الصفحة الرئيسية > الاتحاد الأوربي > لماذا يرفض اليسار دستور أوروبا الموحدة ؟.. بقلم : مصطفى نورالدين

لماذا يرفض اليسار دستور أوروبا الموحدة ؟.. بقلم : مصطفى نورالدين

بشر بجريدة التجمع - القاهرة - 2005

2005, بقلم مصطفى نور الدين عطية

‏ لماذا يرفض اليسار دستور أوروبا الموحدة ؟.. بقلم : مصطفى نورالدين

احتمال رفض الدستور الأوربي في الاستفتاء العام بفرنسا يوم 29 مايو يربك القوى السياسية الحاكمة فبدأت حمالاتها على الطريقة الأمريكية لمواجهة موجة الرفض التي تتوقعها مراكز دراسات الرأي العام. وبرغم توزيع 43 مليون نسخة من الدستور في صناديق بريد من له حق التصويت فمن الأكيد أنه لن يكون القراءة الجماهيرية المفضلة.

فالدستور الوقع في نحو 400 صفحة تضم 448 مادة بالإضافة إلى ملحقات وتفسيرات تعادل هذه الصفحات و بلغته التكنوقراطية يحتاج لرجل قانون ولاقتصادي ولمحلل سياسي لكل مواطن للوصول إلى فهم ما يريده بدقة. فهذه الجماهير سوف تكتفي باتخاذ مواقف الأحزاب والنقابات التي تنتمي إليها أو تقرر في أخر لحظة نتيجة لمواقف تعبر عن ضرر شخصي أو فئوي أو طبقي ناجم من تطبيق بنود الدستور على الحياة الاقتصادية والاجتماعية. أي مدى ما لهذا التطبيق من تأثيرات مباشرة على الدخول والتأمينات الاجتماعية والصحية والمعاشات وفرص العمل واحتمالات الطرد والخروج في سوق البطالة وتراجع الحقوق التي حصل عليها المواطن تاريخيا وصعوبة المطالبة بمزيد منها في المستقبل.

تشكل أوروبا الموحدة 450 مليون مواطن تجمعهم 25 دولة. قررت 15 دولة إخضاع القرار إقرار الدستور بواسطة البرلمان بينما قررت باقي الدول اللجؤ إلى الاستفتاء الشعبي المباشر. وحدد أول نوفمبر 2006 لإنهاء الإقرار النهائي الذي يتحتم أن تتم الموفقة عليه من أربع أخماس الدول وإلا أحيلت المسالة مرة أخرى إلى المجلس الأوروبي ويصبح المخرج حينذاك غامض في كيفية مواصلة الاتحاد وهل يعاد صياغة الدستور أم لا.

نعم و لا :

حجج الذين يطالبون الشعب الفرنسي بالموافقة على الدستور الأوروبي تتمثل في شعارات سياسية تحاول بث عدم الخوف من المستقبل الذي سيكون في نظرهم أفضل. والتركيز على المكانة الهامة لفرنسا في المجموعة الأوربية وضرورة الحفاظ على هذه المكانة لخلق أوروبا قوية في مواجهة القوى العظمى المهيمنة على العالم وتلك التي بدأت في الصعود في القارة الآسيوية خاصة الصين ولمواجهة " الليبرالية الجديدة". وكأن فرنسا ليست دولة ليبرالية !

وجانب أخر من شعاراتهم مبني على التخويف من أن تهمش فرنسا في المجموعة الأوربية وبالتالي على الصعيد العالمي إذا رفض الشعب الدستور.. بل تذهب الشعارات إلى حد الفكاهة حينما يقول نيكولا سركوزي رئيس الحزب الحاكم " كيف نقول لا وباريس تسعى لاستقبال الألعاب الاوليمبية عام 2012 " !

ولا يمكن إخفاء ضعف الجانب الدعائي للدستور من قبل اليمين الحاكم أولا بالتغيب المقصود في اللقاءات الدعائية لكل البنود التي تتعرض للنقد. فلا احد يحاول تحليل هذه البنود واثبات أن النقد مغالي فيه أو أنه غير صحيح ويدلل على ذلك فعليا.. فقط يتم الاكتفاء بمهاجمة المنادين برفض الدستور بأنهم أعداء أوروبا أو يعيشون في عالم تولى، إلى أخر النعات دون الدخول إطلاقا في نقاش حقيقي حول الجوانب السلبية وكأن الدستور معصوم.

الصعوبة الأساسية في اتخاذ موقف واضح ناجم أيضا عن تمزق القوى السياسية ذات التوجه الإيديولوجي المشترك حول تفسير مواد الدستور وتأويلها ففي الواقع يقبل النص في الكثير من الفقرات التأويل ونقيضه إلى جانب أسلوب في الصياغة يرسل القارئ من مادة إلى أخري و من هذه المادة إلى ملحق إضافي ومن الملحق إلي نص تفسيري .. بحيث تصبح محاولة التوصل إلى فهم دقيق عملية شبه مستحيلة !

والخلط يتأتى أيضا من أن الذين يطالبون الشعب برفض الدستور ليسوا فقط من القوى اليسارية وإنما أيضا شرائح هامة من القوى اليمينية. فاللبس وعدم الوضوح يربك الجميع. ولذا يلزم توضيح الاختلاف بين "اللاءات" التي يقول بها اليمين بتياراته وتلك التي يستند إليها اليسار بتياراته.

التيارات الرافضة لنص الدستور الأوربي تتكون من بعض الأحزاب السياسية اليمنية واليمنية المتطرفة بجانب انقسامات في داخل الحزب الاشتراكي علاوة على التكوينات اليسارية المختلفة بدءا من الحزب الشيوعي والحركة الشيوعية الثورية "التروتسكيون" وبعض من تكوينات المدافعين عن البيئة "الخضر" وجمعية أتاك وجمعية كوبرنيك وتشكيلات نقابية وجمعيات أهلية.. الخ

بجانب أن أسباب كل كتلة في الرفض ليست بالضرورة مماثلة للأخرى فقد تتشابه وقد تختلف جذريا حتى داخل كتل الرفض نفسها وليس فقط مع الذين يطالبون بالموافقة. لذا سنحاول التعرض لأكثر المعارضين أهمية من حيث الوزن السياسي بشكل يسمح بتقديم صورة واضحة نسبيا لأسباب الرفض واستنادا إلى مواد الدستور ومحاولة تأويلها من قبل المدافعين عن مصالح الشعب ومكتسباته وحركة التاريخ الممكنة في المستقبل.

فالتمزق الذي يحدث في الساحة السياسية ينعكس ليس فقط في داخل اليمين الحاكم وإنما أيضا داخل الحزب الاشتراكي الذي يمثل التيار الليبرالي ذو الواجهة الإنسانية. فسياساته منذ توليه الحكم عام 1981 إلى موت ميتران وفي ظل كل الحكومات الاشتراكية المتعاقبة لم تقدم إلا مسكنات للمشاكل الاجتماعية ولم تنتف في ظله الجوانب السلبية للرأسمالية التي لم يدعي بأنه يقدم لها بديلا اشتراكيا في أي لحظة إلا عبر الخطاب الدعائي ساهمت فيه تحالفات الحزب الشيوعي الفرنسي بتنازلاته التاريخية.

وما يعنينا هنا أن الحزب الاشتراكي كان المحرك الأساسي في تشكيل الوحدة الأوربية في عهد فرانسو ميتران وحاول الحفاظ على البعدين الاجتماعي والاقتصادي معا. ولكن يأتي نص الدستور الأوروبي الراهن الذي اشرف عليه الرئيس اليميني الفرنسي السابق جيسكار دستان ليكون في مجمله ، باستثناءات قليلة، معاهدة اقتصادية ليبرالية بين 25 دولة.

ولذا نجد من بين المعارضين لهذا الدستور جناح من الاشتراكيين يقوده شيفنمون الذي شكلا تيارا مستقلا منذ عدة سنوات كانشقاق من الحزب الاشتراكي الذي شغل فيه اعلى المناصب ووزيرا في الحكومات الاشتراكية مرات متعددة

من يقولون لا :

و نتوقف أساسا عند موقف اليسار والجمعيات المطالبة بنظام دولي بديل لذلك الذي تفرضه الرأسمالية العالمية ولبراليتها الجديدة. والوقوف عند تحليلات هذا التيار (جمعيه اتاك وكوبرنيك على سبيل المثال) يرجع لأنه التيار الوحيد الذي يقوم بقراءة دقيقة لبنود الاتفاقية للدفاع عن المصالح الفعلية للمواطنين ولا يستند إلى خطاب دعائي ديماجوجي.

هل العلمانية في خطر ؟ :

من الهام التوقف عند تعرض الدستور الأوربي لمسألة الديانات لما تسببه من نقاش هام في فرنسا التي تحتفل في ديسمبر من هذا العام بالعيد المئوي لانفصال الدولة عن الكنيسة. لقد تكررت في الدستور الأوروبي كلمة دين وديانات 13 مرة في حين أن الدستور يعبر عن دول منها من له توجه علماني. فطبقا لنص لمادتين: " الدستور يقر باحترام المكانة التي تحتلها الكنائس والجمعيات والمؤسسات الدينية في الدول الأعضاء. ويقر بأن كل فرد يتمتع بحرية الفكر والاعتقاد والدين. وان هذا الحق يتضمن حق التحول من ديانة إلى ديانة أخرى أو تغير عقيدته. يضاف له حق الفرد في إظهار دينه أو عقيدته بشكل فردي أو جماعي في المحيط العام أو الخاص عبر الممارسات والتدريس والشعائر..."

هذا النص يثير التناقض مع القانون الفرنسي الذي يمنع إظهار الانتماء الديني بشكل سافر في الأماكن العامة ( المدارس والمصالح الحكومية...) والذي جاء لإيقاف تفشي ارتداء الحجاب وان كان ينطبق أيضا على الديانات الأخرى اليهودية والمسيحية والسيخ فيما يتعلق بالعقال الذي يلبسه الرجال. فهل سوف تضطر فرنسا إلى التراجع عن إقرار ما يطالب به الدستور الأوربي وإعطاء كل فرد حق إظهار ديانته أم لا ؟ السياسيون يقولون لا فماذا سيقول رجال التشريع والدستور ؟

حق الحياة :

ومن الأمور التي تثير في المجتمع الفرنسي ما يطرحه الدستور في بند " كل شخص له حق الحياة " والاعتراض يخص بعض القضايا التي ينشغل بها الغرب. القضية الأولى تتعلق بحق الإجهاض الإرادي الذي سنت له العديد من الدول قوانين ينظمه بينما تعارضه بحدة دول أخرى.

فان كان في فرنسا قانونا منذ ثلاثين سنة ينظم عملية الإجهاض فإن كل من ايرلندا والبرتغال لا تعترفان به قانونيا. بل أن ألمانيا تعتبرالإجهاض غير شرعي وان كانت لا تعاقب قانونيا عليه إذا ما حدث في ظل شروط بعينها. وفي بولندا كان الإجهاض ممنوعا ثم أعيد السماح به في حالة تعرض الأم للمخاطر أو في حالة الأجنة التي تعان من عاهات. فالذي يخشاه من يعارضون الدستور أن يسبب ذلك تراجعا في حق النساء في الإجهاض الإرادي.

والقضية الثانية انه إذا كان لكل شخص حق الحياة فان ذلك سيقف عقبة أمام المطالبين بإصدار قانونا للإقرار بحق "الموت الرحيم" للذين يعانون من أمراض لا آمل من شفائها. وجدير بالذكر أن الدستور الأوربي بهذه العبارة يتناقض مع ما تقره العديد من الدول عبر قوانينها الداخلية بحق طلب "نهاية الحياة" أو تدخل الطبيب في ذلك إذا قدر ألا فائدة من مواصلة العلاج. والتناقض في هذا البند يتجلى على سبيل المثال مع القانون الفرنسي الذي تم إقراره الأسبوع الماضي في حق طلب إيقاف العلاج ورفض الإقرار بقانون يوافق على "الموت الرحيم" في حين انه في دولة مثل بلجيكا تم الإقرار بحق الموت الرحيم منذ عدة سنوات بل انه تم الإقرار يوم 18 ابريل الجاري بتجهيز الصيدليات العامة "بالمادة الضرورية للموت الرحيم" لتكون تحت تصرف الطبيب العام لإعطاء الموت لمن يريد ، أي المساعدة على الانتحار لأسباب المرض العضال.

الليبرالية دون حدود :

لو تركنا جانب هذه القضايا الجزئية فمن أين تأتي الخطورة حقيقة ولماذا ؟ إن نص الدستور يلوح وكأنه نسخة من ميثاق صندوق النقد الدولي أو المنظمة العالمية للتجارة بحسب تعبير برنار كاسن ، رئيس تحرير لوموند دبلوماتيك والرئيس الشرفي لجمعية "أتاك". حيث تكررت كلمات (بنك) 176 مرة و(سوق) 88 مرة و (تطبق اللبرالية أو ليبرالية) 9 مرات و (منافسة وتنافسية) 29 مرة و (رؤوس الأموال) 23 مرة و(تجارة) 38 مرة و (سلعة) 11 مرة.

فالدستور الأوربي يفرض نظاما اقتصاديا ليبراليا في بنوده المتعددة في الفصل الثالث بحيث تصبح الليبرالية الأسلوب الوحيد لآليات الاقتصاد في الدول الموقعة عليه جميعها. وبالتالي يستحيل تصور حدوث تحول اجتماعي اقتصادي مغاير للنظام المطروح والمعبر عنه بأنه نظام "يقوم على السوق الحرة والمنافسة الفعلية وليست الشكلية". فالدستور يقوم بإيقاف حركة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي عند تصور أحادي لكل الدول وبشكل دائم. فلا إصلاحات اجتماعية تتناقض مع النظام الليبرالي ولا أي احتمال لبديل آخر تقوم بها الشعوب في الدول الموقعة على اتفاقية الدستور.

بل أن مادة من الدستور تنص على انه " ليس متفقا مع آليات السوق الداخلي أن تتدخل الدول الموقعة بمساعدة أو دعم أي قطاع داخلي بأي صورة من الصور بحيث يؤدي إلى تهديد المنافسة وجعلها غير حقيقية لأي مشروعات أو لقطاع إنتاجي ما." أي عدم دعم أي قطاع عام أو المشروعات الصغيرة.

بل أن الدستور لا يتعرض في أي بند من بنوده لكلمة " القطاع العام" وتحول المصطلح إلي " الخدمات ذات الفوائد الاقتصادية العامة". وهو توجه يسعى إلى الخصخصة وتحويل قطاع الخدمات العامة من تعليم وصحة ومواصلات واتصالات ... إلى قطاعات محكومة بمبدأ الربحية و"المنافسة الحرة وليست الشكلية".

ينص الدستور على حق المشروعات أن تنزح إلى الاماكن التي تكون بها الأجور منخفضة وتكلفة الإنتاج أيضا سواء كان ذلك داخل مجموعة الدول الأوروبية أو خارجها. وذلك يعني أن المشروعات القومية بامكانها أن تغلق في المجتمع الأم مع ما يسببه ذلك من تزايد إعداد العاطلين عن العمل وذلك من اجل تطبيق مبدأ المنافسة الحرة وغير الشكلية.

علاوة على ذلك فان الدستور يمنع تقييد حركة السلع أو رؤوس الأموال من والي الخارج. وهو ما يعني استحالة التحكم في تهريب رؤوس الأموال أو تطبيق قانون يفرض ضرائب على رؤوس الأموال الداخلة والخارجة للحد من جرائم رأس المال والتهرب الضريبي.

ينص الدستور على ضرورة تحقيق (إصلاحات) تمس قضايا المعاشات والتأمينات الصحية والتعليم وهو ما يشكل عصب فلسفة إعادة الهيكلة والخصصة لمشروعات القطاع العام تحت شعار " التنافس الحر وليس المفتعل ".

ويشكل الدستور الأوربي تراجعا عن حقوق مكتسبة تاريخيا في المجتمع الفرنسي. فهوإن كان ينص على " الاعتراف واحترام حق الحصول على عون التأمينات الاجتماعية والخدمات الاجتماعية" فإنه لا يقول بضمان هذه الحقوق مثلما هو الأمر في الدستور الفرنسي الذي يعطي ضمانات فعلية لكل مواطن بهذا الشأن. بل أكثر خطورة من ذلك فالدستور لا يجبر الدول التي لا تضمن حقوقا بشأن التأمين الصحي وغيره أن تخلق مثل هذه الخدمات في المستقبل أسوة بالدول التي تطبقها.

اتفاقية آبدية :

من اخطر البنود التي تتعرض للنقد في الدستور الأوربي ذلك الذي ينص على أن اتفاقية الدستور " تم الاتفاق عليها إلى اجل غير مسمى" أي لا يمكن إحداث أي تعديل مستقبلي بها. وان كان هناك استثناء من الممكن أن يعطي الإمكانية لإحداث تعديلات جزئية فان هذا يتطلب أن توافق كل الدول الأوروبية بالإجماع على ضرورة طرح مثل هذا التعديل.. أي عمليا يكفي أن تعترض دولة واحدة ليستحيل الأمر.

ويطرح الدستور إمكانية أخرى لإحداث تعديل بإصدار قانون جديد مكمل للدستور أو تغير مادة ما وذلك بان يوقع مليون مواطن من دولة ما على وثيقة تطالب بذلك ولكن هذه الوثيقة لا تلزم اذا لم بالنظر في هذا الطلب الشعبي.

وخطورة اعتبار الوثيقة نهائية وأبدية يتأتى من تناقضها مع المادة 28 من ميثاق حقوق الإنسان والمواطن (1789) الذي ينص على انه " من حق الشعب الدائم أن يعيد النظر في الدستور وان يحدث به إصلاحا وان يغيره".

في حالة الموافقة على الدستور يكون من المستحيل في ظل نظام سياسي مغاير، اشتراكي مثلا، إتباع سياسة اقتصادية مغايرة لتلك التي نص عليها الدستور الأوربي، أي سياسة ليبرالية قائمة على حرية السوق المفتوح و "التنافس الفعلي وليس الشكلي". يضاف لذلك الدور العلوي للبنك المركزي الأوربي الذي ينص الدستور على استقلاله الكامل عن كل الدول الأعضاء وعن كل المؤسسات القومية وحقه في الرقابة على ميزانيات الدول. فهذا الدور يمنع أي دولة من إحداث أي إصلاحات داخلية أو دفع للاقتصاد المحلي بمساعدة المشروعات الصغرى لفترة قصيرة بإعفائها من الضرائب ، إذ سوف يتعارض حينذاك مع مبدأ التنافس الحر وليس الشكلي.

قوة الوحدة أم تعدد القوى السياسية ؟ وزير خارجية أوروبي أم وزراء دول مستقلة ؟ موقف واحد في الأمم المتحدة بأسم الدول الأوربية أم تعدد المواقف ؟ أسئلة وضع الدستور لها الشكل النهائي عبر تسمية وزير خارجية أوروبي بيده القرار النهائي على الصعيد العالمي؟ فهل يعني ذلك نهاية للسياسات الخارجية الخاصة بكل دولة أمام الأزمات العالمية أم سنرى ذات التمزق مثلما تجلى في الحرب ضد العراق وخروج العديد من الدول عن الطاعة الأوروبية والانطواء تحت لواء الطاعة الأمريكية ؟ ولذا فالتناقض الكبير الذي يظل ماثلا في الدستور الأوروبي هو استمرار العمل في ظل لواء حلف شمال الأطلسي برغم ما يقال بسياسة دفاع مستقلة عن الولايات المتحدة.

أوروبا موحدة ابنة الفكر الفرنسي، قوة ضرورية في مواجهة القوي العظمى التي تتحكم في مصير العالم وأخرى تتكون.. الرفض الفرنسي للدستور الأوربي يعني تهميش فرنسا داخل دول الوحدة الأوروبية ولكنه لا يعني نهاية أوربا. فعلى الذين صاغوا الوثيقة أن يتراجعوا عن طابعها الدوجماطيقي.

إن الاستطلاع الذي نشر يوم 18 ابريل الحالي وبعد لقاء الرئيس جاك شيراك مع 83 من الشباب في حوار مباشر في التلفزيون لساعتين من الزمن اظهر أن خشية الشعب حقيقية وتزايدت نسبة من لديهم نية رفض الدستور فأصبحت 55 في المئة. وعبرت ذات النسبة عن قناعتها بان أحوالها سوف تتدهور في ظل هذا الدستور بينما اعتقد 27 في المئة أن أحوالهم قد تتحسن و10 في المئة قالت بأن ذلك لن يغير شيئا.

في أحيان كثيرة يرسم الحكام استراتيجية مبنية على تصور أن نجاحهم في الانتخابات الرئاسية بأغلبية أو امتلاكهم لمعظم مقاعد البرلمان يشكل ورقة رابحة في الاستفتاء الذي يطرحونه على الشعب. ولقد أخطاء شيراك في فترة الرئاسة الأولى بحل البرلمان للتخلص من الغالبية الاشتراكية- الشيوعية وكانت النتيجة عكس ما توقع إذ نجح اليسار واضطر للتعايش مع الاشتراكيين وتسمية رئيس وزراء اشتراكي " جسبان".

ويعيد شيراك نفس الغلطة الآن إذا كان بقدرته عرض الدستور على البرلمان الذي يتمتع اليمين فيه بغالبية ساحقة وكان ضمان الموافقة على الدستور أكيدا. ولكن يلوح أن نجاحه الساحق في الانتخابات الرئاسية السابقة في مواجهة اليمين المتطرف " جان ماري لوبن" يعطيه الإحساس أن غالبية الشعب الذي صوت له ، في الواقع لرفض هذا اليمين المتطرف، سوف يعيد التصويت في الاستفتاء القادم في مايو على الدستور بالموافقة عليه.

وهنا يلعب شيراك بورقه ليست رابحة أكيدا ذلك أن الفرنسيين سيخلطون بين نص الدستور المطلوب الموافقة عليه أم لا والموقف من السياسة الداخلية التي تتبعها الدولة في ظل اليمين الحاكم والتي لا تكاد تحصى لها أي إجابيات بل إن السلبيات تتزايد من تراجع الحقوق المكتسبة تاريخيا إلى تزايد مستمر في المشرعات التي تتعرض للإغلاق والارتفاع المستمر في عدد العاطلين عن العمل...

وربما يؤخذ على اليمين الحاكم الذي اختار طريق الاستفتاء الشعبي إدانته للذين يطالبون برفض الدستور. فمجرد طرح فكرة الاستفتاء تعني أن للشعب أن يقول لا وليس مجبرا أن يقول نعم. الأصوب في هذه الحال أن يبذل كل من الطرفين كل الجهود لتفسير ما هو غامض في نص يتبارى المتخصصين في فهم فحواه ومقصده.

ومن الأخطاء الكبرى التي وقع فيها الذين صاغوا نص معاهدة الدستورغلق باب تغيير ما لا يراه الشعب متفقا مع مصالحة بل معارضا لها. فالشعوب في أول المطاف وفي نهايته هي صاحبة الكلمة النهائية وليس لمجموعة من البيروقراطيين والتكنوقراطيين أن يفرضوا مسار التاريخ البشري على ملايين من الجماهير. وليس على الحكام أن يطلبوا من الشعب أن يختار ويفرضوا عليه أن يقول نعم... آمين !

والدستور الأوربي في نهاية المطاف ليس إلا خلاصة لكل المعاهدات والاتفاقيات الأوربية منذ نصف قرن والطابع الليبرالي فيه هو استمرارية ولكن هذه النسخة الأخيرة تحاول غلق أبواب التاريخ على الشعوب.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك