الصفحة الرئيسية > فرنسا في ظل نيكولا ساركوزي > المعارضة هزمت اليمين الفرنسي... مصطفى نور الدين

المعارضة هزمت اليمين الفرنسي... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) ١٩ مارس ٢٠٠٨

الأربعاء 19 آذار (مارس) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

المعارضة هزمت اليمين الفرنسي... مصطفى نور الدين

بعد "التحذير" و"الصفعة" و"العقاب" التي شكلت عناوين الصحف عقب الدورة الأولى للانتخابية المحلية في 9 مارس، لوصف التقدم الذي حققته المعارضة في مواجهة اليمين الحاكم أصبح الانتصار الساحق والهزيمة هي العناوين بعد الدورة الثانية في 16 مارس.

وكان الخوف من عدم الذهاب للإدلاء بالرأي داعيا للحذر وبرغم الانخفاض الكبير لعدد من ذهب من المواطنين للإدلاء بصوته جاءت النتيجة أعظم مما تصوره الكثير. وهذا التغيب لم يكن نتاج صفاء الجو وتفضيل قضاء راحة نهاية الأسبوع في التنزه تحت المطر بل كانت تعبيرا عن غضب عام من كل القوى السياسية. فلأول مرة منذ 1959 يصل الامتناع عن التصويت إلى 35 % من نسبة المنتخبين. أما الغضب فهو للتمزق الذي يمر به اليسار حتى الآن ولكن الأهم هو فقدان الثقة في إصلاحات الحكومة نظرا لما تمثله كلها من مضار حقيقية للمواطنين من متوسطي الدخل في حين تسن الحكومة كل القوانين التي يستفيد منها أصحاب الشركات الكبرى والطبقات الثرية. يضاف لذلك الأسلوب المثير الذي يسلك به رئيس الجمهورية على الصعيد الشخصي وكذا في طرحه برنامجه "الإصلاحي" بشكل استفزازي كقطيعة مع الماضي السياسي بعنف. ثم تأتي عواقب هذه السياسة منافية لما يريده المواطن بشكل مباشر لتحسين أوضاعه التي تزداد صعوبة كلما طبقت الحكومة سياساتها "الإصلاحية" على مستوى الصحة والمعاشات ومستوى المعيشة... !

يضاف لذلك مسألة هامة وهي أن التحالف داخل القوائم لا يعكس توجها سياسيا مشتركا وانما اتفاق على التضامن من اجل تحقيق الانتصار في مواجهة المعسكر المضاد. فمثلا في داخل قائمة في مدينة ما قد يجتمع الحزب الشيوعي والاشتراكي والخضر ويمين الوسط لإسقاط المنافسين في قائمة اليمين الحاكم. ولكن في مدينة أحرى لا يتم التوصل لاتفاق فتتنافس الأحزاب كل لحساب قائمته المعبرة عن لونه السياسي وأدت في الغالب لانتصار اليمين. فهذه الممارسات لم تعبر عن نسبة كبيرة ممن يختارون بدئا من خط سياسي واضح. وهو ما يفسر إلى حد ما هذه النسبة المرتفعة من الامتناع عن المشاركة.

وبرغم هذا استعاد اليسار ما كان قد فقده من مدن في انتخابات 2001. وكسب العديد من المدن الكبرى الهامة التي لم يسبق له طوال تاريخ الجمهورية الخامسة أن حكمها. أو بحسب محلل سياسي تحول الأمر من تحذير لليمين في الدورة الأولى إلى عقاب فهي هزيمة لليمين وفي بعض المدن اندحار له. فبعض المدن كانت في يد اليمين منذ أكثر من قرن ونصف.
وتمكن الحزب الشيوعي من الاحتفاظ بالمدن التي كان يسيطر عليها منذ عدة سنوات بالإضافة لثلاث مدن جديدة ليستحوذ في النهاية على 89 مدينة. وكان طموح الحزب الاشتراكي أن يكسب في 30 مدينة كبرى فتجاوزت حصته 50 مدينة يزيد عدد سكانها عن 30 ألف ساكن. فبشكل عام أصبح بيد اليسار 7 مدن من كل 10 مدن وهو ما يشكل ظاهرة فريدة. فاليسار يسيطر على 19 محافظة واليمين على 2 فقط وهو ما لم يحدث في تاريخ فرنسا سابقا.

وأي انتخابات هي سياسية بالضرورة لأن القوائم التي يدخل بها كل مرشح تمثل حزبه وفي الكثير من الحالات تحالف بين أحزاب سياسية. ولذا فان المعارضة والصحافة بكل توجهاتها ترى في النتيجة ضربة حاسمة لحزب الاتحاد من أجل حركة شعبية الحاكم. بينما حاول فرنسوا فنيون،رئيس الوزراء، التقليل من المعنى السياسي للهزيمة والقول :"بأنها ليست إلا انتخابات محلية ولا شأن لها بسياسة الحكومة التي ستواصل برنامجها "الإصلاحي".
ولعل الخاسر الأخر في هذه الانتخابات هو يمين الوسط إذ خسر في المعركة فرنسوا بايرو، زعيم هذا التيار نتيجة رفضه لتحديد اختيار سياسي واضح وقوله انه "لا يمين ولا يسار" ثم تحالف هنا مع هذا وهناك مع ذاك طبقا لبراجماتية أثبتت عدم التقائها مع المزاج السياسي الفرنسي. وعلى النقيض نجحت كل القوائم الانتحابية التي تحالفت بداخلها المنظمة الشيوعية الثورية سواء مع الاشتراكيين أو الخضر أو الشيوعيين.

وصرح فرنسوا هولاند، سكرتير الحزب الاشتراكي، بأن :"اليسار يحكم الآن في المدن الكبرى وغالبية المدن الهامة وان على اليمين أن يغير من سياسته التي وعد بها ونفذ نقيضها وان يطبق سياسات تهتم بالغالبية من المواطنين ورفع مستوى المعيشة. وكذا العودة عن سياساته المالية والضرائبية التي تدور كلها لصالح كبار أصحاب الشركات."

وتقول سوجلين رويال، مرشحة الحزب الاشتراكي للانتخابات الرئاسة سابقا، بأن الدرس والرسالة واضحة للرئيس ساركوزي كرد على سياسته غير الشعبية طوال الشهور الماضية. وأن على اليسار الآن ترجمة هذه الانتصار الانتخابات الرئاسية القادمة."

وما سيترتب على هذه الانتخابات متعدد الأبعاد. فبالنسبة لليمين وبعد خسارة بعض الوزراء وحجم انتصار اليسار قد يعاود الرئيس ساركوزي النظر في بعض سياسته إذا فك رموز الرسالة الواضحة التي وجهها له الشعب بعد 10 شهور من وصوله للسلطة. ويرى بعض المحللين احتمال إحداث تغيرات في الحكومة.
وعلى مستوى الحزب الاشتراكي جاء النجاح الكاسح لبعض قادته ليفتح معركة تولي رئاسة الحزب بعد انتهاء فترة فرنسوا هولاند. والمخاطر التي يتصورها الكثير تتمثل في الصراع القائم بالفعل والذي يمكن أن يشتد إذا حاول البعض الدخول في تنافس على زعامته مع سوجلين رويال التي أعلنت منذ شهور نيتها للترشيح لتولي القيادة.

ولكن المهم في هذا الانتصار يتجسد اللامركزية التي تتمتع بها المحافظات الفرنسية وهو ما يمنحها قدرا من الاستقلال عن السلطة المركزية. وهي بذلك فرصة لإدارة سياسات محلية ناجحة لاستعادة الثقة في اليسار.

والأهم في هذه الانتخابات أنها قد تترك أثاراها في إعادة تشكيل مجلس الشيوخ (343 شيخا) الذي يشكل سلطة عليا في النظام السياسي. فهو الذي يقبل أو يرفض قرارات البرلمان ويسهر على احترام الدستور ويقر الموازنة والقوانين ورئيس مجلس الشيوخ هو من يحل محل رئيس الجمهورية في حالة الضرورة المطلقة (مرض، موت..). ويتم اختيار الشيوخ من بين العمد مدن وقرى بانتخاب داخلي باعتبارهم "كبار منتخبين". ومدة العضوية 6 سنوات قابلة للتجديد. ويتم تجديد ثلث أعضاء مجلس الشيوخ كل ثلاث سنوات. وفي سبتمبر القادم سيكون أول تجديد وهو ما قد يفتح الباب لإحداث أول خطوة في تكوين مجلس شيوخ يرتفع فيه عدد المعارضين. فللحزب الشيوعي 23 مقعدا وللاشتراكي 97 ولليمين الحاكم 155 وباقي المقاعد لتوجهات أخرى.

قد يتأكد هذه التوجه بشكل نهائي بعد ثلاث سنوات بعد تجديد ثلث آخر من أعضاء مجلس الشيوخ. فإذا حدث ذلك يعني ازدواجية في السلطة حيث رئيس الدولة والبرلمان من اليمين ومجلس الشيوخ من اليسار. وهو احتمال غير مستحيل ويكون لحظة هامة قبل عام من انتخابات رئاسة الجمهورية عام 2012. ولكن تظل القضية الأساسية المطروحة أمام المعارضة بكل توجهاتها وهي قدرتها على التوصل إلى ابتكار بديل سياسي يلتقي مع مطالب الغالبية من المواطنين. فالانتصار اليوم ليس ورقة رابحة بدون هذا البديل.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك