة جمعت التيارات اللينينية والماوية والتروتسكية إلى جانب التيارات الثقافية التحررية من الفوضويين و"أصحاب نظرية الأوضاع". وفي داخل التصفيات النهائية غلب بقاء تيار الثقافة التحررية على المدى الطويل وأنتج الشخصية المعاصرة للفرنسي بسماته الجوهرية كفردية. وهي فردية صنعت "الفرد الدولة" حسبما يقول عالم المؤسسات والمحلل النفسي "بيير لوجاندر". فهذا "الفرد المؤسسة" الذي "فبركه" الغرب خلق وضعية إشكالية في علاقته بالمجتمع التقليدي وبارتباطاته كمواطن. فالأمر كما تحقق لما قاله الفيلسوف"جيل دويليوز" بأن : "الرغبة هي قوة الوجود والشخص كإرادة سعى للاستحواذ على جسده كمطلب للتحقق والكينونة." وبحسب تحليل "جاك بايانك"، وهو مراقب مباشر للحركة الاحتجاجية التي عمت الدول الأوربية، كان الفريق الذي يمثل أغلبية الطلبة "لا يريد الموت من أجل الثورة وإنما العيش أفضل بالثورة". فهي ثورة في الثورة على مجتمع في حالة رخاء ولكن في ظل سلطة قوية يلزم هزمها.

فالمأزق تعلق بالإرث الثقافي وبطبيعة الدولة. فرفض الثقافة ككل والدولة كمؤسسة لم يتم تقديم بديلا لهما فكريا. إذ أن الموقف الذي اعتبر أنه يجب النضال ضد الدولة القوية ووسمها بأنها فاشية جديدة قاد لنفي ضرورة الدولة كضامن للمدنية والعلاقات الاجتماعية داخل تراث ثقافي من المستحيل نفيه والدليل استمرارية بقائه وبقاء الدولة. بجانب أن البدائل الموازية التي عاشت على هامش المجتمع كمجتمعات بديلة مستقلة ذاتيا لم تؤثر على عقلية الغالبية العظمى من المواطنين كبديل واقعي.

والمظهر الأساسي لهذه النتائج يتجسد في عدم مشاركة الفرد في العمل السياسي بتغليب منحاه "الفردوي" وإن كان ذلك لا ينف أنه يظل مدافعا عن مصالحه الفئوية حينما يتطلب الأمر ولكن يظل هناك غياب للمشاركة في هموم أشمل ولكن ذلك سمح في ذات الوقت بإحداث نقلة كيفية في العلاقات لتصح علاقات تتسم بالشفافية سواء للفرد بنفسه أوبالآخرين خاصة في العلاقة الندية بين الرجل والمرأة. وتحقيق ديمقراطية داخل المجتمع والوعي اليقظ من كل استخدام أو تعبئة للأفراد بشكل جمعي بغير رضاهم كقطيع من قبل الدولة أو غيرها. ولكن ربما تكون المسألة الأكثر أهمية هي التي تخص النخبة إذ لم تنج نخبة المثقفين من هذه العزلة وكأن هناك حالة من الإحالة على المعاش اختياريا أو استقالة للمثقف على نحو ما حولت المثقف اليوم إلى إنعزالي.

واستمرار وجود النظام الرأسمالي يستند في جانب منه بتفريغ الغضب الاجتماعي من محتواه بتبني شعاراته وتحويلها إلى سياسات مؤسساتية وشرعية في المجتمع. والأمثلة متعددة لعل أهمها حق الإجهاض وحق العيش المشترك دون زواج وهو ما يعني أن الارتباط الذي يقوم بين شخصين ويتم التوقيع عليه أمام قاضي بالمحكمة المختصة يتساوى مع الزواج الرسمي في الحقوق والواجبات المشتركة وحيال الدولة. فبدلا من أن تعتبر الدولة تلك الممارسات خروجا على القانون قامت بتفصيل قانون ليقر بشرعية الممارسات التي تحدث في الواقع. فهو إعادة وضع يد الدولة على ممارسات اجتماعية لا يمكنها السيطرة عليها بشكل أخر إلا إذا وضعت ملايين المواطنين في السجون.

ولابد من القول أن إنسان اليوم هو نتاج عالم يختلف كلية عما كان عليه منذ أربعين سنة فعلاقته بحرب الأحلام القومية توقفت عند حدود رغباته الفردية. فالمؤسسات السياسية والدينية هي أماكن للاحتفال الثقافي وليس السياسي والأخلاقي. فالأحزاب السياسية كما الكنائس هي أماكن للمشاركة في "حفلة أو عيد" لسماع الموسيقى الكلاسيكية أو الحديثة وليست للنضال والعبادة. فالإنسان حدد عالمه في التلفزيون والموسيقى في جيبه على هاتفه المحمول وأقصى بذاته إلا نادرا عن المطالب الجماعية. والسبب الأساسي جسدته مقدرة النظام الرأسمالي على امتصاص معظم المطالب الاجتماعية والثقافية والسلوكية وتبنيها لإحداث تغيرات بهذا النظام ليتأقلم مع هذه المطالب وإن كان يسخرها لاستمرار دورانه وبقائه بوجه مختلف ومستمر التجدد. والبعد الآخر الهام هو المغازلة المستديمة للنظام للمطالب الفردية التي يرفع الشباب شعارها لإنجاز الحرية والاستقلال. فالنظام بالمجتمع الاستهلاكي يسهل للفرد امتلاك سيارته الخاصة وشقته الخاصة أو منزله الخاص وكل السلع الاستهلاكية عبر سياساته للاقتراض الميسر حتى ولو كان الشاب في بدء حياته العملية أو في مرحلة التعليم. فالرئيس ساركوزي وعد "أن يصبح كل فرنسي مالكا لسكنه. ومنح كل شاب له مشروع قرضا دون فوائد بضمانة الدولة." أو بحسب ما يقول المفكر "ادجار موران" :"يقوم النظام بوضع جرعة من المخدر في السلع الاستهلاكية ليستشعر الفرد حالة من النشوة المهدئة." ويستنتج أن العالم الذي نشد السعادة عكس أزمة حضارة وكذا أزمة في تلك السعادة ذاتها إذ تترك الإنسان فردا في مواجهة نفسه بتفكيكه لشبكة العلاقات التقليدية ونسجه لعلاقات جديدة على أساس الاختيار الشخصي متحررة من كل تاريخ اجتماعي. ولا يمنع ذلك من الإقرار بأن المكسب الجوهري للمجتمع بقيمه الجديدة المتناقضة هو التسامح شبه المطلق الذي يسعى لانجازه ويحققه بخطوات واسعة بأن يحيا كل فرد كيفما شاء ويتحمل مسئولية اختياره وهو طريق لا رجعة فيه.

مايو-يونيو 68 : ثورة الطلبة والعمال في فرنسا ... مصطفى نور الدين

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك