الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > أزمة الرسوم البذيئة بين دولة القانون وحرية التعبير والإثارة... بقلم : مصطفى نور (...)

أزمة الرسوم البذيئة بين دولة القانون وحرية التعبير والإثارة... بقلم : مصطفى نور الدين

بشر بجريدة التجمع - القاهرة - ١٨ فبراير ٢٠٠٦

السبت 18 شباط (فبراير) 2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

أزمة الرسوم البذيئة بين دولة القانون و حرية التعبير والإثارة... بقلم : مصطفى نور الدين

بشر بجريدة التجمع - القاهرة - ١٨ فبراير ٢٠٠٦

لا تصدق أعين الملايين من المواطنين في الغرب ما يشاهدونه من غضب المسلمين لمجرد رسوم "كاريكاتيرية". فلقد تعودوا على مثل هذه التجاوزات فيما يتعلق بالديانة المسيحية منذ عقود طويلة وخاصة منذ فصل الدولة عن الكنيسة. وقد مس التجاوز أيضا الكتابات الأدبية و الفكرية و العلمية.

ويلزم التحذير من فخ يلخصه المثل القائل "لا تلقي ماء الغسيل والطفل الذي به أيضا". فالقضية هنا محصورة في بعض الأفراد وبعض الصحف ووسائل الإعلام وليس في الغرب برمته كشعوب. فليست تلك أول مرة يرسم كاريكاتير بهذا المحتوى وما يميز هذه المرة هو الإصرار على القول بأنه دفاع عن حرية التعبير بينما من يقولون بذلك هم أول من يعرفون بوجود حدود بتجاوزها يفقدون عملهم ويتعرضون للغرامات الفادحة.

فهذه الرسوم خالية من أي فكاهة ولا تبعث على ابتسامة فمن بين الرسوم لشخص أسموه "النبي" بغطاء رأس مكتوب عليه "لا الله إلا الله محمد رسول الله" وغطاء الرأس في صورة قنبلة بفتيل مشتعل. و آخر يصور شخص في "الجنة" يقول للشهداء "توقفوا .. توقفوا.. لدينا نقص في الحوريات". ورسم ثالث يضع هلالا على رأس من يسميه "النبي"، مثل الهالة المضيئة المعهودة على رأس القدسيين. ولكن رسم الهلال بحيث يعطي صورة قرنين أي صورة الشيطان في الرسوم والتماثيل التقليدية. فهذه الرسوم تنفي حسن نية الراسمين ورسالتها محددة وهي أن الإسلام يدعو لما يسمى في الغرب "بالإرهاب".

وتبارت بعض الصحف وشبكات الانترنيت في إعادة نشر الرسوم إما بدعوى الدفاع عن حرية التعبير ومساندة الجريدة الدانمركية أول من نشر الرسوم في سبتمبر الماضي أو بحجة إعلام المواطنين عن سبب تفجر المشكلة. وفي فرنسا أول من أعاد نشر الرسوم كان جريدة "فرانس سوار" التي يملكها رجل الأعمال الفرنسي- المصري ريمون لاكاح الذي طرد مدير تحرير الجريدة في مساء يوم إعادة نشره لرسوم الكاريكاتير في أول فبراير. وقامت كل من جريدتي لوموند وليبراسيون بنشر بعض الرسوم بينما نشر موقع المجلة الأسبوعية "كورييه انترنسيونال" وكذا مجلة "نوفيل اوبزرفاتير" كل الرسوم وأظهرت معظم قنوات التلفزيون الفرنسي الرسوم في نشراتها الإخبارية الأساسية.

وجاءت الإثارة الفعلية من قرار جريدة أسبوعية ساخرة شهيرة "شارلي ايبدو" بإعادة نشر الرسوم يوم 8 فبراير ويتصدرها رسوم إضافية لشخص اسماه الراسم "محمد" يضع رأسه بين كفيه ويقول: " ما أصعب أن تكون محبوبا من بلهاء" وذلك كتعليق على العنف الذي يحدث كرد فعل في العالم.

ولم توافق المحكمة الباريسية التي اجتمعت مساء عشية يوم نشر الجريدة على منع إصدار العدد بناء على دعوى من الهيئات والجمعيات الإسلامية في فرنسا وذلك لعدم تقديم البيانات الإدارية الكاملة لهذه الهيئات ولعدم تقدمها بطلب مسبق إلى مدير تحرير الجريدة لمطالبته بعدم نشر الرسوم. (تبيع الجريدة عادة نحو 60 ألف نسخة وستتجاوز مبيعات هذا العدد النصف مليون نسخة وهو ما لم يحدث من قبل منذ صدورها عام 1960).

ولقد قررت منظمات إسلامية متعددة في فرنسا بالإضافة إلى جمعية "مناهضة العنصرية ومعادة السامية والدعوة للصداقة بين الشعوب" العلمانية إلى رفع دعوى ضد الجرائد الفرنسية التي إعادت نشر الكاريكاتير.

أما عن ردود الفعل فهي تتراوح بين تفهم أسباب الغضب أو عدمه ولكن اعتبار ردود الفعل مبالغ فيها وتحركها الجماعات الدينية والحكومات التي تعاني من أزمات داخلية وتريد استخدام الفرصة لركب الموجهة لرفع مستوى شعبيتها. ويتم التركيز بطبيعة الحال على كل من سوريا وإيران ولبنان وفلسطين..

ولكن ذلك لم ينف صعود أصوات منصفة بالقول بان الإثارة تجاوز الحدود فاكثر من 54 في المئة من الفرنسيون يرون فيه إهانة للإسلام. ودافعت كل التيارات السياسية على أهمية حرية التعبير ومن ناحية أخرى أدانت كل التيارات السياسية والدينية المسيحية واليهودية الرسوم باعتبارها تجرح شعور المسلمين. باستثناء طبيعي من التيار اليميني المتطرف الذي عاود الكلام على ضرورة مناهضة "أسلمت فرنسا".

وقد أدلى الرئيس شراك بتصريح في اجتماع مجلس الوزراء الأسبوعي بأنه "يلزم تجنب ما يجرح المشاعر الدينية." وأدان إعادة نشر الرسوم واصفا ذلك بأنه "إثارة متعمدة تجرح المشاعر فعليا". وصرح رئيس تحرير "شالري ايبدو" "بصدمته" لتصريح شيراك.

وخرج يوم 11 فبراير آلاف من المسلمين في مظاهرات سلمية احتجاجا على تشويه صورة الإسلام المقصودة والمطالبة بقانون يحمي كل الأديان من التعرض لها مثلما هو الحال بالنسبة للجاليات اليهودية. ففي لندن شارك نحو في المظاهرة (4 آلاف) تقدمهم عمدة المدينة كن ليفينجستون وفي باريس (7 آلاف) وكذا عدة آلاف في كل من برلين بالمانيا وبرن بالنمسا وأمستردام بهولندا.

وقد استقبل الدكتور دليل بوبكير رئيس جامع باريس سفير الدانمرك بالعاصمة الفرنسية يوم 12 فبراير الذي سلمه رسالة تأسف من رئيس وزراء بلاده ورسالة اعتذار من مدير تحرير جريدة "جيلاندز بوستين "الدانمركية التي نشرت الكاريكاتير في سبتمبر الماضي لأول مرة.

فالسلطات السياسية الأوربية في ورطة لأنها في الغالب لا تتدخل في قضايا النشر مباشرة إلا في حالات نادرة. فهي لا تتدخل إلا بسن قانون يمنع تناول قضية ما إلا على نحو محدد وهو ما يزيد من الاعتراض عليها من بين المطالبين بحرية فكرية كاملة. والمثال على ذلك هو قانون "جاسو" في فرنسا وله نظيره في العديد من الدول الأوربية بمنع التشكيك في "غرف الغاز". فلا تجرؤ صحيفة واحدة للتلويح بهذه القضية. وكذا يمكن أن تمنع السلطة السياسية نشر خبر تعتبره على علاقة بالأمن القومي مثلما منعت بريطانيا منذ شهور قليلة مواصلة نشر مشروع الولايات المتحدة لضرب محطة تلفزيون الجزيرة في قطر.

فمنذ محاكم التفتيش ومرورا بعصر التنوير دفع الكثير من المفكرين والفلاسفة والعلماء سنوات سجن أو نفي أو منع لكتبهم. ونذكر فقط العالم جاليليو والمفكرين روسو وديدرو والشاعر بودلير كأمثلة للتعبير بما لا يقر به العرف والعقيدة كل في زمانه. ويضاف إلى هؤلاء الكثير في مجال الفن التشكيلي والسينما. ولذا جاء عصر التنوير ليفتح الباب لاجتهاد في المعارف تبتعد بالتدريج عن كل فكر مسبق.

فلقد كانت المواجهة في الماضي تقررها بالفعل السلطات الروحية والسياسية ثم بعد استقرار العلمانية تحولت المسألة إلى يد المجتمع المدني. وأصبحت الجمعيات الأهلية "المدنية" والأفراد هم القوى التي تدافع عن القيم التي تتبناها وتتقدم بالتظلم من التعدي على هذه القيم إلى القضاء المدني الذي يحكم بناء على التشريع الوضعي في هذه الخلافات. وتنفذ أحكام القضاء بدءا من تحريم نشر كتاب أو تغريم الكاتب أو الصحفي والجريدة ونشر اعتذار إجباري...

فالقضاء هو الحكم الأساسي في "دولة القانون" وهو الذي يرجع إليه من يقدرون انه تم المساس بهم بالتشويه أو بنشر معلومات كاذبة أو تضرروا مما نشر حولهم لتعلقه بحياتهم الخاصة. أيضا توجد القوانين المنظمة للإعلام وتضع المسؤولية على الكاتب ومدير تحرير الجريدة أو المجلة أو دار النشر محل الطعن.

المسيحيون الأوربيون يحتجون أيضا :

المسيحيون الأوربيون يدافعون أيضا عن قيمهم ولكن ليس بحركات جماهيرية. ففي معظم أوربا لا نخرج الجماهير للدفاع عن القيم الدينية إلا في حالات نادرة مثل الإجهاض في بعض دول أوربية. فالذي يقوم بالاعتراض هي الجمعيات والكنائس التي تصفها الصحافة بالمتشددة أو بالمحافظة.

والقائمة طويلة في رفض الأفلام والصور ونتوقف عند بعضها فقط. فنذكر من ذلك الاحتجاج على فيلم Last Temptation of christ للمخرج Martin Scorcese الذي أثار ضجة عام 1988 ولم يمنعه القضاء ولكن تعذر طوال هذه السنوات عرضه في دور السينما نتيجة للتهديدات التي تتعرض لها خاصة وانه تم تفجير قنبلة حرقت دار سينما في قلب باريس وجرح العشرات. بل إن القنوات التلفزيون العام لم تعرض الفيلم لأول مرة إلا منذ عدة شهور في ساعة متأخرة من الليل فقد عارضته الجمعيات المسيحية المتشددة في فرنسا.

ومن الأمثلة أيضا منع أفيش دعاية للملابس الجاهزة بإعادة تشكيل لوحة "العشاء الأخير" للفنان الإيطالي ليوناردو دافينشي في القرن الخامس عشر. فقد بدل مصمم الأفيش شخصيات اللوحة بنساء في أوضاع تماثل لوحة دافينشي وأضاف جسد نصف عار يحتضن امرأة في خلفية المنظر. وقامت حملة في بعض الصحف الأوربية من ايطاليا إلى أسبانيا وفرنسا وانجلترا... ضد "الأفيش" وتم منعه بناء على طلب جماعات مسيحية وصفتها الصحف بالمتشددة. وقالت محكمة باريس في 8 ابريل 2005 بشأن المنع لأنه "يهين بشدة المشاعر الدينية والعقيدة المسيحية".


اليهود في الغرب يحتجون كذلك :

الانتقائية التي تمارسها السلطة السياسية لا شك فيها ونضرب على ذلك بعض الأمثلة وكلها تصب في محور أساسي هو الاتهام بمعادة السامية أو الدعوة لأفكار إسلامية متطرفة أو لأفكار نازية..

فلم يرفض القضاء الفرنسي إعادة بث شبكة تلفزيون "المنار" التابع لحزب الله اللبناني في فرنسا بناء على دعوى مقدمة من جمعيات يهودية لأنه قدم مسلسل اعتبرته معاد للسامية. وبرغم سماح القضاء لإعادة البث توجه اللوبي الصهيوني بطلب إلى السلطات السياسية التي تدخلت لدى السلطة المنظمة للبث الإذاعي والتلفزيوني في فرنسا فقررت هذه السلطات منع البث مخالفة بذلك الحكم القضائي.

وبرغم أن الغناء على حرية التعبير يتكرر في كل حديث فان لم يكن حقيقيا أيضا بالنسبة للعديد من شبكات الانترنيت التي تم إغلاقها عالميا لأنها تضع في متناول المستخدمين كتب في التاريخ أو السياسة تدخل تحت معادة السامية أو نشر أفكار نازية أو نافية لغرف الغاز. واشهر هذه الشبكات التي منعت منذ عدة شهور موقع aaargh.com.

ونذكر أيضا بما حدث للمخرج Mel Gibson عام 2004 بالنسبة لفيلم The passion of Christ. حيث عارضته الجالية اليهودية الأمريكية وتعرضت دور العرض للحرق أيضا في الولايات المتحدة.

ولا يكاد يكتب أي مفكر رأيا مخالفا لما يقال عن غرف النازية إلا وانهال الهجوم عليه ومقاضاته بتهمة معادة السامية برغم أن الأمر يخص البحث التاريخي وليس طعنا في الدين اليهودي. فهنا يظهر التعامل بشكل انتقائي ومتحيز لا يثير إلا السخط المنطقي من الجاليات العربية المهاجرة وكل المفكرين الموضوعيين على السواء.

ففي كل الحالات في الزمن المعاصر لا تتدخل الدولة كسلطة سياسية في أي من هذه المسائل الخلافية. ولكن ذلك لا ينفي أن هناك جهات رقابة على المصنفات والإعلانات والكتابات والسلوك ودورها هو عدم تجاوز الحدود ولكن كلمة الحدود هنا كلمة نسبية تماما ويتغير فحواها بشكل سريع مع تغير القيم الاجتماعية الفردية وتأصلها لتصبح قاعدة جديدة يتأقلم معها العرف والقضاء.

وهناك خلط واستخدام مغلوط للعلمانية ولحرية التعبير. فالعلمانية تعني فصل السلطة السياسية للدولة عن السلطات الروحية. ولا تعني مهاجمة العقائد ولكن حرية ممارستها دون تدخل من الدولة.

فهذه الحرية تخضع لقوانين صارمة تلزم أمانة نقل الأخبار وعدم التعدي على الأخر بتشويه صورته أو سمعته أو التعريض للآخر لاختلافه في الدين أو لون البشرة أو لانتمائه لأمة أخرى أو التعرض للجنس الآخر "المرأة" أو إدانة الميول الجنسية الشخصية إلى أخره...

لقد استطاع بعض "المشاغبين" صرف الطاقات الشعبية العربية والإسلامية عن توجيه كل هذه الاحتجاجات على احتلال الأراضي وتقتيل المسلمين وغير المسلمين منذ زمن طال وتآمر وصمت مخزيين. فلقد أراد البعض إشعال حربا بين الأديان ومنها " الحرب الصليبية" التي قال بها جورج بوش ذاته بعد 11 سبتمبر ولا أحد يعرف أين ستصل هذه الحروب بالشعوب التي لم تعمل على إشعالها ولا تريدها. وتحاول الولايات المتحدة من طرفها مستغلة الغضب في العالم الإسلامي للاستمرار في الاحتفاظ بأوراق الضغط التي بدأت تلعب بها ضد كل من إيران وسوريا ولبنان وفلسطين بالاتهام بمسؤوليتهم عما ما يحدث من احتجاج عالمي. وهي محاولة إعادة الإمساك بالخيوط التي حولتها اللحظة التاريخية غير مناسبة لعدوان سريع ضدهم لأنه سيكون استمرارا للعدوانية على شعوب إسلامية بشكل مباشر هذه المرة.

إن المهانة الفعلية للثقافات بما فيها الأديان وللبشر الذين ينتمون لها بدأت بالتقتيل الذي يقع في فلسطين والعراق ولبنان أفغانستان وقريبا في سوريا وإيران فهذه هي المهانة العينية التي تفتح الأبواب لكل المهانات الأخرى الراهنة والآتية.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك