الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > صناع المجاعة يقتلون القتيل ويمشون في جنازته.. مصطفى نور الدبن

صناع المجاعة يقتلون القتيل ويمشون في جنازته.. مصطفى نور الدبن

نشر بجريدة الأهالي - القاهرة - 23 ابريل 2008

الأربعاء 23 نيسان (أبريل) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

صناع المجاعة يقتلون القتيل ويمشون في جنازته.. مصطفى نور الدبن

صناع المجاعة يقتلون القتيل ويمشون في جنازته. تلك خلاصة القول التي أثبتت سياسة العولمة الليبرالية صحتها طوال العقود الماضية. ففرض سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وخضوع نظم بلدان العالم الثالث لها لم تثمر إلا خراب الاقتصاديات وتحطيم هياكل الإنتاج وتعميق هوة التبعية عامة والغذائية خاصة.

هل المجاعة معطى طبيعي لا يقلق الضمير العالمي أم أنه صمت متآمر؟ أم أن الحروب والمجاعات هي المسار الطبيعي للحياة كما قال به "توماس مالتوس" صاحب نظرية السكان في القرن التاسع عشر ؟ أم أن الطبيعة البشرية مجبولة على غريزة الموت كما يقول العالم النفسي سيجموند فرويد؟ أم هي نظرية البقاء للأقوى كما يقول العالم البيولوجي "شارل دارون" ؟

الإجابة نجدها في الكتاب – الصرخة "جيوبوليتيك المجاعة" أو الجغرافيا السياسية للمجاعة الذي كتبه عام 1950 الطبيب – الفيلسوف البرازيلي "جوزيه كاسترو". و كذا في عشرات الكتب التي اخص بها المآسي الأفريقية العالم الزراعي الفرنسي "رونيه دومو" ومنها "من اجل أفريقيا : أني اتهم" وفي كتابات "سوزان جورج" : كيف يموت النصف الأخر من العالم" و "استراتيجية الجوع" والقائمة لا تنتهي.

فما يشهده العالم الآن من انفجارات في 37 دولة، ومنها مصر وبركينا فاسو وهايتي والسنغال، يدفع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للتراجع مرحليا وبشعارات لإنقاذ النظم الحاكمة بتخفيف القيود على ما يفرضه من سياسات يجبرها عليها. ويقال أن الرئيس جورج بوش يشعر "بقلق عميق" وينظر فيما يمكن القيام به في المدى المنظور وخصص 200 مليون دولار مساعدات عاجلة لمواجهة الأزمة الغذائية خاصة لإفريقيا.

وتقدم تفسيرات متعددة لتفسير ارتفاع الأسعار منذ 2005 إما لسوء الأحوال الجوية والكوارث ومهاجمة آفات غامضة لمحصول الأرز في فيتنام وحظر تصدير بعض الدول من المحصول لتأمين الطلب المحلي وزيادة عدد السكان في العالم وبالتالي زيادة الطلب... وكل تلك عوامل بطبيعة الحال ولكن ما يعتبر جديدا هو المضاربة على السلع الغذائية في الوقت الراهن أكثر مما سبق نتيجة انهيار الاستثمارات الأمريكية في مجال العقارات اثر الأزمة التي حدثت في السوق العالمي في الصيف الماضي وانهيار بعض البنوك لسوء سياستها في الإقراض وعدم شفافية ممارساتها. يضاف لذلك انخفاض أسعار الدولار أمام العملات الأخرى.. بجانب الاستخدام المتزايد للمحاصيل الزراعية الغذائية (الذرة وفول الصويا وقصب السكر) لإنتاج الوقود البديل من اصل نباتي لمواجهة ارتفاع أسعار البترول المستمرة.

فبحسب أخر الإحصائيات الرسمية شهد الإنتاج الغذائي عام 2007 ارتفاعا ولكن على النقيض انخفض المخزون منه. والتفسير يتكشف من السياسة العالمية المستجدة في استخدام كميات هائلة منه لإنتاج الوقود البديل من المنتجات الغذائية أي "الوقود العضوي". وبحسب مجلة "الترناتيف انترناسيونال"،عدد أيريل 2008، قامت الشركات الاحتكارية الدولية بالمضاربة بالسلع الغذائية في السوق العالمي لمعرفتها بأن الطلب سوف يرتفع وأن المخزون العالمي في أدنى مستو له منذ ربع قرن". فالاعتماد على المتجات الغذائية لإنتاج الوقود العضوي حرم الشعوب من أكثر من 10 % من محصول الذرة على سبيل المثال. وتقدر الشركات الاحتكارية في الصناعات الزراعية بأن البرازيل يمكن أن تخصص 120 مليون هكتار (هكتار = 2 فدان تقريبا) لإنتاج محاصيل لاستخراج الوقود وأن بأفريقيا 397 مليون هكتار في 15 دولة يمكن تخصيصها لذات الغرض.

وفي حوار لصحيفة "ليبراسيون" يوم 14 ابريل، صرح المفكر السويسري جان زيجلر، المفوض الخاص للأمم المتحدة لمسألة "حق الغذاء"، بأن استخراج الوقود من النبات على حساب الطعام "جريمة ضد الإنسانية". وأن ارتفاع أسعار الأرز بنسبة 52 % في شهرين والغلال بنسبة 84 % في أربعة شهور وارتفاع تكلفة النقل بسبب ارتفاع أسعار البترول تلقي بمليارين من البشر في العيش تحت حد الفقر."

وكان "زيجلر" قد قدم تقريرا في 22 أغسطس 2007 للأمم المتحدة حول " حق الغذاء" أدان فيه حرمان الشعوب من الطعام باستخدام المنتجات الزراعية لإنتاج الوقود. وفي 17 ابريل رد الرئيس البرازيلي، "لولا دا سيلفا"، على هذا الاتهام بأنه :"سيكون جريمة ضد الإنسانية عدم تطوير الطاقة من المحاصيل الزراعية لأن عدم القيام بذلك سيجعل البلد تختنق بعدم توفر المنتجات الغذائية و الطاقة والسقوط في انعدام الأمن." وهاجم "لولا" النظام الدولي لارتفاع أسعار البترول وإتباع سياسة حمائية للسلع الزراعية في البلدان الغربية. وتجدر الإشارة إلى أن البرازيل ثاني أكبر منتج للوقود العضوي من قصب السكر ويبلغ إنتاجها الراهن 20 مليار ليتر للإنتاج الداخلي. إذ أن السيارات المصنعة بها منذ 2003 تسير بكل من البترول أو الوقود العضوي.

وكان تحرير الأسعار الذي فرضه النظام الدولي من العوامل الأساسية في خلق التبعية الغذائية. فعلى سبيل المثال كانت اندونيسيا تتمتع بالاكتفاء الذاتي من محصول فول الصويا ثم قبلت أن تستورده من الولايات المتحدة بأسعار أدنى منافسة فنجم عنه الآن اعتمادها بنسبة 60 % على الواردات لإطعام الشعب. وهو نفس القانون الذي يمكن أن نطبقه على كل البلدان التي تمر بأزمة غذائية اليوم.

ويضاف أيضا أنه بحسب أرقام تقرير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعية "الفاو" لشهر ابريل الجاري، كانت أسعار القمح والذرة الأمريكي أكثر ارتفاعا بالمقاربة بالدول الأخرى في السوق العالمي. فمثلا بين يناير 2007 ويناير 2008 ارتفع سعر الطن من القمح الأمريكي من 208 دولار إلى 381 دولار. في حين ارتفع سعر الطن من قمح الأرجنتين لنفس الفترة من 183 دولار إلى 330 دولار. وإذا قارنا محاصيل أخرى سوف نشهد ذات الفارق.

يضاف أن السيناريو الذي اتبعته الاحتكارات التجارية العالمية تجسد في تعويض انخفاض فوائدها نتيجة هبوط أسعار الدولار برفع أثمان السلع في السوق العالمية لكي تحتفظ بهامش مكاسبها ثابتة بل وتزيد منها.

ويتفق كل المحللين من التوجهات الإيديولوجية المختلفة على الكثير من الأسباب التي تسببت في أزمة ارتفاع الأسعار. فكتب داني سيفير، رئيس تحرير مجلة "بوليتيس"، الأسبوعية المستقلة، في عدد 17 ابريل تحت عنوان : "كارثة ليست طبيعية تماما" ويشير إلى "واحد من أسباب ارتفاع الأسعار لا يذكره الكثير وهو أن الحرب ضد العراق. ليس لأنه فقط راح ضحيتها ما بين ستين وثمانين ألف مدني ولكن لأن تحت تربة العراق يوجد واحدا من أكبر احتياطي البترول في العالم وبالتالي فإن هذه الحرب ساهمت في الارتفاع الجنوني للأسعار." ويضيف "بأن الولايات المتحدة هي التي شجعت بلدان أخرى على تحويل المنتجات الزراعية الغذائية عن هدفها لإنتاج الوقود للعربات رباعية الدفع" ويقدر صندوق النقد الدولي أن ما بين 20 % و 50 % من إنتاج الزراعي تم استخدامه لإنتاج الوقود." فالمنتجات الغذائية تحولت إلى "سلعة للهروب المالي" مثل الذهب. فارتفعت أسعار هذه السلع في سوق لندن إلى نحو 80 % بين شهري يناير وفبراير من هذا العام بالقياس بالعام الماضي.

ولا تتحفظ افتتاحية جريدة "لوموند" الليبرالية في حكمها إذ افتتاحية 16 ابريل بعنوان :" التاراتيف (المنافقون) والمجاعة".. وتارتوف أسم الشخصية المنافقة في مسرحية موليير التي تحمل ذات الاسم. وتكتب الجريدة :" أمام انتفاضات الجوع في نشرات التلفزيون هبت التعبئة من باريس إلى واشنطن. فكل تحرك بفكرة لمساعدة البلدان الفقيرة... ولا نملك إلا تحية هذا الكرم. فعدم التحرك سيكون جريمة ويعطي عن الغرب صورة غير جميلة. ومع ذلك كيف لا نشعر بالحرج من رقة القلب هذه ؟ فالأكثر كرما اليوم هم من تقع عليهم مسئولية الاختلال الحادث على الصعيد العالمي." وتضيف المقالة الأسباب وتتلخص في :"نمط الاستهلاك الذي تم تصديره للبلدان الصاعدة" و"الوقود الحيوي" من قبل الولايات المتحدة وأوروبا وكذا "نظم الحماية الأوربية التي تمارس منذ زمن بعيد وتربك الزراعة في العالم الثالث و تفرمل عملية تقليص الفقر". وتضيف "أما بشأن مسئولية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي فهي أيضا هائلة. إذ طوال عقود شرحا لهذه البلدان أن الزراعة "مودة" انتهت ويجب التوجه في الإنتاج للتصدير للحصول على العملة الصعبة وأن هذه البلدان تحصد اليوم الثمار المرة لهذه السياسة."و تضيف "علاوة على ذلك فالمضاربون يرفعون أسعار الأرز بنسبة 30 % في يوم واحد وهو سلعة تستورد السنغال 80 % من احتياجاتها منه على سبيل المثال). وتختتم الافتتاحية :"إن الكرم الغربي المفاجئ لا يمكن أن يقود إلى نسيان نصيبه في الأزمة المفجعة الراهنة."

واعترف روبرت زويليك، مدير البنك الدولي، بأن :"استمرار ارتفاع المنتجات الزراعية التي يستخلص منها الوقود العضوي سوف تؤدي إلى المزيد من ارتفاع المواد الغذائية". وبحسب ما نقله، في 18 ابريل، موقع "بي. بي. سي" ترجع المستشارة الألمانية انجلا ميركل ارتفاع الأسعار لتغيير الشعوب الآسيوية لعادتها الغذائية بتناول وجبتين في اليوم وأن الوقود الحيوي ليس مسئولا عن ذلك" ! في حين أدان "دومينيك ستروس- كان"، مدير صندوق النقد الدولي، استخدام المنتجات الغذائية لإنتاج الوقود.

وصرح جاك ضيوف، مدير عام منظمة "الفاو"، في 16 ابريل :"أن البنك الدولي خفض مساعدته للنشاط الزراعي منذ 1980 بشكل هائل" وأضاف: "يوجد إهمال كبير في الاهتمام بمسألة المياه والطرق التي لم تلق من جانبنا العانية الكافية." وأكد: "أن تلك ليست إلا بداية الأزمة التي سوف تتفاقم وسينتج عنها مخاطر كبيرة شاهدنا بعضا منها في انتفاضات الجوع"

ولقد حملت "اللجنة المطالبة بمحو ديون العالم الثالث" الهيئات الدولية مسئولية الأزمة الراهنة كنتيجة للسياسة التي فرضتها على البلدان المتخلفة طوال عشرين سنة.

وبنفس الحدة أدانت "الجمعية الكاثوليكية لمناهضة المجاعة ومن اجل التنمية" السياسة الدولية الراهنة ونادت "بسياسة تنمية ريفية تأخذ بالحسبان أولا التنمية للرد على احتياجات الأسر الفلاحية. وضرورة حماية أسواق بلدان الجنوب. ومعارضة السياسة الأوربية الرامية لتخصيص 10 % من المحاصيل الزراعية لإنتاج الوقود في 2020". في حين أنه لمواجهة الطلب المتوقع عالميا من الآن حتى عام 2030
من الحبوب يلزم زيادة الإنتاج بنحو 50 % وبنحو 85 % من اللحوم.

ويقول "جان زيجلر" في كلمته :"الجوع وحقوق الإنسان" التي ألقاها، يوم 8 ابريل، أمام منتدى: "أي زراعة ومن أجل أي غذاء" :"في كل 5 ثواني يموت طفل من الجوع وفي عام 2007 ارتفع عدد الموتى إلى 6 مليون إنسان. فنحو 854 مليون إنسان يتعرضون للجوع بشكل مستمر في العالم. فهذه المذبحة اليومية ليست قدرا. فوراء كل ضحية قاتل. فالنظام العالمي الآن ليس فقط قاتل بل عبثي أيضا... فموت ملاين الأفارقة سنويا يحدث في ظل نظرة عادية باردة بينما في كل يوم تتضاعف الثروات في العالم. ولكن سادة العالم يكرهون حقوق الإنسان. لان تحقق هذه الحقوق تحطم هذا العالم العبثي والقاتل الذي شيدوه ويعيد توزيع الثروة بشكل عادل ويشبع الحاجات الحيوية ويحميهم من الجوع."

وبث التلفزيون الفرنسي (القناة 2) يوم 18 ابريل، تقريرا من "هايتي" بالصوت والصورة، ليكشف عن حجم المأساة حيث بلغت درجة المجاعة بالسكان إلى أكل أرغفة من الصلصال "الطين" مخلوطة ببعض النباتات. فهي ارخص عشرة مرات من رغيف القمح!!

إن تدافع الآلاف من المواطنين في شوارع لندن وباريس وكاليفورنيا لإطفاء شعلة الألعاب الأولومبية اعتراضنا على سياسة الصين حيال المواطنين من "التبت" يشكل انتقائية جارحة. فالوعي العالمي لم يتحرك بعد ضد المجاعات والحروب وانتهاك حقوق الإنسان المنتشر كالوباء في بقاع المعمورة !

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك