الصفحة الرئيسية > على الهامش.. دراسات ومقالات للتحميل > هشام قاسم ومأساة الوعي المخادع.. مصطفى نور الدين

هشام قاسم ومأساة الوعي المخادع.. مصطفى نور الدين

الثلاثاء 15 كانون الثاني (يناير) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

هشام قاسم ومأساة الوعي المخادع.. مصطفى نور الدين

لا أعرف هشام قاسم ولا ثأر بيني وبينه. ولأن بعض الصحف والإعلام تمنحه دور المخلص للشعب المصري أو الضحية فيحق التساؤل عن هذه الظاهرة الجديدة التي تهبط على مصر بأنبياء يحاولون نشر رؤية للعالم عبر نظرتهم المضللة. والكلمة أقل ما يمكن قوله للبقاء في حدود احترام حق التعبير والاختلاف.

إن ما يطرحه قاسم منذ نيله جائزة الديمقراطية الأمريكية، في 18 سبتمبر الماضي، يدخل في دائرة "تدجين الإنسان" باقتباس مصطلح للفيلسوف الألماني بيتر سلوتيردجيك. فأولا تحليله للواقع المصري كما ينقله للرئيس بوش يضعه في شكل معادلة حتمية "الأخوان" هم الحل. وأن الليبراليين كبديل لا وزن لهم لأنهم محاصرون من الدولة. أي صيغة لنهاية التاريخ حلها لن يأت من صراع داخلي كجوهر وأن التاريخ حركة مفتوحة ولكن الثورة أو الثورة المضادة تتحقق بتدخل أمريكي لكي تجبر نظام أفلس ولا أمل في شبابه غير الإصلاحي بحكم العشرة للمفلسين.

ولو تجاوزنا هذا التحليل باعتباره مغالطة لواقع يغلي بصراع اجتماعي فعلي يتجاوز الأخوان وغيرهم وبصراعات أخرى ممكنة وبالتعرض لفكرة الجائزة فإن الأمر هنا هو الأخطر.

أن ينال أحد المصريين جائزة يفرح ولكن نيل هذه الجائزة بالذات يحزن. برغم أنه ليس هناك ما يدعو للحزن لأن هشام قاسم ليس زعيما وطنيا تهتف الآلاف باسمه في المظاهرات وسقط من عيونهم. الحزن ناجم من أنه يقدم نفسه أو يقدمه البعض عبر المعادلة التي ترى في شخصه كل صاحب فكر مستقل أي هذا التماهي أو عدم التفرقة بينه كفرد وبين من يقاومون وكأن نموذجه السياسي والاقتصادي هو التعبير عن اللاوعي الشعبي المغدور.

والحزن أيضا من النظر لجائزة الكونجرس وكأنها "جائزة كان" أو "نوبل" وليس بالاحرى جائزة تنزع عن صاحبها كل قيمة سياسية يدعيها.

فمن منح الجائزة لتكون شرفا للمناضلين بمصر أو اعتبارها كذلك؟ وما الولايات المتحدة التي يمكن أن يعتد مفكر شريف بنيل جائزة من كونجرسها ؟ وما بوش كسياسي يمكن الفخر بلقاؤه لخمسين دقيقة؟

تلك هي المسألة وهذا هو السؤال. ما التاريخ الناصع لهذا البلد الكبير حيال قضايا الشرق الأوسط ليعتبر شرفا أن يعترف بنضال سياسي مصري؟ فالأفراد الذين يدعون بحرية التعبير ويسعدون بدخول أسمهم في سجل الكونجرس الأمريكي، هل يرون في هذا السجل نفسه أسماء آلاف القتلى من الفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين والأفغان ناهيك عن آلاف من ضحايا الانقلابات في أرجاء العالم ومساعدة كل النظم الدكتاتورية ؟

هذا التساؤل لا يمكن إلا أن يتطرق للذهن. المثقفون ليسوا بدول وبالتالي ليسوا في علاقات استراتيجية حتمية مع نظم معادية لشعوبها للتوصل لحلول لها. برغم أنه لا توجد حتمية لهذه العلاقات التي لم تسفر يوما عما يمكن ذكره في التاريخ ليدعم تلك الفكرة. فالعالم واسع والتحالف يمكن أن يبنى لمواجهة تحالف أحادي في شكل الخضوع لقاء حفنة دولارات مساعدة. ولذا فاستقلالية المثقف هي التي تمنحه شرف حمل تلك الكلمة.

إن التحليل الذي يقدمه قاسم للرئيس الأمريكي "مخادع". تحليل مخادع للمواطنين. لأن الحديث يتطرق لمسألة الأخوان المسلمين وحماس، وربما لحزب الله، دون أن ينير قاسم بوش برؤية ثاقبة "لمفكر حر" أمام "رئيس حر" في إطار علاقة بين ليبراليين أحدهما يمنح جائزة لصنو له. فهو لم يفسر لبوش أن المد الديني ليس فقط نتاج قهر المعارضة الداخلية بكل فصائلها في الدول العربية والفساد المتفشي في كل ركن من المجتمع والبؤس الاقتصادي الذي تفرضه الليبرالية العالمية لتتخلى الدول عن الهموم الوجودية للشعوب وتترك مصيرها في يد أنانية المشروعات المتعددة الجنسية والخاصة في كل المجالات الحيوية. وأن هذا المد الديني المتطرف وغيره هو أيضا نتاج سياسات الولايات المتحدة بدعم هذه النظم. علاوة على أنه أساسا نتاج طبيعي للسياسة التي تقودها أمريكا لتحطيم الشرق الأوسط، بلدا بلدا، مع إسرائيل. وأن رد الفعل السياسي يأخذ طابعه الديني كرد على خطاب بوش المعادي الذي يتكلم عن "فاشية إسلامية" وعن "حرب صليبية" وعن "إلهام إلهي" مباشر يملي عليه سياسته العدوانية. وأن لكل فعل رد فعل في الفيزياء وفي طبائع البشر.

هاشم يقول أنه يعرف أن الاجتماع الاستثنائي، مع الأربع شخصيات الاستثنائية التي نالت جائزة الديمقراطية الأمريكية، لم يكن "لقاء عمل مع الرئيس تكون مخصصة له أجندة للمناقشة".. والغريب أنه ناقش. ثم أنه لم يبد أي ملاحظة للقارئ، في مقاله بالدستور يوم 20 أكتوبر، حول عبارة بوش عما "تفعله الولايات المتحدة من أجل نشر الديمقراطية بجميع السبل ومنها المعونة الأمريكية...". أي أنه يوفق على فحوى رسالة الولايات المتحدة الحضارية "بكل السبل" برغم أنه لا يجلس أمام بوش في جريدة الدستور أو أمام الورقة التي يخط عليها أفكاره ببرود وتعقل للدفاع عما يوجهه البعض له من اتهامات لا نتفق معها.. فهو ليس بخائن ولا عميل ولا حق لأحد في توجيه مثل هذا الاتهام له فلم يثبت تلبسه. هو مضلل وتلك قناعته السياسية. فما يحزنه هو أن الإدارة الأمريكية لم تعد تهم بمسألة الإصلاح السياسي في مصر. والمدهش هو أنه لا يذكر متى قامت الولايات المتحدة بإصلاح سياسي في بلد ما وما أسم هذا البلد.

فالمأسوي هو ظهور هذه الطبقة السياسية من العاملين في الواقع الإعلامي والعام، في البلدان العربية وغيرها، ينتظرون أن يسقط عليهم "المن والسلوى الأمريكيين" برغم أن كل ما يقوله الواقع يخالف جذريا أضغاث أحلامهم. فالحل ليس من هناك. فذلك خمول سياسي وفكري وعملي في أفضل تقويم له. وهو خداع للوعي ومطالبة للمواطنين بالرضا حتى يسقط الفرج مع الإدارة الأمريكية القادمة.. في المشمش.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك