الصفحة الرئيسية > انتخابات الرئاسة الفرنسية 2007 > نهاية اليسار الفرنسي أم تجدده ؟... مصطفى نور الدين

نهاية اليسار الفرنسي أم تجدده ؟... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة)١٤ فبراير ٢٠٠٧

الأربعاء 14 شباط (فبراير) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

نهاية اليسار الفرنسي أم تجدده ؟... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة)١٤ فبراير ٢٠٠٧

هل المغالاة في اليسارية تقضي على اليسار ؟ سؤال له ما يبرره والإجابة علية مؤجلة فيما يخص فرنسا. سؤال مطروح لان الانقسام في قلب معسكر يسار اليسار أشاع للمستقبل غموضا يحول دون رؤيته.

ولتحديد معنى الكلمات أهميته. فحتى عام 2005 وقبيل طرح الدستور الأوربي للاستفتاء الشعبي كانت كلمة يسار تنطبق عامة على كل الأحزاب : الاشتراكي والشيوعي والتروتسكيين والخضر...

وعندما نادى الحزب الاشتراكي رسميا بالموافقة على الدستور مثله في ذلك مثل اليمين الديجولي الحاكم حدث انشقاق في الحزب الاشتراكي نادى برفض الدستور. وتكونت جبهة من هذا الانشقاق مع الأحزاب اليسارية الأخرى وأطلق عليها أسم "تجمع مناهضة الليبرالية" وبتسمية أخرى يسار اليسار أي من يقعون على يسار الحزب الاشتراكي وهم من كسب المعركة برفض الدستور ووضعوا الاتحاد الأوربي في حالة شلل.

ولقد تراكم لدي الفرنسيين إحساس بالمرارة ناجم من عدة أسباب سبقت موضوع الدستور وتلته نلخصها:

 اكتشاف أن اليمين المتطرف له وزن لا يستهان به كما أظهرته انتخابات الرئاسة عام 2002. إذ حينما عاقب الفرنسيون الحزب الاشتراكي بعدم التصويت لمرشحة ليونيل جوسبان انتهت التصفية بين اليمين الديجولي واليمين المتطرف. وكان هذا العقاب لعدم تحقيق التقدم الذي وعد به الحزب في برامجه الانتخابية بل وحدوث تدهور في مسألة البطالة وخصخصة للقطاع العام.

 اضطرار الأحزاب اليسارية للتصويت لليمين واختيار جاك شيراك لقطع الطريق على جان ماري لوبن ممثل اليمين المتطرف.

 مطالبة الحزب الاشتراكي بالموافقة على الدستور الأوربي مثله في ذلك مثل اليمين الديجولي.

 عودة لوران فابيوس، رئيس الوزراء السابق، إلى الحزب الاشتراكي بعد انفصاله عنه ومشاركته في قيادة جبهة رفض الدستور مع الأحزاب اليسارية.

– اختيار الحزب الاشتراكي للسيدة جوسلين رويال كمرشحة للرئاسة القادمة وعدم اختيار فابيوس برغم تاريخه السياسي وخبرته في أعلى مراتب السلطة. إذ ظل فابيوس في نظر الكثيرين احتمالا لجمع كل الرافضين للدستور في جبهة..

– تراجع جان بيير شيفينمو، رئيس حزب حركة المواطنة، عن الترشيح ودعم ترشيح جوسلين رويال. برغم انفصال شيفينمو عن الحزب الاشتراكي منذ حرب التحالف الأمريكي الأول ضد العراق عام 1991 واستقالته كوزير للدفاع في الحكومة الاشتراكية وتكوينه لحزبه الذي تمتع بوزن هام جماهيريا وكان أحد أسباب هزيمة ليونيل جوسبان عام 2002 لارتفاع نسبة الأصوات التي حصل عليها كمرشح منافس. ويضاف أنه شارك في الجبهة ضد الدستور الأوروبي.

– وأخيرا مرارة لتمزق يسار اليسار بتقديم كل حزب بمرشح له وبالتالي خيبة أمل من كانوا يأملون التقدم بمرشح واحد يدافع عن التيار الجديد، أي تجمع مناهضة الليبرالية والمطالبة بنظام عالمي بديل، ولا يعبر عن خط سياسي لحزب بعينه.

وبلغ التفتت ذروته برجوع الزعيم الفلاحي جوزيه بوفيه Bové عن قراره بالانسحاب من الترشيح. وعودته جاءت تحت ضغط شعبي منقطع النظير بتوقيع نحو 36 ألف شخص على نداء يطلب بأن يكون المرشح الوحيد لليسار البديل. وعاد بوفيه ولكن ليذهب إلى السجن للحكم علية بالحبس 4 شهور مع التنفيذ بسبب اقتلاع لمحاصيل الذرة المعدل وراثيا في حقل تجريبي منذ سنتين. ولأن بوفيه لم يحرم من حقوقه المدنية فسيواصل، من وراء القضبان، التمتع بممارسة حملته الانتخابية كأي مرشح طليق !

ويعتبر بوفيه أنه يعبر عن صوت من لا صوت لهم.. صوت فرنسا غير المرئية. أي الذين اعترضوا على الدستور وتخلى عنهم القادة الحزبيون الذين تراجعوا وعادوا للحزب الاشتراكي أو تقدموا كمرشحين لأحزابهم. والخط السياسي الجديد شعاره : العيش جميعا معا والدفاع عن البيئة ومناهضة الليبرالية ومواجهة اليمين واليمين المتطرف.

وهذا الخط تبلور فعليا في وثيقة إبان عقد مئات المناظرات بين أحزاب يسار اليسار والجمعيات والمنظمات الأهلية.. ولكنه الآن لا يجد من يدافع عنه كبرنامج متكامل إلا بوفيه لأن كل الأحزاب الأخرى انصرفت عن الفكرة.

وتبع الإحساس بخطورة تعدد مرشحي يسار اليسار سيل من الانتقادات لعودة جوزيه بوفيه لحلبة الانتخابات. فقالت المرشحة ماري جورج بويفيه Buffet، سكرتيرة الحزب الشيوعي، انه مرشح زائد عن العدد وقرار عودته غير مسئول. وأضاف مسئول من حزب الخضر انه مضاعفة في انقسام اليسار. ويستشعر الحزب الاشتراكي أيضا ما قد يمثله بوفيه من مخاطر إذ سيجتمع حوله من عارضوا الحزب الاشتراكي من داخله بشأن موضوع الدستور الأوربي.

فبالنظر للسنوات القليلة الماضية نستنتج أنها سنوات رفض جمعي لليمين. تجسد ذلك في رفض الدستور الأوربي ثم رفض الحركة الاجتماعية بقيادة الطلاب والنقابات العمالية والمهنية لعقد العمل الذي يزيد من هشاشة أوضاع العاملين في مواجهة رأس المال. وهو العقد الذي أراد فرضه دو فيلبان، رئيس الوزراء، وخسر المعركة وأضاع فرصته كمرشح للرئاسة. وأعظم إنجاز تحقق إبان هذه الحركة تجسد في وحدة الحركة النقابية بصورة لا مثيل لها طوال الربع قرن الماضي.

ويمكن إضافة رفض سكان الضواحي الفقيرة والمهاجرة للعنصرية وانعدام إتاحة فرص العمل والسكن لهم بشكل متساو مع باقي المواطنين من غير المهاجرين. واضطرار الدولة لسن القانون الخاص بمعالجة المشكلة بالتقدم لطلب عمل أو سكن وإخفاء المعلومات الشخصية التي تكشف هوية المتقدم.

أسباب انفراط يسار اليسار ؟

والتساؤل فيما الاختلاف وعلى ماذا ؟ بالطبع الأمر أكثر تعقيدا من مجرد الحلم وتحققه اليسير.

أولا : فهناك مكانة كل تيار حزبي السياسية والتاريخية التي لا يريد أن يفقدها في الذوبان في كل إيديولوجي أوسع يتضمن أفكاره أو بعضها. إذ قد يعني ذلك نهاية للأحزاب السياسية التقليدية بتبنيها لفكر بديل وعدم قدرتها بعد ذلك معاودة التواجد منفردة وقوية. وفي التاريخ مثال ناصع وهو ضعف الأحزاب الشيوعية الأوربية منذ سبعينات القرن الماضي بتحالفها من الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية. والتجربة الفرنسية دليل ملموس على ذلك.

ولذا فإن انفراط تكتل مناهضة الليبرالية جاء نتيجة إصرار المنظمة الشيوعية الثورية علي ألا يتحالف من يقود التكتل مع الحزب الاشتراكي مرة أخرى، إذا فازت جوسلين رويال، لعدم تكرار التجربة الفاشلة السابقة. ولم يرد الحزب الشيوعي ولا جوزيه بوفيه التوقيع مسبقا على ذلك.

إذ أنه بافتراض أن التصفية هي بين الحزب الاشتراكي واليمين الجديد، في الدورة الثانية، سيكون حاسما للحزب الاشتراكي أن يطلب يسار اليسار من مناصريه إعطاء أصواتهم لرويال. ولكن لذلك ثمنا سياسيا يتم الاتفاق عليه إما بمناصب وزارية أو بعدم تقديم الحزب الاشتراكي لمنافسين لممثلي يسار اليسار في الانتخابات البرلمانية القادمة بجانب مساندته لهم ضد اليمين. وهذه الصفقات ليست بسر إذ تراجع جان بيير شيفينمو عن ترشيح نفسه للرئاسة مقابل 10 مقاعد لحزبه في الانتخابات البرلمانية القادمة وأن يدعمه فيها الحزب الاشتراكي ولا يقدم متنافسين في نفس المناطق.

ثانيا : الأسباب يمكن فهمها على ضوء التاريخ القريب في انتخابات الرئاسة عام 2002 إذ انحدرت الأصوات التي حصل عليها الحزب الشيوعي إلى أدنى نسبه في تاريخه. أي هبطت من نحو 9 % عام 1995 إلى 3.7 % . ونفس التدني حدث في الانتخابات البرلمانية في ذات الفترة. ومن هنا فالحزب يريد أن يعيد طرح نفسه في هذه الانتخابات أملا في استرجاع شعبيته. وما يستند إليه من أسباب تتجسد في أن حملته الأخيرة ضد الدستور الأوربي تكللت بالنجاح برفضه.

ومن جانبها تحاول الأحزاب الأخرى، التروتسكية والأحزاب المدافعة عن البيئة، تأكيد صعودها في الانتخابات الرئاسية عام 2002 بشكل كبير. فالتيار الذي يمثله اوليفيه بيزانسنو، المنظمة الشيوعية الثورية، حققت في انتخابات 2002 نسبة تجاوزت 4 % من أصوات الناخبين وكانت القفزة الهائلة للسيدة ارليت لاجولييه، زعيمة حزب الصراع العمالي، إذ حصلت على 5.7 % . وكل من الحزبين شاركا في قيادة جبهة رفض الدستور الأوروبي ويطمعان في تحسين حالة الحزبين أو على الأقل التأكيد على هذا الصعود الشعبي.

ولان الغموض كامل يضاف أن الكثير من المرشحين الاحتماليين لم يحصلوا بعد على الخمسمائة توقيع من ممثلي الشعب، من برلمانيين وعمد ورؤساء مجالس محلية، لتزكيتهم. وهناك ضغط غير خفي من بعض الأحزاب الكبرى لعدم إعطاء توقيع إلا للذين لا يرفضون التحالف معهم في الدورة الانتخابية الثانية أو على الأقل يطالبون من ناخبيهم التصويت لهم. ولعل السابقة التاريخية في فرنسا في هذا هي الأمر المكتوب من فرنسوا هولاند، سكرتير الحزب الاشتراكي، إلى العمد الاشتراكيين بعدم منح توقيع للمرشحين من الأحزاب المعارضة لخطه السياسي.

ولقد هدد جان ماري لوبن، زعيم حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف، هذه الأحزاب من مغبة عدم حصوله على العدد اللازم من التوقيعات وبالتالي عدم تقدمه للمنافسة. والتهديد يعني انه من الممكن أن يطالب المنتمين لليمين المتطرف للتصويت لمرشحي أحزاب يسار اليسار ويضرب بذلك كلا من اليمين الديجولي والحزب الاشتراكي ضربة موجعة. وأمام صعوبة الحصول على توقيعات كافية اضطرت الحكومة لتمديد التاريخ المحددة للتسجيل النهائي للمرشحين لمدة أسبوع إضافي.

والمحور الجوهري في الاختيار قد يستند إلى معادلة ما يسمى بالتصويت المفيد وهي معادلة بسيطة ومعقدة في آن واحد وهي : إذا كان يسار اليسار لا يتناقض مع الحزب الاشتراكي وان هدفه هو هزيمة اليمين واليمين المتطرف وان سوجلين رويال، مرشحة الحزب الاشتراكي، هي أفضل منافس لتحقيق هذه الهزيمة فما دواعي إضعاف فرصتها في كسب المعركة بتشتيت الأصوات ؟

ولكن الإشكالية الإضافية هي ما لفرق بين الحزب الاشتراكي واليمين الجديد؟ لقد أصبحت فزورة في البرامج التلفزيونية اقتباس عبارة ما وتوجيه السؤال من قائلها : ساركوزي أم رويال ؟ ويخلط بعض المستشارين بالحملة الانتخابية لكل من التيارين في الإجابة.. فالأفكار متقاربة!

ففي النهاية ستكون هذه الانتخابات كسباق خيل لن يكون الحسم فيها لا للفرس ولا للفارس وإنما للمراهنين فهم الذين سيحددون من يربح.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك