الصفحة الرئيسية > فرنسا في ظل نيكولا ساركوزي > المحرقة النازية هدية مسمومة للأطفال والمجتمع... د. مصطفى نور الدين

المحرقة النازية هدية مسمومة للأطفال والمجتمع... د. مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) في 20 فبراير 2008

الأربعاء 20 شباط (فبراير) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

المحرقة النازية هدية مسمومة للأطفال والمجتمع... د. مصطفى نور الدين

تعيش فرنسا لحظات هامة لاقتراب الانتخابات على مستوى المحليات والتي ستحدد بشكل جاد موقف المواطنين من اليمين الذي انتصر في مايو الماضي. وباقتراب الانتخابات وفي ظل أزمة اليسار وبدايات أزمة في اليمين تتوالى على الساحة السياسية مزايدات تثير مشاكل حادة. وأهم هذه المشاكل القرار الذي اتخذه الرئيس نيكولا ساركوزي بشكل انفرادي بشأن "المحرقة النازية". إذ في كل عام يقوم المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية بفرنسا بتنظيم حفلة عشاء يحضرها رجال السياسة وعلى رأسهم رئيس الوزراء كضيف شرف. وفي يوم 13 فبراير الجاري تغير التقليد وكان الرئيس ضيف الشرف. والقي ساركوزي كلمة قال فيها "أنه سيطلب من الحكومة وخاصة من وزير التعليم، (اجزافيه داركو) بأنه مع بداية العام الدراسي 2008 سوف يقوم كل أطفال المرحلة الابتدائية (في سن العاشرة) بتبني أسماء الأطفال الفرنسيين الذين ماتوا بالمحرقة (البالغ عددهم 11 ألفا). وأن كل تلميذ عليه معرفة اسم طفل من الضحايا وحياته قبل موته."

ويقول الرئيس: "إننا لن نسبب اضطرابا نفسيا للأطفال بتقديم هدية لهم متجسدة في ذاكرة بلد." فالهدف هو عدم تكرار المأساة ومحاربة العنصرية ومعادة السامية والتعصب الديني والإرهاب.

وحيا ريشار براسكويه، رئيس الجالية اليهودية، تصريح الرئيس واعتبره وسيلة تربوية. وكذا حياه فرنسوا هولاند، سكرتير الحزب الاشتراكي.

ونتوقف عند بعض من عشرات ردود الأفعال التي مازالت تتوالى. ومن أهم المواقف موقف سيمون فاي، وزيرة الصحة سابقا والرئيسة الشرفية لجمعية الذاكرة التاريخية للمحرقة والتي كانت من بين أطفال فرنسا في معسكرات النازية.. إذ قالت، يوم 16 فبراير، لمجلة "لاكسبريس" :"إن الفكرة تجمد الدم في عروقي.. هذا أمر لا يمكن تصوره وغير محتمل وظالم.. لا يمكن أن نطلب من طفل في العاشرة من العمر أن يحمل أسم طفل مثله مات تحت اضطهاد النازيين ففي الفكرة شيء مرعب.. إن هذا حمل ثقيل عليه.. حتى نحن من كانوا بمعسكرات النازية كنا ومازلنا نتحاشى الكلام في هذا الأمر مع أطفالنا وأحفادنا… وأن الفكرة ستؤدي إلى إشعال المشاعر الدينية إذ ماذا سيكون موقف أسرة مسيحية أو مسلمة تمارس عبادتها بأن يحمل طفلها أسم طفل يهودي؟". ويجب التنويه أن سيمون فاي صديقة الرئيس ساركوزي وأوكل لها كتابة جديدة للدستور الفرنسي. ولها وزن سياسي هائل.

واتفق مع ذلك المفكر ريجس دوبريه بقوله "الفكرة في غير محلها وستفتح الباب لكل من عانى أجدادهم من العبودية أو الاستعمار بإحياء ذكراهم أيضا.. فماذا سيكون الموقف عندما يطلب السود والأرمن والغجر الذين قتلهم النازيون أيضا. وقال البعض الآخر ولما لا تقام نفس الدروس فيما يخص ضحايا حرب الجزائر التي ترفض فرنسا الاعتذار عن الجرائم التي ارتكبت أبانها وراح ضحيتها مليون جزائري أو لضحايا حرب فيتنام؟

وصرح فرنسوا بايرو، زعيم يمين الوسط، "بأننا في طريقنا للاصطدام الأكيد بين قيم فرنسا وبين ما يحمله ساركوزي من قيم". وقالت سوجلين رويال، مرشحة الحزب الاشتراكي سابقا لرئاسة الجمهورية، " لم يكن من واجب رئيس الجمهورية أن يصرح بشكل عفوي في موضوع بهذه الدرجة من الخطورة. فهذا الأسلوب يترجم عدم احترام واستخفاف مدهش من رئيس الدولة. فالواجب يفرض حيال الذاكرة التاريخية والجرائم ضد الإنسانية ألا تستخدم في المناورات السياسية."

وجاء الرفض إجماعي من الآباء وكل معلمي التاريخ والمؤرخين وعلماء علم النفس والمحللين النفسيين… فيقول المحلل النفسي جان لوي لوران " بأن تدريس المحرقة لأطفال في هذا السن سيخلق لديهم اضطرابا نفسيا وإحساسا بالذنب. فالمعلم سيفرض على الطفل أن يحمل أسما لو نساه سوف يشعر بالذنب وهي أيضا علاقة من طرف واحد. إن فكرة نقل الموت بالتطعيم فكرة سادية (نسبة إلى الماركيز دي ساد) وعنيفة. فالهدف من تدريس التاريخ ليس خلق المشاعر وإنما التربية للحيلولة دون عودة نفس المأساة."

وخصصت الصحف الكبرى صفحاتها الأول للموضوع. فكان العنوان الرئيس (المانشيت) في جريدة الحزب الشيوعي "لاهومانيتي" :العلمانية : لعبة الرئيس ساركوزي الخطيرة. وفي افتتاحية يوم 15 فبراير كتب موريس اوليرش تحت عنوان (درس في عالم الظلمات) يقول : "إلى أي عالم غريب يريد نيكولا ساركوزي أن يجرنا ؟ لا يمكن دعوة آلاف الأطفال للعيش مع الأشباح دون أن يخلف ذلك عواقبه"..

وفي جريدة "البارزيان" :"الذاكرة التاريخية تدخل المدرسة !" وجريدة "ليبراسيون" احتلت الصفحة الأولى كاملة عبارة : "أطفال المحرقة في المدرسة …البلبلة". وقال لوران جوفران رئيس التحرير، "إن منهج ساركوزي غير مفهوم. فلم يكن أحد على علم بقراره. ما تلك الأوامر التي تسقط علينا من أعلى. فكل من طلبنا أن يدلي برأيه في القضية يرى خطورة في المسألة سواء من المعلمين أو المتخصصين بعلم النفس أو المؤرخين. والجالية اليهودية منقسمة حولها"..

وفي حوار مع جريدة ليبراسيون يوم 16 فبراير، تقول "ايلين موشار-زاي"، مديرة مركز دراسات وثائق معسكرات اعتقال الحرب العالمية الثانية إن "الفكرة مفاجئة وصدمتني.. وأنه لا يمكن دراسة المحرقة منفصلة عن التاريخ كما لو كانت حادثة بين قوسين. فهي جزأ من عملية تاريخية طويلة. إن طفلا في العاشرة سوف يسحقه ثقل الذاكرة وسوف يحيا في عالم الأشباح.. وليس من حقنا أن نفرض عليه كل هذا التأنيب للنفس".

ونشر جان مارسيل بورجورو، رئيس تحرير مجلة "لنوفيل اوبسرفاتير" يقول :"إن ساركوزي مثل التلميذ الذي أراد تصحيح غلطة فانتهي جهده "بلطخة" حبر على الورقة". وكتب هنري روسو، مؤرخ متخصص في موضوع المحرقة، يوم 15 فبرار، تحت عنوان "الاتجار بالذاكرة" يقول إن "الضوضاء الإعلامية تقوم مرة أخرى بإحداث ضجة لا تحترم موتى التاريخ ولا تتركهم في راحة". وكتبت "انيت ليفي-فيرار"، في افتتاحية بعنوان "الصدمة الكهربائية" في جريدة ليبراسيون يوم 15 فبراير :"إن رئيس جمهورية انتخب ديمقراطيا لا يحق له شرعيا إعطاء درسا في التاريخ باستخدام جهاز إدارة عن بعد (روموت كنترول)." وقال المؤرخ المتخصص في الحرب العالمية الثانية جان بيير ازيما :"إن طرح الفكرة فضيحة.. وفرضها دون مناقشات على كل المستويات أمر لا يحتمل.. فالرئيس قال فكرة لا يعرف عنها شيئا. فالأطفال الذي ماتوا في معسكرات النازية وعددهم 11 ألف طفل كان اغلبهم من أباء أجانب وليسوا فرنسيين."

وطرحت الشك في فاعلية الفكرة كل الجمعيات الأهلية المدافعة عن حقوق الإنسان وتلك التي تناضل ضد العنصرية ومعادة السامية.

وما يثير الانتباه هو أن الرفض لا يأتي من الشارع فقط وإنما من النخب السياسية وبلغة شديدة الحدة ويثير زوبعة سياسية لن تتوقف. إذ نشر في مجلة "ماريان" السياسية الأسبوعية المستقلة، يوم 15 فبراير الجاري، بيانا تحت عنوان "من أجل يقظة جمهورية" ويقول :"نحن الموقعين أدناه ننتمي لتوجهات مختلفة تماما ولكل منا وجهات نظر متباينة كلية فيما يخص بعض المساءل وبرغم ذلك تجمعنا قناعات وقيم لابد أن نشدد عليها وهي : التمسك بمبدأ الجمهورية وبناء عليه رفضهم لكل انحراف ليحولها لسلطة فردية خالصة بيد ملكية منتخبة.. ويعلنون تعلقهم بجوهر علمانية متسامحة كضامن للسلم الاجتماعي.. وتعلقهم باستقلال الصحافة والتعددية في المعلومات.. وتمسكهم بالمفاهيم الأساسية التي وجهت طوال خمسين سنة سياسة فرنسية خارجية لائقة حريصة على الدفاع عن حقوق الشعوب وعلى الحفاظ على الاستقلال الوطني وبناء أوربا حقيقية لمواجهة تحديات القرن 21."

ووقع على النداء 17 شخصية من اليمين الديجولي ووسط اليمين واليسار والخضر ومنهم دومينيك دو فيلبان، رئيس الوزراء السابق ووزراء سابقون هم سوجلين رويال وفرنسوا بايرو وجان بيير شيفينمو وكورين لاباج بجانب أعضاء بالبرلمان وبمجلس الشيوخ وعمد مدن.

وجاء الرد من قبل فرنسو فيون، رئيس الوزراء، الذي صرح بأن نقد رئيس الجمهورية بهذه الدرجة سابقة في تاريخ فرنسا وأنها تكشف عن "مطاردة لرئيس الجمهورية" و"أنه عنف لا يصدق وتجاوز المعقول ولا يمكن قبوله.. وأن هدفه إفقاد الرئيس لتوازنه من قبل أشخاص لم يوفقوا في الانتخابات الماضية لرئاسة الجمهورية (يقصد كل من رويال وبايرو كمنافسين لساركوزي ).

وصرح "ايف جوجو"، المتحدث الرسمي لحزب اليمين الحاكم بأن هذا النداء "محاكمة ستالينية.. ومؤامرة سياسية – مالية.. وهدفها هدم الرئيس.. وإرهاب ثقافي".

وبافتراض أن هناك تصفية حساب سياسي بين بعض الموقعين على النداء إلا أن المشكلة كانت أكثر حدة عندما صرح جان لوي دوبريه (يمين ديجولي)، رئيس المجلس الدستوري في شبكة تلفزيونية أن "شغل وظيفة سلطة عليا (رئيس الدولة) تستدعي بعض اللياقة".. وانهالت على "دوبريه" الانتقادات من كل صوب إذ أن مكانته "تلزمه بعدم التدخل في شؤون السلطة التنفيذية" بحسب المستشار الخاص لرئيس الجمهورية.

وربط الكثير العلاقة بين قرار الرئيس بشأن المحرقة والانتخابات المقبلة في مارس وأنه لتعبئة أصوات الجالية اليهودية لحزب اليمين وخاصة في ظل خوف من أن يخسر في جو اجتماعي لا يكف عن الاعتراض والتظاهر دفاعا عن العمل أو الأجور وضد ما يسمى بالسياسات الإصلاحية. بجانب بوادر خلافات في داخل اليمين.

وكذا في ظل ما تظهره كل استطلاعات الرأي العام من انحدار كبير في شعبية الرئيس لعدم تحقيق أي إنجازات ايجابية للمواطنين بل على النقيض زيادة مصاعب الحياة الاجتماعية والاقتصادية. وكشفت الاستطلاعات عن عدم رضا 82% من العينة الممثلة للمواطنين عن الطريقة التي يظهر بها الرئيس حياته الخاصة أمام المجتمع ووسائل الإعلام والتي تعد سابقة في فرنسا إذ كان كل الرؤساء الآخرين يحافظون على حياتهم الخاصة في الظل.

وعقد من الأمر "الشائعات" التي تسربت في أوائل فبراير على موقع انترنيت لمجلة "لا نوفيل اوبسرفاتير". إذ نشر الموقع محتوى رسالة قصيرة (بالهاتف المحمول) ادعى أنها كانت من الرئيس إلى زوجته المطلقة سيسليا وأنه أرسلها لها قبل أسبوع من زواجه بكارلا بروني. وتقول الرسالة : "إذا عودتي ألغي كل شيء". فرفع الرئيس قضية ضد الموقع. والأخطر هو أنه لم يسبق من رئيس سابق أثناء تواجده في السلطة رفع قضية ضد وسيلة إعلام. علاوة على أن ساركوزي لم يرفع دعواه في محكمة عادية لتطبيق قانون الصحافة والإعلام بنشر خبر كاذب أو تشويه للسمعة ولكن قدمها أمام محكمة جنائية وهو ما قد يعرض الصحفي لجنحة من الممكن أن يحكم فيها عليه بالسجن 3 سنوات وغرامة 45 ألف يورو. والسؤال : وإذا أثبت الصحفي صحة "الشائعة" فماذا سيكون الموقف ؟

فغلطة الموقع لم تكن لتستحق في نظر الجميع، حتى من يدينون نشر الرسالة، بأن تكون القضية أمام محكمة الجنايات إذ أن العلاقة بين المتخاصمين لا تتوفر فيها الندية. فالرئيس يتمتع بحصانة تامة طوال ممارسته للسلطة. وبرغم أن الموقع أصر على عدم كشف مصدر معلوماته، وهو ما يحفظه له القانون، وقدم اعتذاره فمازلت القضية قائمة. ويعتبر رجال الصحافة أن لجوء الرئيس للقضاء الجنائي هو بمثابة "قنبلة نووية ضد حرية الصحافة والتعبير".

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك