الصفحة الرئيسية > فرنسا من الداخل > الموت حسب الطلب... مصطفى نورالدين

الموت حسب الطلب... مصطفى نورالدين

نشر بجريدة التجمع .. القاهرة .. 2005

2005, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الموت حسب الطلب... مصطفى نورالدين

موضوع الموت في الغرب يمر بمراحل تتزايد فيها سرعة التعجيل به باعتباره حق للمريض كسيد على جسده وله حرية حق القرار بان يعيش أو أن يترك مكانه في المجتمع عندما يشاء.

وتدور في المجتمع الفرنسي حوارات هامة حول موضوع "الموت الرحيم". إذ تقدم العديد من النواب إلى البرلمان بمشروعين لإصدار قانون جديد يسمح للطبيب بإعطاء الموت للحالات المرضية التي لا أمل فيها أو لتحاشي آلام قاسية.

وللتوصل لصيغة القانون تكونت خمس لجان متخصصة قامت بحوارات مع 81 شخصية في كل مجالات المعرفة من الطب والفلسفة إلى علم الاجتماع والانثروبولجيا والتاريخ والقضاء ومع ممثلي الأديان"اليهودية والمسيحية بكنائسها المتعددة والإسلام". وبعد 8 شهور من الحوارت المغلقة صدر تقرير يلخص وجهات النظر المختلفة في نحو 400 صفحة وتقرير آخر في نحو ألف صفحة به محاضر الجلسات التي عقدت مع كل الشخصيات.

ودارت الحوارات حول أسئلة شديدة التحديد والتعقيد لكي يبلور كل من المتخصصين موقفه الفلسفي أو الديني أو الأخلاقي أو الطبي من ما يمسى "نهاية العمر" و"الأمراض الميئوس منها" و"العلاج المكثف أو المركز"... إلى آخر الحالات الأخرى المضاهية والتي تمس الكبار أو الصغار سواء نتيجة حوادث أو أمراض مستعصية أو ميلاد أطفال قبل بلوغ الحمل تسعة اشهر وما ينجم عنه من إنجاب أطفال غير مكتملي النمو و ضرورة وضعهم في حضانات لفترات طويلة.

والسؤال الأساسي يتمثل فيما يخص هذه الأوضاع انه تأتي لحظة معينة تتكون لدى الأطباء قناعة بان مواصلة العلاج لن يؤدي إلى نتيجة وان المريض يتعرض لآلم لا تطاق وانه من الأفضل الكف عن العلاج وترك الموت يلعب دوره. وموقف آخر يدعو إلي التدخل الفعلي للطبيب لإيقاف الحياة عندما لا يكون هناك أمل بشرط أن يطلب المريض ذلك إذا كان في حالة وعي أو أهله إذا كان فاقد للوعي أو طفل.

Euthanasia
والكلمة اليونانية اوتاناسيا تعنى الموت الجميل أو الرحيم. وأول من استخدم الكلمة في هذا الشأن هو فرنسيس بيكون الفيلسوف الإنجليزي وذلك في عام 1605 وعنى بها أن على الطبيب "مصاحبة روح" المريض لتسهيل لحظاته الأخيرة. ولكن الكلمة أخذت معنى مختلفا في القرن التاسع عشر إذ أصبحت "القيام بقتل شخص آخر يعان من آلام مبرحة أو معوق سواء كان الفاعل طبيب أو احد أقارب المريض".

واختلفت المواقف في الأديان مع الذين يطالبون بتعميم "الموت الرحيم". فالديانة اليهودية لا تعطي الحق لمجرد لمس شخص في النزع الأخير لان ذلك قد يعجل بالموت وقد يؤخره. ولا تعطي اليهودية حق للطبيب في إيقاف العلاج ولكن تقبل آلا يبدؤه إذا لم يكن له نتيجة أكيدة. ويتفق مع هذه النقطة بعض كنائس الديانة المسيحية مثل موقف البابا جان بول الثاني. في حين ترى كل من البروتستانت وكنائس "جيش الخلاص" و"اللوثيرية" و "الكاثوليكية الرومانية" و"كنيسة انجلترا" انه من الممكن إيقاف العلاج غير المجدي. وتتفق مع إيقاف العلاج اللجنة الإسلامية الأوربية. وكذا فيما يخص الديانة البوذية أما في الهندوسية فهناك اتفاق واختلاف بشأن المسألة.

ومن الضروري النظر لماذا تشغل هذه المشكلة المجتمع الفرنسي. فالأسباب الأساسية يمكن تلخيص أهمها في الآتي:

1- أن النظافة والحالة الغذائية المتوازنة وتقدم الطب والعناية الصحية عوامل أدت إلى ارتفاع متوسط العمر إلى نحو 76 سنة للرجال و82 سنة للنساء.. ففي فرنسا ما يزيد عن مليون شخص تجاوز عمرهم 85 سنة من عدد سكان يبلغ 60 مليون. فأصبح طول العمر مشكلة بعد أن كان هدف..

2 - أدى تطور المجتمع الصناعي إلى تحول الريف إلي قرى خاوية تقريبا من السكان وتحطم الروابط الأسرية والهجرة نحو المدن الكبرى حيث تتركز المهن العصرية وفرص العمل.

3 - أن الموت لم يعد ظاهرة أسرية ففي عام 1962 كانت نسبة من يموت في المستشفيات 33% من إجمالي الوفيات وارتفعت هذه النسبة في الوقت الراهن إلى 75% بل إلى 80% في المناطق الحضرية والى 90% في باريس وضواحيها.

4 – أدى تطور الطب للتغلب على مشكلة العقم إلى سياسة تخصيب النساء صناعيا بطرق عديدة مما جلب تزايد نسبة الأطفال ذوي الوزن المنخفض والذين يولدون بعد فترة حمل ما بين 22 و 25 أسبوعا وتزايد نسبة الوفاة بينهم لتصل نسبة من يظل حيا 35% فقط. وذلك بعد بقائهم في الحضانات والعلاج المكثف لفترات طويلة.

هذه العوامل تبلور المشاكل الأساسية وراء البحث عن حل.

إلى جانب أبعاد أخرى تم التعرض لها بالتفصيل:

المسائلة الأولى: كل هؤلاء الموتى تتحمل الدولة وحدها مسئوليتهم المادية وهو عبئ هائل اقتصاديا نظرا للأجهزة المتطورة اللازمة لعلاجهم أو الحفاظ على حياتهم وكذا للنفقات الباهظة للإقامة في الوحدات العلاجية. وبرغم ذلك فهناك نقص هائل في الوحدات العلاجية الخاصة المسماة "وحدات تخفيف الألم" إذ يبلغ عدد الأسرة بها ألف سرير في حين يلزم 2000 سريرا ضافية. فالمتوسط المطلوب هو 50 سرير لكل مليون مواطن. وهذه الوحدات مهمتها وصل المرضى بأجهزة حديثة لتخفيف الألم حتى الوفاة.

المسألة الثانية: تتبلور فيما يدعوه من يطالب "بإعطاء الموت لمن يريد" بمشكلة "الكرامة" الإنسانية. فمع بلوغ الألم لحد لا يطاق تصبح المعاناة من وجهة نظرهم " مهينة للإنسان". ومن ناحية أخرى اعتماد المريض وتبعيته للآخرين وتحوله في حالات كثيرة إلى مجرد جسد لا حركة فيه والقيام بإطعامه أو تركيب أجهزة طبية للحفاظ على حياته والاهتمام بنظافة جسده تعتبر أيضا من وجهة نظرهم " متناقضة مع عزة الإنسان" ولذا فالموت أفضل من البقاء في هذه الأوضاع.

المسألة الثالثة قناعة الطب المتطور في قدرته على معرفة استحالة الشفاء ومعرفة مرحلة تحول الكائن من (إنسان إلى مجرد "وجود لا إنساني").

المسائلة الرابعة: الإمكانيات العلمية والطبية لحفظ بعض وظائف الجسد في العمل لشهور بل لسنوات دون أن يعود الشخص إلى حالته الطبيعية ودون أن يموت. وهناك أمثلة على ذلك منها لاعب كرة قدم عالمي يعيش في غيبوبة كاملة منذ 21 سنة بشكل صناعي.

ولذا فلدي الأطباء القناعة أن هناك لحظة يمكن أن يعتبر فيها الأمل منتهيا ولكن الاستمرارية الميكانيكية للجسد ممكنة. وهنا يحتاج الأمر لاتخاذ قرار.

فما الذي على الطبيب أن يفعله في هذه المواقف ؟ إذا أوقف العلاج في أي صورة من صوره فهو يتناقض مع "تشريعات مهنة الطب" التي تلزمه بمواصلة العلاج حتى النهاية أي الشفاء أو الموت بشكل طبيعي إذا فشل العلاج.

وهذا الموقف من الموت له خلفية تاريخية مترابطة. فمن يطالبون به اليوم للمريض يستندون لموقف التشريع الفرنسي بشأن "الإجهاض الإرادي" والذي كان محرما حتى أوائل السبعينات من القرن الماضي ثم تلاه قانون "الإجهاض الطبي" لمعوقات الجنين والتي لا تحده فترة زمنية.

ولقد بدأ ذلك قانونيا منذ 1974 مع قانون حق" الإجهاض الإرادي" وعدم المحاسبة قضائيا لا للسيدات ولا الطبيب. بل وتتحمل الدولة عبر التأمين الصحي نفقة العملية والإقامة الضرورية في عيادة الولادة وكأنها نوع من العلاج. كان ذلك تتويجا لشعارات الحركة النسائية بعد حركة 1968: " طفل عندما أريد" و "أحشاؤنا ملكا لنا"... وتطور القانون في العام الماضي لتمتد مدة حق الإجهاض الإرادي إلى 12 أسبوعا بعد الحمل إلى جانب السماح للطفلة البالغة 16 سنة لطلب عملية إجهاض دون الحصول على موافقة الآباء.

وكان هذا مستو آخر من علاقة الإنسان بحقه على جسده تطورت من موقف النساء من اعتبارها الحمل استخدام للجسد للإنجاب مشروط برغبتها فيه وحقها بالتالي في إيقاف الحمل إذا كان ذلك نتيجة سهو منها في تناول وسيلة لمنع الحمل أو نتيجة خطاء أو عدم خبرة لصغر السن أو غير ذلك من الأسباب الأخرى كالاغتصاب. فالإجهاض يعنيها أساسا ويأتي الجنين في المرتبة الثانية.

حدث تطور آخر منذ ربع قرن مع تطور أجهزة تصوير الجنين والتحاليل الأخرى التي تكشف عن عاهات وبدأ التشريع يسمح بحق طلب الإجهاض لو كانت درجة العاهة أو المرض الذي يعان منه الجنين لا علاج له بعد الميلاد وهو ما يدعوه القانون عاهة "متناقضة أو لا تتفق مع الحياة". ويسمح التشريع الفرنسي بهذا "الإيقاف الطبي للحمل" حتى عشية الميلاد. فطالما كان الطفل في أحشاء الأم يمكن التدخل لإسقاطه. وبعد الولادة يعتبر جريمة. وبالتأكيد أدى ذلك لكثير من التجاوزات إذ أصبح من المعروف أن الفرنسيين والغربيين بشكل عام يحلمون "بالطفل المثالي" خاصة وان الأسرة لا تنجب إلا طفل أو اثنين في المتوسط. وهناك من يطلب حق الإجهاض الطبي لمجرد أن للطفل أربع أصابع أو ستة !

الموت حسب الطلب

تبنى مجلس الأمة الفرنسي بالإجماع في أخر نوفمبر الماضي مشروع قانون لا يقر فيه بالموت الرحيم بتدخل من الطبيب ولكن فقط بحق الطبيب إيقاف العلاج غير المجدي بشروط، أي "الموت الرحيم بدون تدخل".

وسيعرض القانون الجديد في أوائل العام المقبل على مجلس الشيوخ لبحثه والبت مدى اتفاقه مع الدستور. فالقانون يقر بحق المريض تفضيل الرحيل عن عالم الأحياء عن معايشة الألم والعجز والأمراض العضال التي لا أمل من شفائها وعن حق الطبيب بناء على ذلك إيقاف كل أنواع العلاج بما في ذلك التغذية الصناعية حتى ولو كان ذلك يعجل بالموت أو يسببه. وان على الطبيب إعلام المريض بالعواقب المترتبة على القرار الذي اتخذه فإذا أصر فلا يتعرض الطبيب للمحاسبة الجنائية.

وفي هذه الحال يقوم الطبيب بالاكتفاء بإعطائه مسكنات لتحمل الآلام. نتيجتها الممكنة بل والأكيدة الوفاة السريعة.

والقانون يميز بين حالة المريض الذي قرر أن يُترك للموت وهو في كامل وعيه أو كتب في ذلك وصية يرجع تاريخها إلى ثلاث سنوات قبل فقدان الوعي ويلتزم الطبيب بتنفيذها. وفي حالة عدم وجود وصية لشخص فقد الوعي فالعودة تكون لأفراد الأسرة أو المقربين أو شخص له مكانة ثقة لدي المريض فهم من يقررون إيقاف العلاج أم لا.

وفي حالة المريض فاقد الوعي والذي ليس له احد يقرر بشأنه يكون القرار بيد لجنة من الأطباء دون التعرض للمحاسبة قانونيا إذا أقرت إيقاف العلاج.

ولعل اخطر بند في القانون الجديد يتمثل إيقاف كل أنواع العلاج مع ما سيؤدي إليه من الإسراع بالوفاة وذلك للمريض الذي يعان من الآلام فقط وحالته ميئوس منها ولكنه ليس "في نهاية العمر" أي ليس مسنا. وهذا ما يمكن تسميته بالمساعدة في الانتحار بشكل غير مباشر.

ويعطي القانون صلاحية جديدة للطبيب تتمثل في مطالبته بعدم البدء في علاج "لا عقلاني" عندما تكون لديه القناعة انه لا فائدة ترجى من البدء فيه. إذ المشكلة في حالة بدأ علاج ما تتعقد لأنه لا يملك صلاحية إيقاف العلاج وآلا تعرض للمحاسبة الجنائية.

إذن يقر التشريع الفرنسي حق المواطن في طلب الموت بشكل مباشر ولكن بدون تدخل من الطبيب في إعطاء الموت بمادة مخدرة أو مسكنة للقتل بشكل مباشر مثلما هو الحال في بعض البلاد الأخرى.

ولكن ذلك لا يعني انتهاء النقاش إذ يستند المدافعون عن "الموت الرحيم" على حجة أن الانتحار لا يعاقب عليه القانون منذ الثورة الفرنسية. وان مساعدة الطبيب للمريض على موت يريده ولكن لا يتمتع بشجاعة للقيام به أو يعجز عن ذلك جسديا يعتبر موقفا إنسانيا. لأنه سيتم بوسائل دوائية كجرعات من المورفين أو غيره من المسكنات تعجل بالموت ولا تضطر المريض لاستخدام الوسائل العنيفة إذا كانت لديه الشجاعة أو القدرة.

فالانتحار يحتل الموقع الثاني لأسباب الوفاة في فرنسا ويسبقه الموت في حوادث الطريق. ففي عام 1999 تجاوز عدد الموتى انتحارا عشرة آلاف أي نحو 2% من إجمالي الوفيات الذي تجاوز 537 ألفا.

يستند دعاة الموت الرحيم إلى حجة انه منذ التسعينات من القرن الماضي قامت دول عديدة بسن القوانين لتعطي الحق للمريض في طلب الموت بمساعدة طبية وعدم محاسبة الطبيب قضائيا كقاتل. بل يحق الطبيب بالقيام بذلك رأفة بالمريض.

فبمقارنة الأوضاع في 6 بلدان أوروبية هي: الدنمرك وبلجيكا وأسبانيا (وهي دول سنت قوانين بهذا الشأن) والمانيا وسويسرا وبريطانيا ( القرار فيها خاضع للوائح الداخلية لمهنة الطب) نجدها جميع تقر حق المريض في رفض العلاج حتى لو كان ذلك يؤدي للوفاة. وتعطى لإرادة المريض الأولوية المطلقة في هذه المواقف ولكن هذا الرفض يخص الذين على شفى حافة الموت فقط في كل من المانيا والدنمرك وسويسرا, ويلزم تحديد أن رفض العلاج يعني إما إيقاف العلاج الذي بدأ بالفعل أو عدم البدء فيه.

ويتميز خطاب إتباع "الموت الرحيم" بتلاعب على بالمفاهيم التي تغذي القناعة الغربية مثل " حق الفرد في امتلاك جسده وحرية التصرف فيه" وان الموت الرحيم "يمنح الفرد حقا جديدا" و هذا القانون سيشكل إقامة "عدالة بين الأفراد" إذ هناك من يستطيعون الانتحار وآخرون لا يتمكنون من ذلك وبمساعدة الأطباء لهم في موت يصلون لنفس الحق وتنتهي بذلك "التفرقة العنصرية". فهو قانون سيحقق للإنسان "موت يحفظ كرامته" وهو قانون لتحقيق "عدالة أمام الموت".

يتناسى أتباع الموت الرحيم أنهم بذلك يطالبون في مجتمع أنهى عقوبة الإعدام للقتلة بأن يتحول الطبيب إلى "عشماوي" جديد يوقع الإعدام على المرضى.

يتناسى إتباع "الموت الرحيم" المباشر بتدخل الطبيب أو غيره أن القانون الفرنسي يحكم "بالإشغال المؤبدة على الشخص الذي يتسبب في موت شخص ضعيف لكبر سنه أو لكونه مريض أو معوق جسديا أو عقليا اوعلى سيدة حامل وان القاتل لديه معرفة بهذه الصفات في الضحية".

يتناسون أيضا أن اتفاقية حقوق الإنسان الأوربية أقرت في لائحتها الموقعة عام 2003 على "حياة كل إنسان يحميها القانون. وانه لا يحق إيقاع الموت على شخص ما بشكل مقصود إلا إذا كان نتيجة حكم محكمة. ويعاقب بالقانون كل من يخالف ذلك."

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك