الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > إدعاء يتجاهل ابن رشد وينكر فضل الحضارة الاسلامية على الغرب المسيحي : فصل جديد من صدام (...)

إدعاء يتجاهل ابن رشد وينكر فضل الحضارة الاسلامية على الغرب المسيحي : فصل جديد من صدام الحضارات والعلماء يستنكرون.. مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي - القاهرة في 21 مايو 2008

الأربعاء 21 أيار (مايو) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

لا فضل للحضارة الاسلامية على الغرب المسيحي : الفصل الجديد من صدام الحضارات.. مصطفى نور الدين

حول كتاب : Sylvain Gouguenheim: Aristote au Mont Saint Michel

هل فتح في فرنسا مرحلة جديدة من صدام الحضارات ؟ السؤال يثيره كتاب يقول بأن الغرب توصل وحده لنقل التراث اليوناني إلى اللغة اللاتينية في العصور الوسطى وأن لا فضل للعرب في ذلك. ومنذ صدوره تفجرت انتقادات حادة ضده من المتخصصين الغربيين وخاصة اثر نشر مقالة لعرض الكتاب بصحيفة "لوموند"، يوم 3 ابريل، بعنوان :"وماذا لو أن أوربا لم تكن مدينة في معارفها للإسلام؟". وتلتها مقالة بصحيفة "لو فيجارو"، في 17 ابريل، بعنوان:"محن المؤلفين اليونانيين في العالم المسيحي". وفي كل من المقالتين تحيزا لموقف الكاتب واعتبار أنه "وضع العقارب على الساعة" وذلك دون أن يكون للصحفيين المعرفة المتخصصة في القرون الوسطى. بجانب الاستقبال الصاخب الذي صاحب صدور الكتاب من قبل التيارات المعادية للعرب والإسلام. إذ تصاعدت صيحات على مواقع انترنيت مهللة "لا فضل للعرب على نهضة الغرب".

والكتاب لمؤرخ العصور الوسطى "سيلفان جوجونهايم" بعنوان :"أرسطو في مون سان ميشيل" (282 صفحة) صدر عن دار نشر "سويي" الكبرى وفي سلسلة كتب تاريخ مرموقة. ومون (جبل) سان (القديس) - ميشيل هي كاتدرائية عملاقة مشيدة على مرتفع صخري شبه جزيرة في بحر المانش تعزلها المياه يوميا عن اليابسة مع مد البحر.

والقضية التي يطرحها الكتاب هي أنه غير صحيحا ما هو سائد عن دور العرب في إنقاذ التراث اليوناني بترجمته إلى العربية في العلوم والطب والرياضيات والفلك ثم نقلها من العربية إلى اللغة اللاتينية... ولا أن نقل هذه المعارف هو الذي ساهم في قيام النهضة الأوربية بعد تطوريها. واعتبر المؤلف أنه "اكتشاف جديد" يصحح أخطاء سادت منذ عقود وروج لها الكثير من المفكرين ومنهم محمد عرقون وادوارد سعيد بل والاتحاد الأوربي وأنها مجرد وهم وتشويه للتاريخ ومواقف متحيزة.

ويقول بأن العلاقة بين أوروبا وجذورها اليونانية ظلت متصلة دوما ومباشرة لمعرفة بعض الأوروبيين باللغة اليونانية. وبالتالي فإن التراث اليوناني تم نقله مباشرة من اليونانية إلى اللاتينية بفضل مترجمين عاشوا في "كاتدرائية مون سان ميشيل" في القرون الوسطى ومنها كتابات لأرسطو .

ومن بين ما يقدمه المؤرخ أن أي من الفارابي أو ابن سينا أو ابن رشد لم يقرءوا كلمة واحدة من فلسفة أرسطو باليونانية لجهلهم بها واستعانوا بترجمات عربية قام بها الكثير من المترجمين خاصة من المسيحيين. وبمنهجية الكاتب هي اقامة التفرقة طوال صفحات الكتاب بين مسلم ومسيحي وعربي. ويعطي مثلا بأن بالطبيب "حنين بن إسحاق" (809 – 873)، أمير المترجمين، ليس بمسلم وبرغم ذلك فهو الذي ابتدع الكثير من المصطلحات الطبية والعلمية في اللغة العربية في ترجماته التي بلغت نحو مائتين مؤلفا لأفلاطون جالينوس وابقراط وأرسطو.. فالمؤلف يشدد على أن معظم المترجمين كانوا مسيحيين وبناء عليه فالرابطة التي وجدت واستمرت بين التراث اليوناني والغرب اللاتيني كانت بفضل هذا الامتداد المسيحي حتى ولو كان المترجمون في أرض الإسلام أو العرب ويحتلون أعلى المناصب في ظل الخلافة العباسية كما كان الأمر مع "ابن إسحاق" الذي ترأس "بيت الحكمة". وأن العرب المسلمين لم يستطيعوا هضم واستيعاب الفكر الهليني العقلاني لوقوعهم سجناء لنص الوحي.

ويقول المؤلف بأنه يكشف عن مدى تأثير التراث اليوناني على تشكيل العقلية الهلينية أو العقلانية على الإسلام والحضارة المسيحية في القرون الوسطى وما بعدها. وهنا يستبق الاكتشاف باستنتاج وهو أن المسلمين لم يتأثروا بتلك العقلانية اليونانية بينما استوعبتها الحضارة المسيحية بما في ذلك الشعوب المسيحية الشرقية التي عاشت في كنف الحضارة الإسلامية.

ولأن قضايا الكتاب لا يمكن اتخاذ موقفا تأريخيا علميا منها إلا من قبل المتخصصين في القرون الوسطى في التاريخ والفلسفة فان ترك الكلمة لهم أجدى من تقديم عرض للكتاب إذ لن يؤدي إلا إلى بث التشويش. فنقد المتخصصين للكتاب يكشف من ردودهم القضايا المعاكسة التي يأخذونها علي المؤلف ويكشف أيضا البعد الإيديولوجي المناهض للحضارة العربية الإسلامية الذي يتبناها الكتاب.

إذ دفعت خطورة ما يقدمه الكتاب من أخطاء بالكثير من ردود الفعل نتوقف عند بعضها بإيجاز شديد. في يوم 25 ابريل نشر في صحيفة "لوموند" مقالا بتوقيع "جابريل ماتينيز جرو" و "جوليان لويزو"، الأول أستاذ في تاريخ العصور الوسطى والثاني أستاذ مساعد، بعنوان: "كشف مريب". وتقول المقالة :"لو اتبعنا "سيلفان جوجونهايم" فإننا نستنتج أن الحضارة الإسلامية غير قادرة على استيعاب الميراث اليوناني أو تقبل أرسطو نظرا لعدم قدرتها التوصل للنصوص بدون ترجمة مسيحي الشرق وبسبب لوضعهم نصوص الوحي فوق العقل. (ونشير إلى أن ذلك ساد في أوربا أيضا حتى القرن الثامن عشر.) وطبقا لما يطرحه فإنه يضع تدرج رأسي للحضارات لأنه يقيس الحضارة بدرجة الهلينية (أي سيادة العقلانية). وتكون أوربا إذن ذات أصول يونانية وتاريخ مسيحي وفي الطرف الأخر الإسلام بأربعة عشر قرنا من الحضارة ذات أسس دينية وخرجت من أعماق الصحراء." وتضيف المقالة "نعرف جميعا أن إنتاج العالم الإسلامي من القرن التاسع إلى الثالث عشر في الرياضيات والفلك أكثر أهمية وأغزر من إنتاج بيزنطة التي يبالغ الكتاب في دورها". فالكاتب "يخلط بين الإسلام كدين وبين الحضارة الإسلامية. فالمسيحيون ليسوا بمسلمين ولكنهم جزأ من الحضارة الإسلامية لأنهم لعبوا أدوارا في المجتمع الإسلامي والتحموا في وظائف الدولة." وتضيف "أن الكاتب لم يتطرق لما تم ترجمته مباشرة من كتب أساسية من العربية إلى اللاتينية في الرياضيات والفلك والتنجيم والتي كان تلقيها في أوربا فاتحة لإعدادها للدخول في الثورة العلمية الحديثة." ويؤكد المعترضون على خطورة ما يعطيه المؤرخ من معلومات غير صحيحة بشأن دور الحضارة العربية – الإسلامية. وأن البعد السياسي والإيديولوجي غير خفي في الكتاب.

ونشرت صحيفة "ليبراسيون"، يوم 30 ابريل، مقالا موقعا من تكتل أسس خصيصا لجمع توقيعات ضد الكتاب باسم: "التجمع الدولي (56) من الباحثين المتخصصين في تاريخ وفلسفة العصور الوسطى" ويضم أسماء متخصصين من معظم الدول الغربية. وعنوان المقال :"نعم، الغرب المسيحي مدين للعالم الإسلامي". وتبدأ المقالة بتلك الكلمات : "كمؤرخين وفلاسفة قرئنا الكتاب "بصدمة استغراب ووضع قائمة بالأخطاء التي وقع فيها والادعاءات التي يتبناها طويلة". فالكتاب "يدعي الكشف بأن أوروبا المسيحية في العصور الوسطى حصلت دون عون ومباشرة على التراث اليوناني وأن المسار الذي بلغته لن يختلف لو لم يكن هناك اتصال ببينها والعالم الإسلامي" و"أن الكتاب يذهب بهذه الحجة ضد كل البحوث المعاصرة.. فهو يقرأ بطريقة مضللة التاريخ." فالكتاب "ادعى أنه ما به اكتشاف في حين أنه معروف منذ عشرات السنين. بجانب قيامه بقراءة مغالطة للعلاقة بين الغرب المسيحي والعالم الإسلامي". يضاف أن "الكتاب يدعي أنه يشمل بدراسته الفترة الممتدة من القرن السادس إلى الثاني عشر في حين أن الفترة الأساسية الضرورية لدراسة هذه القضية هي الفترة الممتدة من القرن الثالث عشر إلى الرابع عشر. وبناء على الفترة التي حددها يمكنه الادعاء بصورة اقل صعوبة البرهنة على أن التاريخ الثقافي والعلمي في الغرب المسيحي ليس مدينا للعالم الإسلامي."

يضاف "أنه لا بوجد أدلة عن أن المترجم "جاك دي فينيس" الذي ترجم أرسطو وضع قدمه في "مون سان - ميشيل" وهي مسألة محورية في الكتاب. وكذا أن وجود مخطوطات في هذا المكان لا يثبت أنه تم الإطلاع عليها أو نشرها أو نقلها أو التعليق عليها أو استخدامها." وعليه "فإن مؤلف الكتاب لم يعتمد على مراجع البحث المعاصرة في هذه القضية واستخدم مراجع ثانوية لا قيمة علمية لها."

يضاف لذلك قضية "المؤرخ" الإيديولوجية باعتباره أن "العالم البيزنطي ومسيحي الشرق كملحقين بالغرب المسيحي. أو "أن أوروبا الخالدة التي يعرفها كهوية مسيحية أو "نحن" أهل الكتاب حتى ولو كان من يمثلنا يعيش في بغداد أو دمشق". فالكاتب ينهي كتابه بمواجهة تعرف الحضارة ابتدءا من الدين واللغة وعدم إمكانية التواصل بين الحضارات أو بدقة التنافر بينها.

وما يؤخذ عليه أيضا الجهد الذي بذله للبرهنة في انتقاد ما يقول بأن كل المؤرخين لا يكفون عن تكراره بأن الغرب مدين في معارفه للإسلام في حين لا يوجد من المؤرخين الجادين من تعرض لتلك المسألة بهذه الطريقة. بالإضافة إلى اعتماده على المراجع الغربية دون نظرة نقدية فاحصة في حين انه يشكك في المراجع العربية. وكذا لأنه يعتبر الحضارة اليونانية شمس العقل أو العقلانية ويضعها في قمة السلم الحضاري. وأنه بالغ في الدور الذي لعبته بيزنطة. ويعتبر انه اكتشف الدور الهام للمترجم العربي المسيحي بن إسحاق في نقل التراث اليوناني في حين يقر كل المؤرخين من زمن طويل بدور هذا المترجم الكبير ويدرس في جامعات العالم. وفي النهاية يقوم الكتاب بالحط من قيمة الإنتاج العربي الإسلامي في العلوم والفلك والرياضيات بين القرنين التاسع والثالث عشر. ويخلط بين الإسلاميين المتشددين والحضارة الإسلامية. والقول بأن الفكر العربي الإسلام غير قادر على استيعاب العقلانية نتيجة لتجمده لاعتماده على نص الوحي. وتناسيه أن العرب لم يترجموا فقط أرسطو وإنما علقوا أيضا على فلسفته وشرحوها. ولتناسيه أنه لولا "غرناطة" لما تلقت النهضة في باريس أو برلين تراث روما واليونان. وهو ينتقد كل من ابن سينا وابن رشد لعدم معرفتهما باللغة اليونانية في حين لا يوجه نفس الانتقاد إلى فلاسفة غربيين مثل "توماس الإكويني". ويضاف انه هو نفسه لا يجيد لا اليونانية ولا العربية !

ونتوقف عند مقال طويل، نشر يوم 28 ابريل في موقع مجلة "تلي راما" الأسبوعية. وكاتبه "الان دو ليبرا"، مدير الدراسات في المدرسة التطبيقية العليا للدراسات" وأستاذ بجامعة جنيف بسويسرا ونائب رئيس الجمعية الدولية لدراسة فلسفة العصور الوسطى" وله العديد من الكتب الهامة عن تلك الفترة. يقول "دو ليبرا" حول كتاب "أرسطو في مون سان ميشيل" :"إنه نسيج من الأخطاء وممتلئ بتشويه للحقائق وبمعطيات متحيزة أو جزئية". ويتوقف "دو ليبرا" عند ادعاءات الكتاب بنفيها ونلخص أهمها:"لم يذكر الكتاب اسم المثقف الذي ادعى بوجود انقطاع كامل بين التراث اليوناني وأوربا في القرون الوسطى المسيحية" و"لا من قال بأن الإسلام تلقى كل الثقافة اليونانية" و"لا من قال بأن هذا التراث اليوناني تم تلقيه بإجماع وترحاب" و"لم يدع أي شخص بأن هذه الثقافة اليونانية كانت قادرة على إحداث انقلابا في الثقافة العربية والإسلامية" و"لم يدع أي مؤرخ للعلوم وللفلسفة العربية في للقرون الوسطى بأن المعرفة الأوربية مدينة كلية لوساطة العرب" و"لم يدع أحد أن العالم العربي جاء ليقدم بانفتاح وسخاء معارفه لأوربا المظلمة كوسائل لتوسعها".

ويضيف "دو ليبرا"، كرد على ادعاءات الاكتشاف التي يقول بها الكتاب ومن يسانده، بأنه منذ 1980 أثبت "أن أوربا العصور الوسطى قامت بحفظ قسم من الفلسفة العصور القديمة مميزة في فترتين في تاريخ نقل النصوص إلى الغرب من الشرق (المسيحي ثم المسلم). الفترة الأولى اليونانية- اللاتينية والفترة العربية – اللاتينية. مع ضرورة التمييز بين "الفلسفة في الإسلام" و"الفلسفة الإسلامية" وإظهار الدور الذي قام به كل من المسيحيين العرب والسريانيين في تراكم الفلسفة العربية" والإشارة إلى تعدد القنوات التي وصل عبرها التراث اليوناني إلى الشعوب اللاتينية."

وقد بلغ أمر الاختلاف مع صاحب كتاب "أرسطو في مون سان ميشيل" بأن أصدرت "المدرسة الوطنية التطبيقية العليا" عريضة ليوقع عليها كل من الباحثين والطلاب لفتح تحقيق مع المؤرخ. إذ أن أجزاء من كتابه وضعت منذ شهور على شبكة انترنيت في مواقع معادية للأجانب وخاصة للعرب والإسلام وتحذر من تضاعف عدد المسلمين في أخر القرن الراهن ليشكلوا أغلبية السكان. بجانب أن المؤرخ ينتمي إلى تلك "المدرسة العليا" التي تحتل مكانة مرموقة في التعليم الفرنسي وبالتالي لا يوافق رفاقه أن تكون الأفكار المعادية للإسلام، وتصل إلى حد وصفها من قبلهم "بالعنصرية الثقافية"، منسوبة إلى المدرسة أو معبرة عنها.

فالمدرسة "مؤسسة علمانية وتتبنى مبادئ الجمهورية والإنسانية ولا يمكن لها أن تقبل تحمل مسؤولية أفكاره الإيديولوجية فمهمتها هو البحث العلمي". وبناء عليها تطالب بعمل تحري معمق وإجراء تحقيق انفورماتيك إذا استدعى الأمر لإظهار حقيقة التصريحات المنسوبة للمؤلف بتوقيعه على بعض المواقع المعادية للإسلام وللأجانب". وقررت "المدرسة العليا" عقد ندوة موسعة للمتخصصين في القرون الوسطى، في خريف هذا العام، للرد على الأخطاء التي تضمنها كتاب "أرسطو في مون سان ميشيل".


عرض مباشر : الأهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك