الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > فيلم فتنة : حوار الحضارات المفقود... مصطفى نور الدين

فيلم فتنة : حوار الحضارات المفقود... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي - القاهرة - 2 ابريل 2008

الأربعاء 2 نيسان (أبريل) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

فيلم فتنة : حوار الحضارات المفقود... مصطفى نور الدين

فيلم "فتنة" عنيف لذكر آيات من القرآن ومصاحبتها بعمليات إرهابية في أمريكا وأسبانيا وبريطانيا. والأكثر عنفا هي خطب الدعاة المتشددين التي تنادي بقتل اليهود أو تبشر بأن الإسلام سيحكم العالم. ولا تكاد توجد جهة دولية رسمية لم تنتقد بث الفيلم على شبكة انترنيت.

ولكن السمة المغرضة للنائب الهولندي اليميني المتعصب، جيرت فيلدرز، الذي أعد الفيلم، تجسدت في طبيعة معالجته. فهو لا يتعرض في أي لحظة ولو بكلمة واحدة للأساس التاريخي في الصراع في البلدان التي بها خطاب عنيف. فلا كلمة عن المآسي في فلسطين أو العراق أو أفغانستان ... فقط التركيز على عنف الخطاب والممارسات الدموية أو الدعوة لها وكأنها من طبيعة البشر الذين يعتنقون تلك الديانة. ودون إظهار أدنى أنواع المعاناة لشعوب تلك البلدان من العدوان الخارجي وإهدار حقوقها.

وللأسف فإن الخطاب السياسي الذي يقدمه لمبشرين متشددين تسئ للإسلام بنفس قدر الإساءة التي يقدمها هو بقصد لأنه يعتمد عليها. فهو لم يطلب من ممثلين القيام بادوار ويتبنون هذا الخطاب وإنما استخدم مادة جاهزة.

وخير طريقة لإدراك سطحية الفيلم وفشل الإقناع برسالته هو قراءة محتواه فهذا وحده فيه ما يكفى لإظهار عدم قيمة تأثيره لأنه لم يستند لرأي علماء ومتخصصين بالإسلام لا من المسلمين ولا من المهتمين بشأن الحضارة العربية والإسلامية للمقارنة وللتفرقة في الخطاب السياسي بين المتشددين وما تؤمن به الغالبية من المواطنين.

فلا يستند الفيلم إلى معرفة تاريخية وارتباط آيات القرآن بوقائع تاريخية محددة. فهو يعمم الآيات لتصبح قاعدة مطلقة تتنافى مع كل تفسير تاريخي عقلاني لها. ويستشهد بالخطاب السياسي للجماعات المتشددة وكأنها المتحدث الرسمي باسم الإسلام. ويأخذ المشاهد العنيفة بشأن المرأة من المجتمعات الأكثر تصلبا.

يفتتح الفيلم بالآية 60 من سورة الأنفال: "واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.." يتلوه تفجيرات 11 سبتمبر والرعب المتولد منها. وبعد التفجيرات في أسبانيا تتوالى صور لمتشدد يقول "إن الله يسعد في كل مرة يموت الأعداء." ثم صور لجثث ضحايا الإرهاب في لندن ومدريد. يتلوها آيات عن عذاب الكفار في الآخرة وكلمات داعية يقول "بأن الحجارة ستدل المسلمين عن اليهود المتخفيين خلفها وتدعوهم لقطع رقابهم." ويخرج الداعية سيفا كبيرا زاعقا "والله لنقطعها .. الله واكبر .. الجهاد في سبيل الله النصر لنا".

ولبيان حجم الغباء في الدعائية مشهد سيدة لا نرى وجهها تتحدث بالعربية بلكنة مصرية مع طفلة. "السيدة: اسمك إيه ؟ الطفلة: باسم الله :"عندك كم سنة ؟ الطفلة : ثلاث سنين ونص.. السيدة : أنت مسلمة ؟ الطفلة : آه. السيدة :" أنت تعرفي اليهود ؟ الطفلة : آه. السيدة: اسم الله، أنت بتحبيهم ؟ الطفلة : لا. السيدة : لا. ما بتحبوهمش ليه.؟ عشان هم إيه ؟ الطفلة : قردة وخنازير. السيدة : عشان هم قردة وخنازير ؟ مين قال عليهم كدا ؟ الطفلة : ربنا. السيدة : قال عليهم فين ؟ الطفلة : في القرآن."

ويخطب داعية :"فاليهود هم اليهود. هؤلاء لازم أن يذبحوا" ويتبعه صور تدريب عسكري ولافتات كتب عليها :"انتظروا محرقة حقيقية" وأخرى "الله يحفظ هتلر". ثم اقتباس كلمات من الآية 4 من سورة محمد:"فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق".. ثم ما قاله محمد بويري، هولندي من أصل مغربي، قاتل المخرج الهولندي ثيو فان جوخ: "عندما اخرج من السجن سأقوم إذا سنحت لي الفرصة بمثل ما قمت به يوم 2 نوفمبر 2004". (وكان الاغتيال بسبب فيلم المخرج "الخضوع" الذي يشهر فيه بأوضاع النساء في المجتمعات الإسلامية وكتب على أجساد نساء عاريات آيات من القرآن). ثم أحد المتظاهرين يقول "إن ما حدث لتيو درسا للآخرين". ويتبعه شيخ في تلفزيون عراقي يقول عن مواجهة الاحتلال: "هذا قدر المحتل أن يقدم روحه ويقدم شبابه وتقطع رقابه وتقدم جماجمه. هذا طريق النصر". ثم يعرض مشهد فيديو لقطع رأس رهينة مباشرة وسماع صراخه وعرض الرأس مفصولة عن الجسد.

ثم العودة لاقتباس من سورة النساء الآية 89: "ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونوا سواء، فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا." ويتكلم شخص ليقول بأن "الإسلام دين مقدس وأنه أفضل الأديان. فإذا تحول شخص إلى المسيحية فهو يستحق عقوبة الإعدام." ويضيف داعية :"الإسلام أفضل من اليهودية والمسيحية والبوذية والهندوسية.. وأن الله لا يقبل إلا الإسلام قانونا."

ثم تعرض على الشاشة عناوين صحف :"الموت لسليمان رشدي" مؤلف رواية (آيات شيطانية) و"تهديد آيان حرصي علي بالموت". (وآيان صومالية الأصل وهي التي كتبت سيناريو فيلم "الخضوع".).

والغرض للمخرج هو التركيز على الجانب العنيف دون إكمال الآية المستشهد بها لإكمال المعنى. مثل اخذ جزء من آية 39 من سورة الأنفال :"وقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله"… ويتوقف الاقتباس دون أكمال الآية :"… فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير."

ويستشهد الفيلم بخطاب رجل دين إيراني :"الإسلام دين يسعى إلى حكم العالم، سبق له حكم العالم وسيحكمه عاجلا أم آجلا." ثم بعبارة للرئيس الإيراني احمدي النجاد :"رسالة الثورة أممية لا حدود لها لا في المكان ولا الزمان. فما الذي يريد الإسلام غزوه ؟ سيغزو كل قمم الجبال في العالم." ثم خطاب داعية عربي :"لقد حكمنا الدنيا في الماضي. وسوف يأتي اليوم، والله، الذي نحكم فيه كل الدنيا. سيأتي يوما نحكم فيه أمريكا ونحكم فيه بريطانيا ونحكم فيه كل العالم." ويقول آخر :"إن الله عز وجل أوجب علينا أن ننشر هذا الدين في الأرض كلها." وداعية آخر بالإنجليزية :"سوف تستولون على السلطة في الولايات المتحدة. سوف تستولون على السلطة في بريطانيا. سوف تستولون على السلطة في أوربا. سوف تهزموهم جميعا سوف تنتصرون. سوف تستولون على السلطة في مصر. توكلنا على الله". ثم لافتات "فلتذهب الحرية إلى الجحيم" و"الإسلام سيحكم العالم".

ويستشهد بأقوال شاب: "إذا كان لأختي علاقة جنسية بشخص فسوف أقتلها." ويضيف داعية :"هولندا تبيح الزنا واللواط وأنا لست مجبرا إن أمارس هذه الجرائم بالنسبة للإسلام". ويقول داعية : "عليهم أن يكفروا بالأحزاب العلمانية والليبرالية والديمقراطية والاشتراكية ونحو ذلك من الأفكار البشرية" ويقول آخر "إذا وقع الرجل في كبيرة الزنا والعياذ بالله بعد زواجه أو وقعت المرأة في كبيرة الزنا بعد زواجها فإنها ترجم حتى الموت".

وتحت عنوان "هولندا في المستقبل: يعرض الفيلم صورة لشباب معصب العينين وأطفال تلطخهم الدماء ورأس سيدة مفصول عن الجسد. وصورة لسيدة ينفذ بها ما يعتبرونه "حد الزنا" في أفغانستان بطلقة بندقية في الرأس في مشهد شهير نفذ في ملعب كرة.

ثم تتوالي عناوين صحف ومنها: "نحن لا نطالب بحق التعبير لأننا نرفض الديمقراطية والإسلام هو البديل الذي نقدمه".. "ارتفاع في جرائم الشرف في هولندا".. "غلق المدارس إبان الأعياد الاسلامية" .. "دروس الجهاد في المدارس الابتدائية".."رحلات مجانية لمكة في المدارس الإسلامية" .. "انقرة تريد أن تدرس اللغة التركية في مدارسنا".. . "محمد" قاتل ثيو فان جوخ يقول :"أتباعي على أهبة".. "تيو فان جوخ قتل بعد صدور فتوة".. "ما يقرب من نصف الأطفال المغاربة يناهضون الغرب" .. "المساجد تحت سيطرة أئمة متشددين".."كوموندوز انتحاري في هولندا" .."حماس تجتمع في روتردام".. "المغاربة يلقون رجل مثلي في النهر".. "الأئمة لا يحبون المثليين".. "الإمام يبيح العنف ضد المثليين".. "إلقاء شخص مثلي من قمة عمارة" .. "المسجد حول هولندا إلى دولة مسلمة".. "مازالت البنات يخضعن لقطع أعضائها الجنسية" .. "مسلمون يمنعون الأطباء من معالجة النساء". و"القاعدة تطالب بحكم إعدام جهادي ضد ويلدرز"..

ويختتم الفيلم بصوت تمزيق ورقة وكتابة أن ما تمزق هو صفحة من دليل التليفونات. ثم عبارات تتوالى على الشاشة : يقول المخرج: "ليس دوري أن أمزق الصفحات ولكن على المسلمين أن ينزعوا الصفحات المخجلة في القرآنن. المسلمون يريدون أن تعطوا الإسلام مكانة له ولكن الإسلام لا يسمح لكم بمكانة فيه. الحكومة تصر بأن عليكم أن تحترموا الإسلام ولكن الإسلام لا يحترمكم. الإسلام يريد أن يهيمن ويخضع، ويعمل على تحطيم حضارتنا الغربية. في 1945 هزمت النازية في أوربا وفي 1989 هزمت الشيوعية في أوربا والآن يجب هزم الإيديولوجية الإسلامية. فلنوقف الأسلمة. فلندافع عن حريتنا."

ويقول الفيلم "أن هولندا تعيش تحت سحر الإسلام. وأن المسجد هو جزأ من نظام الحكومة في هولندا. ويقدم إحصاء بعدد المسلمين من سنة 1909 وكان عددهم 54 شخصا ووصلوا إلى 944 ألفا عام 2004. وأن عددهم وصل في أوربا إلى 54 مليونا عام 2007."

وما يلزم الوعي به هو أن بالغرب جماعات لن تتوقف على خلق صراعات جانبية مع العرب والمسلمين لأنهم يدركون أنهم كلما تمادوا في الهجوم فان ردود الفعل العصبية تغذي مشروعا جديدا للهجوم لتصبح صورة هذا العالم أكثر تشوها. ويظل عدم الاكتراث لتلك الممارسات هو الرد الأمثال.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك