موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > انتخابات الرئاسة الفرنسية 2007 > 12 سنة شيراك .. كفاية !... مصطفى نور الدين

12 سنة شيراك .. كفاية !... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) 21 مارس 2007

الثلاثاء 15 كانون الثاني (يناير) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

12 سنة شيراك .. كفاية !... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) 21 مارس 2007

قرأت واعدت قراءة كلمات جاك شيراك الديجولي عدة مرات.. لا أحلم ؟ أنه يدعو الفرنسيين لانتخاب الاشتراكية سوجلين رويال ! تساءل مواطن في منتدى على شبكة النيت. فكلمات الرئيس تدعو المواطنين لعدم السقوط في شيراك العنصرية والتشدد أي يندد بشكل مضمر بالمرشح نيكولا ساركوزي، رئيس حزب الأغلبية الحاكم.

وقرر شيراك عدم الترشيح لفترة رئاسة ثالثة. وليس بمستطاع الرئيس الادعاء بأنه يترك فرنسا في حال أفضل مما كانت عليه منذ 12 سنة. ولا بأنه نفذ ما وعد به في حملاته الانتخابية منذ 1995. إذ كان شعار برنامجه معالجة الشرخ الاجتماعي. فغالبية المشاكل ظلت وبعضها ازدادا سوءا من تزايد البطالة والفقر وتعثر الإصلاح في التعليم والصحة والإسكان والمعاشات والتصنيع. وحدثت اكبر كارثة إنسانية في ظل حكمه في قيظ 2003 بموت 15 ألف مسن في بضعة أيام من الإهمال والوحدة. وإبان عنف الشباب في هوامش المدن الفقيرة فرض حالة الطوارئ على فرنسا لأول مرة منذ حرب الجزائر وترك لساركوزي، وزير الداخلية، حرية المواجهة غير الإنسانية للأطفال باللفظ والفعل.

انحدر مركز فرنسا بين الدول المصنعة من المركز 11 إلى 15. وارتفعت المديونية الداخلية من 740 مليار يورو عندما تولى شيراك الرئاسة إلى 1138 مليار للسنة الجارية. وتتعثر المشروعات الصناعية الأوربية المشتركة مثلما تعكسه أزمة شركة ايروباس لصناعة الطائرات واتخاذ القرار بطرد أكثر من 12 ألاف من العاملين بها في فرنسا وألمانيا وانجلترا وأسبانيا. وفي 16 مارس الجاري، شارك عشرات الآلاف من العاملين بالشركة في هذه البلدان، في الوقت نفسه، في مظاهرات عملاقة لمعارضة سياسة الطرد الجماعي.

وربما تشاء الأقدار بان تنقذ دولة قطر الشركة الدولية النشاط إذ سوف تشتري 80 طائرة مدنية عملاقة من طراز A 350 وهي أعظم صفقة في تاريخ الشركة. بل وسوف تسهم قطر في رأس مال الشركة التي تتعرض لصعوبات جمة لعدم قدرتها على الوفاء بتصنيع الطائرات التي ارتبطت بتسليمها في عقود عالمية في موعدها وتتعرض لدفع غرامات تأخير فادحة. وفهم طلب قطر على أنه دعم سياسي لفرنسا تحت لافته تجارية.

ولقد دخل شيراك العمل السياسي عام 1967 في منصب وكيل وزارة في حكومة جورج بومبيدو وفي ظل رئاسة الجنرال ديجول. وظل عمدة لباريس 18 سنة وربما تفتح قضية فساد له بعد انتهاء الرئاسة تخص تلك الفترة دفع فيها مساعده ورئيس الوزراء السابق الان جوبيه 14 شهرا سجنا مع إيقاف التنفيذ والحرمان سنة من الحقوق المدنية ولم يمثل شيراك للقضاء للحصانة كرئيس.

يعرف المواطن البسيط أن البرامج الانتخابية وعود نادرا ما تتجسد في الواقع بل في الكثير من الأحيان يطبق المرشح بعد نجاحه نقيض ما وعد به. وليست سوء النية هي ما يقف خلف هذا التناقض ولكن التخبط بين توجه اقتصادي إداري إلى ليبرالي وفشل كلاهما في إيجاد مخرج للازمة ويضاف لذلك التحولات على الصعيد العالمي التي قلصت من دور الدولة القومية وجعلتها مجرد أداة إدارة في يد الشركات الدولية النشاط ورأس المال بشكل عام واتخاذ القرارات الوطنية في إدارة الاتحاد الأوروبي في بروكسيل.

ومن غرائب الأمور إن شيراك لم يستطع التعايش كرئيس وزارة مع الديجولي جيسكار دستان إلا فترة قصيرة وصفع الباب بتقديم استقالته معلنا انه لم يسمح له بامتلاك كل السلطات لتسيير سياسة الحكومة. وعلى النقيض شغل نفس المنصب مع منافسه الاشتراكي فرنسوا ميتران دون مشاكل جمة لسنتين وذات التعايش استطاعه دون صراع محسوس كرئيس للجمهورية مع الاشتراكي ليونيل جوسبان كرئيس للوزراء.

ويذكر لشيراك أوهام ظنها حقيقة ومنها قوله بعد وصوله للسلطة عام 1995 : أني متيقن انه يمكن خلال فترة رئاسية تغير فرنسا جذريا ! وظل شيراك فترتين رئاسة ولم يجسد ما أخذه على نفسه كعهد.

ومن أخطاء شيراك قناعته بعد انتخابات 2002 بان الفرنسيين نصبوه على عرش فرنسا إذ صوت له 82 ٪ من المنتخبين فحل البرلمان قبل موعد انتهاء صلاحيته الدستورية طمعا في أن تكون له أيضا الأغلبية البرلمانية ويطلق ذلك يده في تصريف الأمور. وكان ذلك تقدير غير صحيح لان الفرنسيين صوتوا له لمنع وصول اليمين العنصري للحكم. ورد الفرنسيون بإقامة التعادلية السياسية بالتصويت للاشتراكيين الذين تولوا بناء على هذا الانتصار تشكيل الحكومة.
واخطأ شيراك في اختيار الاقتراع الشعبي على الدستور الأوربي عام 2005 فجاء رفض الدستور بأغلبية ليبين له وللحزب الاشتراكي الذي دعا للموافقة عليه أن الشعب يري طريقا أخر غير الليبرالية دون حدود.

واخطأ شيراك في إقرار مشروع رئيس وزراءه، دومنيك دو فيلبان، بشأن عقد العمل الذي يطلق حرية أصحاب المشاريع في طرد العاملين دون تقديم مبررات بعد سنتين من العمل. إذ جاءت التعبئة الطلابية والنقابية لترفض هذا القانون وتجبر الحكومة على سحبه.

خلط شيراك بين دولة فرنسا الحرة بزعامة الجنرال شارل ديجول ودولة فيشي الفرنسية العميلة للاحتلال باعتباره دولة فرنسا مسئولة عن مأساة تسليم اليهود للاحتلال للنازي. ولا يمكن فهم خطأ شيراك إلا على ضوء الضغط الذي يمارسه اللوبي الصهيوني في فرنسا. إذ تصدر كتابات دوريا لإدانة المجتمع الفرنسي، الآن وليس فقط في الماضي، بأنه معاد للسامية ولم تتوقف الحملات الداخلية وأخرى معبئة من إسرائيل تدعو الفرنسيين من اليهود بمغادرة فرنسا والهجرة لإسرائيل بدعوى أنهم يتعرضون للعنصرية وهو ما دعا له مجرم الحرب شارون علنيا.

كان موقف فرنسا الديجولية، مع روسيا وألمانيا، من حرب الولايات المتحدة ضد العراق مشرفا برغم سخرية وزير الدفاع الأمريكي رانسفيلد من موقف أوربا العجوز. ولكن فرنسا شاركت الولايات المتحدة في الحرب في أفغانستان. و لا تعرف فرنسا على أي قدم ترقص في سياستها الشرق أوسطية. ولكنها انعكاسا لذات المواقف العربية حيال قضايا الشرق وضغوط الولايات المتحدة وإسرائيل. فالتردد في خط سياسي مبدئي عادل ليس العملة الحاكمة وإنما سياسة المصالح والتحالف هي الغالبة عليها.

فتناقضت المواقف الفرنسية بشأن القضية الفلسطينية فاستقبل عرفات للعلاج وودع بعد وفاته كرئيس دولة برغم الهجوم الشرس من المنظمات اليهودية والصهيونية في فرنسا. ولم يغفره اللوبي الصهيوني لشيراك والحكومة الفرنسية ولم تخجل صحف إسرائيلية، في حينها، بوصف الشعب الفرنسي بأنه براز .. خره ! ولكن تناقضت السياسة الفرنسية باستمرار خضوعها للقرار الأوربي باعتبار حماس منظمة إرهابية برغم أن الانتخابات تمت تحت مراقبة دولية أقرت بنزاهتها. وها هي فرنسا تحاول إقناع الدول الأوربية بالاعتراف بالحل الذي تم عقدة بمكة برغم اعتراض إسرائيل والولايات المتحدة.

وفي المسألة اللبنانية تميز موقف فرنسا بالانحياز لفصيلة من التوجهات السياسية اللبنانية، رئيس الوزراء وحلفائه، ومعاداتها لرئيس الدولة ولتحالف المقاومة اللبنانية واختزال تلك المقاومة في حزب الله واعتباره منظمة إرهابية. هذا برغم أن الاتحاد الأوربي لا يضع حزب الله في قائمة المنظمات الإرهابية. وعبر ذلك خضوع فرنسا في ذلك للوبي الصهيوني الفرنسي والعالمي وللتوجيهات الأمريكية وتحالفها من ما يسمى بالمعتدلين العرب. فمثلت تلك السياسة تدخلا في الشأن اللبناني وخاصة في تحالف فرنسا مع الولايات المتحدة في استصدار قرار مجلس الأمن رقم 1559 الذي كان يرمي لإخراج السوريين من لبنان وتجريد المقاومة في لبنان من سلاحها. ثم تلاه الموقف المتردد لفرنسا من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على لبنان والذي لم يعلن احتجاجه ومطالبته بوقف القتال إلا بعد فوات الأوان وبلوغ التخريب مداه.

التردد في السياسة الفرنسية بشأن إيران. إذ تخلت فرنسا عن سياسة الحوار التي ساهم فيها كل من ألمانيا وبريطانيا لمقاومة سياسة الولايات المتحدة الساعية لفرض عقاب على إيران واحتضانها لنفس السياسة الأمريكية ثم المطالبة مرة أخرى بالحوار ثم فرض عقاب. يحدث ذلك في الوقت الذي تضطر فيه الولايات المتحدة للدخول في حوار مع إيران وسوريا بصورة مقنعة في مؤتمر بغداد الأخير تحت تأثيرات الواقع العراقي المأسوي ونصائح تقرير بيكر - هاملتون. فلم تتبع فرنسا سياسة دائما متناغمة مع مصالحها الإقليمية لجوارها المباشر مع بلدان الشرق.

وربما يستحسن ختام الكلام عن شيراك بكلمة ايجابية. فله فضل حذف القانون الذي سنه اليمين تحت تأثير ساركوزي ويعتبر أن الاستعمار كان نعمة على المستعمرات السابقة. وكذا اعتبار العاشر من مايو عيد وطني للاحتفال بنهاية العبودية.

وأخيرا فمن سيرث تركة جاك شيراك، الذي ولد في باريس عام 1932، من بين 12 مرشحا ويحتل كرسي الرئاسة بعد الجولة الانتخابية الثانية في مايو المقبل ؟

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك