الصفحة الرئيسية > انتخابات الرئاسة الفرنسية 2007 > هل ستطلق فرنسا الديجولية أوروبا ؟... بقلم : مصطفى نور الدين

هل ستطلق فرنسا الديجولية أوروبا ؟... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) ٩ سبتمبر ٢٠٠٦

السبت 9 أيلول (سبتمبر) 2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

هل ستطلق فرنسا الديجولية أوروبا ؟... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) ٩ سبتمبر ٢٠٠٦

فرنسا مسرح كبير لعدد يتزايد حلمه بمنصب رئيس الجمهورية عام 2007. واللحظة الحاسمة لم تأت بعد لمعرفة من المرشح الرسمي لمعظم الأحزاب ولكن من يرغبون في المنصب يعرضون أفكارهم في سوق الرأي العام ويتبارون لكسبه. والحل هو طرح الأفكار التي تغذي أحلام طبقة أو تلبي مطلب جماعات الضغط السياسي والاقتصادي ويدعم هذا أو ذاك مشاهير الفنانين الشعبين أو المهرجين.

وفي غالب الأحوال يحدد الفرنسي من يختاره بناء على البرنامج الانتخابي الذي يعكس أساسا السياسة الداخلية وتأتي السياسة الخارجية في مرتبة ثانوية. فمشاكل العالم معقدة واتخاذ موقف منها أكثر صعوبة من مسائل كالبطالة والشيخوخة والأمن والعلاج الطبي وعدد ساعات العمل وضمان استقرار الوظيفة وخلافة. فهذه المسائل تمس الحياة اليومية للمواطن وتهمه والأجيال القادمة بشكل مباشر.

ووقفة على ما يدور في أوروبا اليوم، بعد الاجتماع الذي عقد على مستوى وزراء الخارجية في أول سبتمبر في فنلندا، يظهر تقلبات ظاهرها الابتعاد خطوات عن النظرة الأمريكية التي فرضت نفسها على الصعيد العالمي إبان العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على لبنان.

خطوات أوروبا المتعثرة


ما يبدو على الخريطة السياسية الأوربية يشبه كائنا فقد توازنه إبان العدوان الأخير على فلسطين ولبنان إذ بصمت الدول الأوربية انكشف عجزهم عن التمايز عن السياسة الأمريكية وبالتالي التماهي معها. وقد يكون تصور السياسة الخارجية الأوربية نظريا مختلفا عن الأمريكي. وإنما في الممارسة ينطبق التصوران كل على الأخر تمام الانطباق. ففي أفغانستان ذهبت جيوشهم معا وفي العراق أيضا مرتين ويتأهبون للسودان.

ثم اتفق الجميع على الذهاب إلى لبنان لحماية إسرائيل من أكثر من مليار "إرهابي" يهددون وجودها ! أو بدقة يهددون ألا تملك حق العدوان على الآخرين أي ما تسميه، ويتفق معها الكل، "حق الدفاع عن وجودها". فأن يدعو المستعمر استعماره حق وجود سابقة. وهي سابقة لأن الضمير الأوربي التعس بسبب جرائمه حاول التكفير عنها بتحميل شعوب الشرق ثمنها.
وموقف أوروبا الأخير يستأهل التدبر إذ يلعب الأوروبيون ورقة متنافية مع التوجيهات الأمريكية في جانب وملتقية في جوانب.. فالمساعدات التي قطعوها عن الفلسطينيين بعد وصول "حماس" للسلطة سيفرج عن جزأ منها في شكل مساعدات لنحو 625 ألف أسرة فلسطينية.. ولكن أصر الأوربيون على اعتبارهم "حماس منظمة إرهابية" وبالتالي لن يحدث لقاء مع الحكومة التي انتخبها الشعب الفلسطيني تحت إشراف مراقبة دولية.. وبرغم ذلك تعبر أوروبا عن أرادتها لإعادة الحياة لعملية السلام من اجل دولة فلسطينية..

والأوروبيون لا يريدون توقيع عقوبات على إيران وإنما التمهل لإعادة فتح الحوار الذي كان قائما وفضوه بانضمامهم للتصور الأمريكي. ولعل التعبير الذي قال به وزير الخارجية الفنلندي "إيريكي تمويواجا" رأيه لا يحتاج تحليلات وتفسيرات إذ يقول :"ليست تلك هي الساعة ولا هنا هو المكان" الذي على المجتمع الدولي يفرض فيهما عقوبات على إيران".

فهل "يويو" السياسة الغربية ناتج عن اكتشافات جديدة في الشرق ؟ فالساعة ربما تعني ساعة انتصار المقاومة اللبنانية ؟ أو عدم انتصار إسرائيل ؟ فهو العامل الأساسي الجديد في تلك الساعة. يضاف له الإصرار الإيراني على مواصلة حقها في تطوير الطاقة النووية وعدم تراجعها أمام التهديدات المستمرة. فالتهديدات لا تكف عن إرجاء المواجهة العسكرية. وهو إرجاء مفهوم فمخاطر المواجهة لا يمكن معرفتها. فالعراق يحترق ويعجز الاحتلال الأمريكي وحلفائه عن ضبط حالة التدهور. وإسرائيل مأزومة وإشراكها في المغامرة الإيرانية حتمي كحليف ولكن ضربة قاضية لها من إيران محتملة.. وأوروبا فقدت هيبتها إبان العدوان على لبنان إذ لم يسمع لها صوت. والآن لا تكف عن مطالبة إسرائيل بإنهاء الحصار عن الشعب اللبناني ولكن ندائها لا يتفق مع الإستراتيجية الآتية للبنان وللمنطقة.. إذن نداء هباء.

فرنسا الأمريكية

في هذا الجو الأوروبي المتردد جاءت خطب نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية الفرنسي ورئيس الحزب اليميني الحاكم والمرشح المفضل للان في استبيان الرأي العام لرئاسة الجمهورية ليثير غضب الديجوليين. فنهاية موسم الصيف هو "المهرجان" العام لكل المرشحين لما يسمى "الجامعة الصيفية". ففي ختام الملتقى يجتمع آلاف من المناصرين لسماع "الخطاب البرنامج" للمرشحين الافتراضيين.

وما يستدعي التوقف في ما يقوله ساركوزي ويعتبر قطيعة فعليا من السياسة الديجولية هو إعلانه المضمر بالانتماء أكثر للخط الاستراتيجي للولايات المتحدة. ويطلق علي ساركوزي لقب "صديق أمريكا" الذي يفخر به. فالانتماء لهذا الخط يعبر عنه فيما يخص الشرق الأوسط بجملتين في حوار طويل مع جريدة "لو فيجارو" أول سبتمبر :

الأولي قوله بأن : "حزب الله حركة إرهابية لان إطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل دون التساؤل على من تسقط عملية إرهابية. وأن يوافق حزب الله على تلقي المساعدات المالية من إيران التي نعرف ما يقول حكامه (يقصد اختفاء إسرائيل من على الخريطة) يعني أنها تندرج في معسكر الإرهابيين". وهنا يلحق ساركوزي كلية بالخطاب الأمريكي إذ أن من يقول بأن حزب الله حركة إرهابية بضعة دول على الصعيد العالمي وأوروبا لم تدرجها في القائمة التي وضعتها الولايات المتحدة لمن تصفهم بالإرهابيين. ونفس الشيء ينطبق على إيران بطبيعة الحال فلا أوروبا ولا فرنسا يضعون إيران في "محور الشر" الأمريكي.

العبارة الثانية تتضمن قوله بأنه "يعلن انه صديق لإسرائيل.. وان آمان إسرائيل حق لا نقاش فيه. فإسرائيل ديمقراطية. ولدت في ظل الظروف التي نعرفها (يقصد الإبادة النازية لليهود). وأنها لمسؤولية جوهرية على عاتق كل البلدان الحرة أن تتكفل بأمن بقائها. ولكن هل اعتبر أن الحكومة الإسرائيلية في دفاعها عن وجودها، اكرر دفاعها عن وجودها، كان ردها متناسبا ؟ لست متيقنا. فانا صديق إسرائيل وصديق لبنان أيضا التي يجب أن تصبح دولة ذات سيادة فعلية". (يعني إبعاد النفوذ السوري والإيراني).

وبرغم صداقته المزعومة للبنان لم يقل كلمة واحدة عن جرائم الحرب التي ارتكبها العدوان عليها ولا حتى كلمة تعاطف. والملفت للأمر أيضا أن ساركوزي لم يذكر كلمة واحدة على المأساة الفلسطينية والعدوان الإسرائيلي الدائم على الشعب الفلسطيني. وكأن هناك استراتيجية مضمرة لنفي وجود فلسطين من أجندته السياسية مثلما تفعل الإدارة الأمريكية. وهنا تتحقق القطيعة الكبرى مع السياسة الفرنسية والأوروبية التي تحاول الإفلات من الهيمنة الأمريكية وتحقيق حد أدنى من الاستقلال نتيجة قربها من الشرق جغرافيا واكتوائها بنيرانه بشكل أو آخر.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك