الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > اليسار الفرنسي يلملم جراحه ... د. مصطفى نورالدين

اليسار الفرنسي يلملم جراحه ... د. مصطفى نورالدين

نشر في جريدة الأهالي الأسبوعية بالقاهرة في 6 فبراير 2008

الأربعاء 6 شباط (فبراير) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

اليسار الفرنسي يلملم جراحه... د. مصطفى نورالدين

تزايدت التساؤلات في معسكر المعارضة الفرنسية حول كيفية مواجهة الليبرالية الجديدة الحاكمة. وبدأت الصحف تتكلم عن المعارضة "الشبح". فاليد مطلقة لليمين والاحتجاج تقوم به النقابات العمالية والطلابية بينما الأحزاب صامتة. ولا شك أن انتصار اليمين خلق حالة من الشلل الذهني لأن الواقع الاجتماعي في حالة من الغليان منذ سنوات ولم يستطع اليسار توحيد صفوفه برغم الرياح المواتية لانتصاره.

ومحاولات إعادة بناء وحدة اليسار في فرنسا اليوم تتعرض لصعوبات عملية ونظرية. فالحزب الاشتراكي يصنف في معسكر اليسار برغم أن ما يطرحه كبرنامج وسلوك قادته يؤكدان أن المسألة أكثر تعقيدا. فالكثير من زعمائه التاريخيين لحقوا بمعسكر اليمين الليبرالي الحاكم.

ولذا فلن نعرض لما يطرحه لغياب برنامجه أساسا في اللحظة الراهنة ولبذل قادته طاقاتهم لتقديم خدماتهم لليمين عبر سلسلة من التقارير لإصلاح المجتمع كلها يغلب عليها الفكر الليبرالي وذلك بدلا من أن يقدموا تقاريرهم لحزبهم الأم. ومن هذه التقارير تقرير "فرنسا في قلب العولمة" الذي قدمه هيبير فيدرين، وزير الخارجية الاشتراكي السابق, وتقرير "إصلاح المؤسسات الحكومية" وقدمه جاك لانج، وزير الثقافة الاشتراكي السابق وتقرير عن "إصلاح التعليم" وترأسه ميشيل روكار، رئيس الوزراء الاشتراكي السابق. وأخيرا "تحرير النمو" وقدمه جاك اتالي، مستشار الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا ميتران. والذي قالت عنه سوجلين رويال، مرشحة الحزب في انتخابات الرئاسة لعام 2007 إنه "هدية لفرنسا" !

والحزب الاشتراكي فشل في ثلاث دورات انتخابية في العودة إلى الحكم. وكان التوجه الذي اختارته سوجلين رويال قاتلا إذ لم توسع تحالفها مع "يسار اليسار" أي الحزبين الشيوعي والمنظمة الشيوعية الثورية، بل مع يمين الوسط. فرويال اعترفت مؤخرا في كتابها الصادر منذ أسابيع :"أنتم (المواطنون) أجمل قصة حبي لي" بأنها كانت تنوي تعيين فرنسوا بايرو، زعيم يمين الوسط، رئيسا للوزراء لو كانت قد فازت.

ويضاف لذلك الحرب الضروس المتفجرة في الحزب إذ قررت سوجلين رويال التقدم لتولى قيادة الحزب بعد أن ظل نحو 10 سنوات في ظل قيادة فرنسوا هولاند، رفيق حياتها سابقا.. وتكاثرت السكاكين على "رويال" فوصفها ميشيل روكار بأنها لا تملك السمات لقيادة الحزب ولا أن تكون مرشحة لرئاسة الجمهورية عام 2012. وذات الكلمات قالها ليونيل جوسبان، رئيس الوزراء الاشتراكي سابقا ومرشح الرئاسة عام 2002، في كتاب له منذ عدة أسابيع.

في ظل هذا الظرف المتردي ومع غياب الحزب الشيوعي بعد تراجعه التاريخي في الانتخابات في أبريل الماضي سادت أزمة فكرية فريدة في فرنسا وتتجسد في الحوار الموسع بين المثقفين والسياسيين في عشرات المقالات والأبحاث والكتب التي تحاول رسم أفق جديد للحركة اليسارية لترد على المعطيات الراهنة في ظل العولمة المعممة السائدة.

فالموقف لا يعني السقوط في وهم نهاية الإيديولوجيات. فهي لحظة هيمنة إيديولوجية الليبرالية الجديدة في مواجهة غياب إيديولوجية جديدة من الضروري بلورتها برشاد كفكر تقدمي إنساني.

وقراءة الواقع اليوم واستشراف الغد ضروري فالرأسمالية الآن تختلف جذريا عن رأسمالية الربع قرن المنصرم. فالعولمة خلقت قواعدها على أسس جديدة منحتها حرية الحركة للتصدي للمواجهة الداخلية مع القوى الاجتماعية الرافضة.

تلك هي خلفية الوضع. فما الذي يطرحه اليسار كقضايا للتجديد لمواجهة أوضاع داخلية تزداد صعوبة للغالبية من المواطنين وأوضاع خارجية تجر فرنسا للحاق بمعسكر العدوان والحروب؟

في السطور التالية نخص التوجهات الحزبية على أن نحاول فيما بعد التطرق لوجهات نظر المفكرين الذين يناقشون منذ شهور ما الذي تعنيه اليوم المعارضة اليسارية وعلى أي أفكار يجب أن تستند.

الحزب الشيوعي إلى أين ؟

بشكل عيني، يضطر الحزب الشيوعي الفرنسي الآن لطرح التساؤل حول مستقبله. إذ بعد أن كان يحقق أكثر من 21% من أصوات المواطنين في انتخابات رئاسة الجمهورية في عام 1969 وفي 1981 حصل على 15% من الأصوات لم يحصل في أبريل 2007 إلا على اقل من 2 %.

وفي الاجتماع الاستثنائي للحزب، يومي 8 و 9 ديسمبر 2007، طرحت مجموعة من القضايا أهمها أزمته وأزمة اليسار عامة. ولحين انعقاد مؤتمر الحزب في ديسمبر القادم طرحت بعض القضايا كمحاور للتفكير في الخط السياسي المستقبلي في 7 وثائق حزبية هي مسودات لقضايا لتعميقها لبلورة برنامج الحزب من جديد.

فالوثيقة : "الرأسمالية في عصر العولمة هل يمكن تجاوزها؟" تركز على قلة تعرض الحزب لمسألة العولمة والقضايا الدولية. وعلى "ضرورة كشف ما تعنيه العولمة من تعميم الهيمنة رأس المال المالي على الصعيد العالمي وخاصة من قبل الهيئات الدولية ضد بلدان الجنوب التي يجب إلغاء ديونها. وأنه في ظل الرأسمالية المعولمة تم تحويل التعليم والصحة والثقافة إلي سلع. ولابد من لتركيز على أن الهجرة عامل مساعد في تطور المجتمع اقتصاديا وثقافيا. وأن هناك ضرورة للبرهنة على أن تجاوز الرأسمالية ممكن التحقق فمجتمعات اقل تقدما اقتصاديا من فرنسا تثبت ذلك مثلما هو الحال في أمريكا اللاتينية: في فنزويلا ونيكارجوا.."

وفي وثيقة " ما نمط التنمية وما الثورة البيئية الضرورية لإشباع الحاجات الإنسانية؟" يتم التشديد على حتمية تغيير نمط التنمية الاقتصادية للحفاظ على البيئة التي تخربها الرأسمالية... إذ أن أزمة البيئة تشكك في إمكانية توصل البشرية إلى التقدم الاجتماعي.. وكذا الاستغلال غير الرشيد للموارد الطبيعية يعمق من تلك المخاطر خاصة فيما يتعلق بالبترول والمياه وما يدور حولهما من صراع... وهذا يستلزم نمط مختلف من التنمية يستبعد هيمنة فكرة "الإنتاجية العمياء" وأن تكون تنمية مرتبطة بحق إشباع الحاجات الاجتماعية لكل البشرية. واستلزام ذلك لإعادة فحص فكرة النمو ومعايير قياسها. وأن يكون المعيار الحقيقي هو معيار إشباع الحاجات الاجتماعية والبيئية. وهو ما يستدعي معاودة التفكير في قضية المجال الحضري والتعمير والعمران. وإجبار من يلوث البيئة على دفع غرامات تذهب حصيلتها لإحداث ثورة بيئية.

وتركز مسودة "أي قواعد اجتماعية للتحول..؟" على ضرورة مواجهة السياسة الميكافيلية لأصحاب العمل بمعالجة القضايا الجماعية بشكل فردي بالتركيز على شعارات "أعمل أكثر تكسب أكثر" و"منح علاوات طبقا للاستحقاق الفردي" و"ملكية السكن للجميع".. فكل هذه السياسات القديمة - الجديدة تسعى لتحطيم المصالح المشتركة للعاملين وزرع النوازع الفردية..." وتقيم الوثيقة العلاقة بين انفراط الطبقة العاملة عن الحزب ومحاولة إيجاد الحلول الشخصية والفردية كنتيجة لغياب العمل المباشر والالتصاق مع العاملين والمهمشين الذين يعيشون في أوضاع صعبة. إذ أن فقدانهم للأمل في السياسة يدفعهم للتصرف بشكل انفرادي. ولذا فمهام اليسار هو التخاطب معهم بلغة مفهومة والاقتراب منهم لحمايتهم من اختيار تلك الحلول الفردية المؤقتة. ويلزم أيضا إعادة النظر في المصطلحات مثل: "الطبقات الاجتماعية" و"الوعي الطبقي" ليس فقط على الصعيد الفرنسي وإنما العالمي. وأن للنقابات المهنية دور كبير في الإسهام في عملية التوعية وقيادة الصراع.

وتؤكد مسودة "أي دور للمشروع ؟ ما مفهوم التغيير؟" على أن الإيديولوجية التي يتبناها الحزب هي الشيوعية التي يجب الدفاع عنها لأن لا التاريخ انتهى ولا الفكرة فقدت معناها. وأن متناقضات الرأسمالية الراهنة من استغلال للإنسان والطبيعة وانعدام العدالة وانعدام المساواة وهيمنة رأس المال على السلطة والحروب واستعباد الجسد والعقل... كل ذلك ماثل ويقرب إمكانية تجاوز هذا النظام غير المحتمل. وأن ذلك ممكن بمواجهة الرأسمالية بصرامة ووضوح لإعادة توزيع الثروة والمعرفة والسلطة. فالهدف أن يتضح من المشروع أنه يحقق تطور كل مواطن و مجانية التعليم والصحة والثقافة والمسكن والمواصلات والملكية العامة لوسائل الإنتاج.

نحو تشييد حزب جديد ضد الليبرالية

أما الجديد الأخر فتمثل فيما قررته المنظمة الشيوعية الثورية، في 27 يناير الماضي، بتشكيل حزب جديد"مناهض للرأسمالية" مع نهاية العام. وللتذكير حصل اوليفيه بيزانسونو، مرشح المنظمة لرئاسة الجمهورية في الانتخابات الماضية على نحو 4% من الأصوات وشكل ذلك طفرة في تاريخ المنظمة السياسي إذ أصبحت الحزب اليساري الأول.

وبحسب "بيزانسونو" تلك الخطوة ستسمح بخلق حزب جديد له تاريخ آخر غير تاريخ المنظمة "التروتسكية" التي سوف تحل نفسها. ويهدف الحزب الموسع لجذب اليساريين من الأحزاب الأخرى مثل الحزب الاشتراكي والشيوعي والخضر والذين لم تعد تلك الأحزاب معبرة عن توجهاتهم وأن يجمع حوله تيارات مناهضة الليبرالية. والحزب الجديد سيكون معارضا للتحالف مع الحزب الاشتراكي ويوسع تحالفه مع التوجهات السياسية التي لها ذات الخط الاستراتيجي. وسيهتم بتعبئة الشباب والعمال وسكان الضواحي والأحياء الفقيرة.

فهو بحسب وثيقة نداء من أجل حزب جديد، بتاريخ 26 يناير الماضي، "حزب للتحضير لتغيير جذري وتحقيق ثورة للمجتمع : أي نهاية الرأسمالية والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الأساسية ونهاية نهب العالم وتخريب الطبيعة.. والهدف هو التوصل لمجتمع الإشباع الذاتي للحاجات الاجتماعية والتخلص من كل إشكال الاستغلال والقهر الطبقي بسبب الجنس أو السن أو الأصل. مجتمع لا تقف فيه الديمقراطية عند حد التصويت في الانتخابات وتصبح مشاركة الجميع في اتخاذ القرار... حزب يمثل العمال والذين يطالبون بعالم مختلف وللحركة النسائية وللمناهضين للعنصرية وضد نهب بلدان الجنوب وضد منطق الحروب الذي تتبناه فرنسا والاتحاد الأوربي والولايات المتحدة... حزب ديمقراطي يسمح غدا للمواطنين لإدارة الشئون الاجتماعية والاقتصادية بقطيعة مع الرأسمالية.. حزب يبتدع اشتراكية القرن 21."

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك