موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > انتخابات الرئاسة الفرنسية 2007 > نحو حزب فرنسي تقدمي كبير ؟... مصطفى نور الدين

نحو حزب فرنسي تقدمي كبير ؟... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) 2 مايو 2007

الأربعاء 2 أيار (مايو) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

نحو حزب فرنسي تقدمي كبير ؟... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) 2 مايو 2007

في الثامنة من مساء السادس مايو ستنهمر دموع فرح أتباع من ربح مقعد رئاسة الجمهورية لخمس سنوات ولوعة لأتباع فاقده. ولا مخرج من انتظار صعب ومتوتر. فمن أين تأتي التعقيدات ألم يحرز نيكولا ساركوزي، اليمين الجديد، 31 % من الأصوات وسوجلين رويال، الحزب الاشتراكي، نحو 26 % و حصل اليمين واليمين المتطرف ويمين الوسط معا نحو 65 % فما دواعي الاستمرار في طرح السؤال؟

إن قراءة أخري لدراسات لعينة واسعة من المواطنين تنير هذه الصورة القاتمة فيما يخص فرنسا كمجتمع ولا تنفي أن الواقع معقد. إذ أن 30% من أصوات ساركوزي من اليمين المتطرف وان 32% ممن اختاروه لا يعتبرونه مرشحهم الأفضل وهذه النسبة 56% لرويال وهي ذات نسبة الذين ينتمون ليسار اليسار وأعطوا أصواتهم لها وان النسبة لبيرو كانت 42%.

ويؤكد عدم صحة الاختيار كقناعة سياسية فعلية للمواطنين ما تظهره الأرقام التالية التي تبين أن المواطن كان ينوي اختيار مرشحا آخر غير ذلك الذي أعطى له صوته : فهو حال 58 % من يسار اليسار و 51% من أتباع رويال و60% من أتباع بايرو و 39% من أتباع ساركوزي و 73% من أتباع لو بن. وهذا يوضح بجلاء أن نتيجة الانتخابات لا تعكس الخريطة السياسية الفرنسية بشكل واقعي.

أما عن المستقبل القريب فيلوح أن 60 % من المنظمة الشيوعية سيختارون رويال في الدورة الثانية و 4% ساركوزي. وان حزب حركة من اجل فرنسا، يمين متطرف، سيعطي أصواته لساركوزي.. وأن أربعة مليون أعطوا أصواتهم لليميني المتطرف، جان ماري لو بن، الجبهة الوطنية، لم يختاروا بعد وسيعلن لو بن موقفه في عيد جان دارك في أول مايو. ولكن استطلاع للرأي يكشف أن 20 % منهم سيعطي صوته لرويال 60% لساركوزي! والجديد هو أن ساركوزي حطم هذا الحزب بعد الاستيلاء على شعاراته وعلى نسبة من أتباعه. فهل سيقرر الانتقام من اليمين الجديد واختيار رويال الاشتراكية أم الذوبان مع ساركوزي والانتقام من الحزب الاشتراكي واليسار بشكل عام؟

يضاف ما هو أهم أن 45% من 7 ملاين صوتوا لفرنسوا بايرو، يمين الوسط، واحتل المرتبة الثالثة، قد يعطون أصواتهم لرويال و39% لساركوزي والباقي لم يحدد موقفه. والجديد أيضا انه لأول مرة في تاريخ فرنسا لا يدعو من احتل المركز الثالث، من اختاروه في الدورة الأولى، لانتخاب مرشحه المفضل في الدورة الثانية.

إذن لو صوت أتباع اليمين المتطرف لساركوزي سيكسب وإذا عاقبوه لسحبه مليون من أتباعه وأعطوا أصواتهم لرويال ستكسب بشرط أن تحصل على نصف أصوات بايرو وآلا يمتنع يسار اليسار عن الذهاب لصناديق الانتخابات. وما الذي يحدث لو جرى امتناع كبير عن التصويت ؟ ذلك هو انشغال المواطنين و الخبراء ولا أحد يملك الجواب.

تحليل سياسي واجتماعي للدورة الأولى من الانتخابات لا تعطي صورة صحيحة للمجتمع الفرنسي. فالحركة الاجتماعية والسياسية في جوهرها حركة رافضة لليمين منذ 2002. والصورة ليست صحيحة نتيجة التصويت المجدي والبرهان هو أن الثلاثة مرشحين الكبار نادوا عام 2005 بالموافقة على الدستور الأوربي في حين أن من ربح حينها هم من رفضوه. وبرغم ذلك وبافتراض أن النتيجة تعكس واقع فرؤيته مفيدة لأنها تكشف الانشغال بقضايا بعينها وغياب برنامج لليسار اليوم يرد عليها. إذ لو كان لهذا البرنامج من وجود لألتف حوله المواطنون وجعلوا من الذي يدافع عنه المنافس الأول لليمين الجديد.

فالتصويت يوم 6 مايو يشبه الأواني المستطرقة للأصوات ولكن بوعي وقناعة تعكس نسبيا التوجه الاجتماعي الراهن لعقلية المواطنين وهموم المجتمع. فمن اختاروا في المرحلة الأولى تطبيق الاختيار المفيد سيطبقون نفس المنطق بعد أيام ولكن ليس بالاقتراب من أفضل من يمثل همومهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ولكن لعدم إعطاء الفرصة للمنافس الآخر. وبرغم ذلك فأي عملية حسابية مضللة وفقط يظل الافتراض المعيار الذي يمكن اعتماده دون القسم بأنه سيحدث.

من اختار من ولماذا ؟


وتحليل للتوزيع الأصوات في المرحلة الأولى من الانتخابات للمرشحين يساعد على رؤية بعض المظاهر الاجتماعية في مجتمع رأسمالي متقدم وهموم المواطنين ومطالبهم ومن يرد عليها ويجسدونه باختيارهم.

إن النموذج الذي تقدمه رويال يتسم بالانفتاح ويرد على هموم الشباب ويرد ايجابيا على ما يحدث من تغيرات تفرض نفسها في الممارسة الاجتماعية ويكاد يكون ضبطها أو معارضتها ضرب من العبث لا يمكن للسلطة التحكم فيه. ومن هنا يفسر سبب كثافة الأصوات الشابة التي حصلت رويال عليها.. والتقديرات بالنسبة المئوية للأرقام التالية تبين أن نسبة 28 من الشباب، في عمر 18 إلى 24 سنة، اختار رويال مقابل 24 لساركوزي و20 لبيرو. وهذه الفئة في غالبيتها من الطلاب أو الذين في بدء حياتهم المهنية. وان المواطنين بين 25 و 49 سنة تتعادل أصواتهم لرويال وساركوزي بنسبة 27%. ثم بعد ذلك السن وحتى سن المعاش تذهب أغلبية الأصوات لساركوزي إذ تحصل رويال على 22% بينما ساركوزي ضعف هذه النسبة. ومن يتجاوز عمرهم 65 سنة غالبيتهم اختارت ساركوزي ثم رويال فبايرو بنسب 44 و21 و15 على التوالي. أما الشباب وكبار السن الذين اختاروا اليمين المتطرف فنسبتهما 8 و 9 على التوالي. وظلت نسبة 8 من الشباب مع المنظمة الشيوعية الثورية وواحد في المئة من الكبار.

مجتمع تتوفر فيه الحرية

والعمر كمؤشر لتطلعات بعينها في المستقبل والطموح في نظام اجتماعي يتناسب معها له أهميته وكذلك الهموم التي تمس الحياة مباشرة للمواطن في حياته اليومية. ويمكن تناول بعض المؤشرات التي على أساسها حدد المواطن لاختيار مرشحه في الدورة الأولى. فنحو ثلثي أتباع رويال وكذلك يسار اليسار ينشدون مجتمعا يتمتع فيه الأفراد بالمزيد من الحرية. وتشكل هذه الفئة نحو نصف من اختاروا بيرو بينما أتباع ساركو الذين يطالبون بذات الطموح هم 16 % وبالنسبة لليمين المتطرف 18%.

النظام والسلطة والأمن

ويكمل الصورة مسألة النظام والسلطة في المجتمع من الأسرة للمدرسة. فنحو 27 % ممن اختاروا رويال يطالبون بمزيد من النظام والسلطة وهم ثلث نسبة يسار اليسار. ونسبة هؤلاء 45% لدى بايرو وفي معسكر ساركوزي هم 83 % ولدي أتباع لو بن اقل بثلاثة في المئة من الأخير. ويوضح ذلك أن ساركوزي لم يكف عن سياسة التخويف وطرح حلول سلطوية تلتقي مع مطلب شرائح اجتماعية ثرية وتقليدية ومحافظة وهي نفس القضايا التي يقول بها اليمين المتطرف. فغالبية من ينتمون لرب أسرة يعمل في المهن الحرة والمهن غير اليدوية والتجارة ومديري الشركات والمحالين على المعاش اختاروا ساركو ونسب هؤلاء المئوية تتراوح بين 28 و 40 في المئة. بينما من أعطى صوته لرويال من ذات الشرائح تراوح بين 24 و 31 في المئة.

والمؤشرات لا تكذب أن ساركوزي جمع حوله اليمين واليمين المتطرف. فما يزيد عن خمسي من اختاروا ساركوزي يعلنون انه بسبب محاربته انعدام الأمن. وطوال سنوات ساركوزي كوزير للداخلية كان ذلك خطابه السياسي وممارسته. وعلى النقيض نحو نصف من اختاروا رويال كان نتيجة اهتمامها بانعدام العدالة الاجتماعية والتهميش الذي يتعرض له المواطنين اقتصاديا واجتماعيا. أما الاختيار ابتدءا من مسألة الهجرة والمهاجرين فان ثلث من اختاروا ساركوزي يذكرونها كسبب لتفضيله بينما لا تمثل تلك النسبة إلا 7 % فقط ممن اختار رويال.

البطالة وانعدام العدالة الاجتماعية

في مجتمع فيه نحو أربعة ملاين عاطل من المنطقي أن يكون ذلك واحد من معايير اختيارهم. فنصف من أعطوا أصواتهم لكل من يسار اليسار ولساركوزي كان ذلك من أول العوامل المحددة للاختيار. وهذه النسبة كانت على التوالي 47 و 44 و 39 لكل من رويال وبايرو ولو بن. أما مواجهة انعدام العدالة الاجتماعية فتكشف أكثر جمهور كل مرشح. فمن اختاروا ابتداء من هذا المحك هم بالنسب المئوية التالية على التوالي : 53 ليسار اليسار و 42 رويال و29 بايرو و19 ساركوزي وأخيرا 17 % لأتباع لو بن. فكلما اتجه التحليل نحو اليمين قل الاهتمام بهذا الأمر وهو ما يكشف بشكل ما التكوين الاجتماعي للجمهور أو على الأقل أولوياته السياسية المرتبطة بانتماءه ونتيجة الخطاب السياسي.

ونقطة هامة أخرى تخص مستوي التعليم إذ يلاحظ الفرق الشاسع بين رويال وساركوزي فمن لم ينهوا التعليم الابتدائي ينتخبون بنسبة 37 % الأخير و 25% رويال ويتعادل نصيب رويال وساركوزي من نسبة المواطنين بعد الحصول على الثانوية العامة وإتمام الدراسة الجامعية.

ويضاف فئة هامة وهي التي تجمع العاطلين عن العمل فنحو 23 % منهم اختار رويال ونفس النسبة لليميني المتطرف جان ماري لو بن و 27% بايرو بينما صوت ثلاثة في المئة فقط لساركوزي ! فهذه الفئة تتأرجح بين من يحمل لها أمل في المستقبل وبين رفض سياسة اليمين الديجولي طوال السنوات الماضية. ولكن أهم المؤشرات تخص العمال فهي إشكالية لان غالبيتهم 25 % تذهب لليمين المتطرف ولا تحصل رويال إلا على 20 وساركو على 19 وبايرو 16 والمنظمة الشيوعية الثورية 7 والحزب الشيوعي واحد في المئة فقط.

وتفسير التحاق العمال لليمين بشكل عام والمتطرف خاصة يرجع للبطالة التي يتعرضون لها وما تمثله السياسة التي يتبعها أصحاب رأس المال بخصوص العمالة المهاجرة من دول المعسكر الشرقي سابقا بعد دخولها بكثافة للاتحاد الأوربي. فلم يعد المهاجر الإفريقي أو العربي فقط هو الخطر ولكن ما سمي هنا منذ فترة خطر السباك البولندي. فمع فتح الحدود لحركة رأس المال والعمالة أصبح الانتقال العادي للمواطنين الأوربيين خطرا لا لشيء إلا لأن أصحاب رأس المال يسعون لتحديد أجورهم ليس بالنسبة لمستوى الأجور في فرنسا ولكن بالنسبة لمستواها في البلدان التي أتوا منها. أي أجور أكثر انخفاضا وبالتالي منافسة للعاملين من الفرنسيين. بالإضافة إلى أنه يشكل تهديدا مباشرا لمن بيده عمل بإمكانية استبداله بالسباك البولندي. والنقطة الهامة الأخرى هي انتقال الشركات الفرنسية إلى البلدان الأوربية التي تكون قيمة الأيدي العاملة بها ارخص. ويبين ذلك دعوة رويال لتحديد حد أجور عام على مستوى أوربا لمنع الشركات من نقل أنشطتها إلى الخارج وإغلاق الشركات في فرنسا وتحويل الآلاف إلى عاطلين عن العمل.

ولان تلك أول مرة تصل سيدة للمرحلة الثانية في الانتخابات فيلزم رؤية مؤشرات الاختيار بحسب الجنس. وتتضح من نتيجة الاستطلاعات أن 27% من السيدات اخترن رويال 31% ساركوزي. أي أن هذا العامل لم يكن حاسما لها برغم وعدها بان يكون أول قانون تصدره لحماية النساء من عنف الذكور إذ بطبيعة الحال لا تتعرض كل النساء للعنف.

العلمانية واستخدام الدين

وساركوزي يؤيده غالبية الكاثوليك الذين يمارسون الطقوس بدوام. إذ استخدم في خطابه الدين وهاجم قانون 1905 الذي أرسى قواعد العلمانية في فرنسا ودافع عن القيم التقليدية ورفض بعض المطالب التحررية، من وجهة نظر الغرب، مثل زواج الأشخاص من نفس الجنس أو تبنيهم لأطفال. وربما يكون هو الوحيد الذي أدخل الدين في السياسة بجانب اليمين المتطرف وتناقض بذلك مع علمانية يحافظ عليها الجميع كأساس للمجتمع المدني. ففي عشية الدورة الأولى أحيا ذكرى البابا الراحل جان بول الثاني وأشاد بدوره في وضع نهاية الشيوعية في بولندا بمساندته للنقابي ليش فاليسا. وفي نفس الوقت ردد حرفيا عبارة البابا الراهن والتي تؤكد على الجذور المسيحية للثقافة الغربية. فقد لام البابا الأوربيين، وقت الاحتفال بالعيد الذهبي لاتفاقية روما، لإهمال ذكر المسيحية في نص الدستور الأوربي مثلما تطمح له بلدان أوربا الشرقية والمستشارة الألمانية.

وساركوزي يدرك أن نجاحه في الدورة الانتخابية الأولي لا يعني انه أصبح الرئيس. فهو احتمال والاحتمال يتضمن نقيضه منطقيا. ولأن المعركة الانتخابية لن تحسم فقط بالبرامج الانتخابية فيجب البحث عن شيء متفرد ومثير. والشيء موجود وتم ذكره على الملء على لسان جان ماري لو بن الذي قال : بأنه ليس من حق ساركوزي أن يصبح رئيسا لفرنسا لأنه ابن أسرة مهاجرة من المجر واليونان وأصوله يهودية. وهنا الشيء ليس كأي شيء. فهو عقدة الذنب التي تلاحق الغربيين كالخطيئة الأولي. فكيف إذن يمكن اللعب بهذه الورقة وبنجاح ؟ ساركوزي لا ينقصه المستشارين والمثقفين اليهود فأكثرهم شهرة انضم إليه. والاستخدام عبقري وكان لابد منه وربما تكون ورقته الرابحة لو كررها حتى تنهمر دموع الفرنسيين شفقة عليه وبه ويتركون له عرش الإليزية للتكفير عن ذنوبهم.

اخرج إذن ساركو هذه الورقة الرابحة في اجتماع مع أكثر من 8 آلاف من مؤيده وقال : أن الحزب الاشتراكي يحلم بتشكيل جبهة ليس ضد أفكاري، ولا ضد برنامجي ولا ضد ما أومن به ولا ضد اقتراحاتي ولكن فقط ضدي أنا شخصيا.. إن البرنامج الوحيد لليسار هو شيطنتي.. أنهم أسسوا جبهة الحقد وعدم قبول الآخر..وهذه الجبهة فرنسا لا حاجة لها بها. والكلمات الجوهرية هي الحقد وعدم قبول الآخر. فعندما تقال كلمة الحقد أو الكراهية في الخطاب السياسي في الغرب من فم شخص ينتمي للديانة اليهودية أو من أصول يهودية أو يتحدث بشأنهم تعني العنصرية وتحديدا معادة السامية مع كل ما تحمله من سلبيات.

فإدخال ساركوزي لهذا العامل في الخطاب السياسي يخرج به من السياسة بمعناها النبيل ليسقط به إلى الميكافيلية. فالرهان على السلطة لا تستأهل أن ينسى مبادئ الجمهورية. إذ لا يستطيع احد أن يدعي أن فرنسا، ما بعد الحرب العالمية، منعت اليهود من الوصول إلى قمة السلطة من بيير ماندز فرنس إلى سيمون فايل وروبرت بادانتير وبرنار كوشنر ودومينيك ستروس كان.. والقائمة لا تنتهي فبعضهم كانوا وزراء أو رؤساء وزارة أو رؤساء اللجنة الأوربية.

إذن تبنى ساركوزي استراتيجية النواح بأنه ضحية.. وأضاف أنه : ترتكب ضده جريمة رفضه لاختلاف سحنته عن الآخرين وهي نفس الكلمات التي يمكن ان يقولها مهاجر من المغرب العربي أو إفريقيا.. وانه تحاك ضده مؤامرة حقد وكراهية من اليسار واليسار المتشدد ويمين الوسط.. وانه ضحية محاكمة ستالينية...!

نحو حزب تقدمي ؟

ولأنه لابد لرويال من كسب أصوات يمين الوسط لتصل إلى رئاسة الجمهورية دعت فرنسوا بايرو لحوار مفتوح ليحكم الجمهور على نقاط التلاقي بين التيارين. ووقع اللقاء لنحو ساعة ونصف وكان طيب الأثر نظرا لكونه تم في جو من الهدوء والصدق. اختلفا على أشياء واتفقا على أخرى ولكن الهام انه كان سابقة تاريخية حيث فرض بايرو نفسه كضيف على مائدة، ليس له بالمنطق الشكلي، مبررا لوجوده حولها. غير أنه من الناحية الموضوعية يعتبر اللقاء تجديدا في المناظرة السياسية الفرنسية لم تحدث من قبل بين المتنافسين إذ تتم فقط بين المتنافسين الرئيسين وهو ما سيتم بين رويال وساركوزي يوم 2 مايو.

وقرر فرنسوا بايرو إنشاء حزب جديد : الحزب الديمقراطي، بناء على المعطيات الجديدة بحصوله على أكثر من 18 % من أصوات الناخبين وبالتالي فله كلمة في القرار السياسي الوطني وليس مجرد التحالف مع هذا الحزب أو ذاك. القرار الثاني هو عدم مطالبة من أعطوه أصواتهم أن يختاروا ساركوزي أو رويال فهم من الوعي ليختاروا بأنفسهم.. ولكن ذلك لا يعني انه لم يتخذ قراره فهو : يعرف لمن لن يمنح صوته. ويضيف عبارة لا تحتمل التأويل: إن ساركوزي قريب من الأوساط المهيمنة على رأس المال ووسائل الإعلام القوية وله ميول للتخويف والتهديد. انه سوف يركز السلطات في يده بصورة لم تحدث في السابق.. وبمزاجه الخاص والقضايا التي يركز عليها هناك مخاطر للمزيد من التمزق الاجتماعي وخاصة بإتباع سياسة محابية للأكثر غنى.. اعتقد أن هناك تشابه بين بيرلوسكوني (رئيس الوزراء الإيطالي السابق) وبين نيكولا ساركوزي... فهل يمكن القول بعد هذه الكلمات انه لم يختار بعد ؟

إن اختيار تقارب الحزب الاشتراكي مع يمين الوسط اضطرار واستراتيجية مستقبلية وتحمل فائدة ومخاطر. هو اضطرار لأن اليمين بكل فصائله عبء معه ثلثي المواطنين والهدف سحب المعتدلين منهم إلى الحزب الاشتراكي. والاستراتيجية الآن تلوح كانقطاع مع سياسة وحدة اليسار التي ترجع لأوائل السبعينات من القرن الماضي. حيث التحم الحزب الاشتراكي مع الشيوعي فيما سمي بالبرنامج المشترك واستمر العمل بمشاركة شيوعيين في الحكومات الاشتراكية. ثم المرور بأزمة نتيجة تخلي الحزب الاشتراكي عن برنامجه الاقتصادي والاجتماعي وتطبيق سياسات ليبرالية. وبرغم ذلك فسياسيا استمر الشيوعيون والأحزاب اليسارية الأخرى في مساندة الحزب الاشتراكي في الانتخابات. والآن بعد تصفية أحزاب يسار اليسار لم تعد جماهيرها وحدها كافية لنصرة الحزب الاشتراكي ومن هنا سعيه لإيجاد البديل في يمين الوسط. وذلك ليس بجديد فقد تم عام 1993 في حكومة ميشيل روكار.

أما المخاطر الناجمة عن رفع معدل تيميين الحزب الاشتراكي فقد تتجسد في انصراف جماهير يسار اليسار التي تخلت عن مرشحها من أحزابها وأعطت صوتها لرويال. والقلق من البحث عن السند لدي يمين الوسط عبرت عنه ماري جورج بيوفيه، سكرتيرة الحزب الشيوعي، صراحة والكثير من قادة يسار اليسار. فالكثير من كبار كوادر الحزب الاشتراكي غاضبون ويرون أن استراتيجية بايرو هي أن يحل حزبه الديمقراطي محل الحزب الاشتراكي وهي استراتيجية مماثلة للتي اتبعها فرنسوا ميتران ليحل الحزب الاشتراكي محل الشيوعي. وان الحزب الاشتراكي سيفقد هويته خاصة إذا التزمت رويال بوعدها بالسماح لوزراء في الحكومة الاشتراكية، لو كسبت، من يمين الوسط.. وربما ما يغضب كبار الحزب الاشتراكي هو أن رويال تتخذ قراراتها بدون مناقشة مسبقة مع اللجنة المركزية للحزب وتفرض علي الحزب الأمر الواقع الذي عليه أن يدافع عنه برغم عدم موافقته عليه.

فما يمكن أن تكسبه رويال من يمين الوسط قد تخسره من يسار اليسار الذي أعطاها صوته في المرحلة الأولى من الانتخابات. ولا توجد معجزات إذ يرى البعض أن الغاية ألا يصل ساكوزي أيا كانت الوسيلة. والبعض يرى من الأفضل ألا تضحي رويال باليسار وأن يلتحق بها المعتدلون الذي يدركون المخاطر من نيكولا لو بن كما يسميه البعض!

ولعل أهم ما ينتج من هذا الانفتاح الفريد بين اليسار ويمين الوسط تجسد في دعوة هنري ايمانويلي، أحد كبار الحزب الاشتراكي، بتأسيس حزب تقدمي كبير يجمع ويعبر عن مناهضي الليبرالية وعن الإصلاحيين من اليساريين ويدافع عن العلمانية وتنظم السياسة الاقتصادية للسوق وإعادة التوزيع وتقديم حل تقدمي لسياسة الهجرة.

وقابل ساركوزي الحوار بين بايرو ورويال بعصبية وغصب ومحاولة منع وقوعه باستخدام كل وسائل الضغط لدى أصدقائه الذين يسيطرون على وسائل الإعلام الكبرى ونجح جزئيا إذ أن شبكة تلفزيونية صغيرة هي التي نقلت الحوار على الهواء. ووصف ساركوزي الحوار بأكثر الكلمات خبثا عن المؤامرة والثرثرة في فندق باريسي.. وتابع استراتيجيته التي يدعي فيها أنه تغير أو كما تقول جريدة لوكنار انشينيه الساخرة : فبعد أن ردد ساركوزي شعارات اليمين المتطرف وشعارات اليسار والخضر وكلمات بابا الفاتيكان لم يبق له إلا شعارات هوجو شافاس، رئيس جمهورية فنزويلا !

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك