الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > قمة الثماني وتفجيرات لندن موسيقى وقنابل ودموع... بقلم : مصطفى نور الدين

قمة الثماني وتفجيرات لندن موسيقى وقنابل ودموع... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع - القاهرة - في يوليو ٢٠٠٦

2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

قمة الثماني وتفجيرات لندن موسيقى وقنابل ودموع... بقلم : مصطفى نور الدين

حصدت القنابل في لندن حياة عشرات شارك بعضهم قبل أيام في حفل موسيقي لم تشهده العاصمة البريطانية في تاريخها ضد الفقر وضد الحرب. وبالتأكيد منهم من شارك في مسيرات منذ سنوات تضامنا مع قضايا العالم الثالث وضد حكومتهم لتحالفها مع الولايات المتحدة في حروبها..
عزل ماتوا بذات السلاح غير المبرر.. ضد من ليس بيده سلاح وليس بساحة قتال. صورة مكررة من مذبحة صبرا وشاتيلا ومذبحة صربرنيتشا التي ارتكبتها قوات صرب البوسنة ضد ثمانية آلاف مسلم في 11 يوليو 1995 تحت سمع وبصر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة... فمن هيروشيما وناجازاكي إلى لبنان وفلسطين وأفغانستان والعراق نزيف لدماء بريئة مثل تلك التي سالت في 7 يوليو في بريطانيا على أيد تتبنى أسلوب المعتدين وضحيتها مواطنون بسطاء في نفس بساطة وعذرية من تحصدهم القاذفات الأميركية .

أفريقيا: وعود على الورق

ورغم الكارثة التي لحقت بالعاصمة البريطانية أنهى مؤتمر قمة نادي الأغنياء، الذي عقد في ادنبرة عاصمة اسكتلندا، من 6 إلى 8 يوليو- لمناقشة ديون أفريقيا وكيفية مواجهة مشكلة الاحتباس الحراري - أعماله بوعود اقل من تلك التي بشر بها رئيس الوزراء البريطاني. فلم يتم محو ديون الدول الأفريقية ولم يتم زيادة دعم التنمية فورا بمبلغ 50 مليار دولار.
كما لم يحقق نادي الدول الغنية وعده بإيقاف دعم منتجاته الزراعية المتجهة للتصدير لما تسببه من تحطيم لمنتجات البلدان الفقيرة. فالولايات المتحدة تشترط أن تكف الدول الأوروبية عن دعم مزارعيها لتكف بدورها عن دعم المزارعين بالولايات المتحدة. فالمسألة هنا لمن السوق وليست لمن حق الحياة؟. وكان الشعار "سلعتي أولا" ولو كان الثمن تحطيم الزراعة في البلدان المتخلفة التي لا تتمكن من مواجهة المنافسة فيما سمي منذ زمن بعيد بالتبادل غير المتكافئ.

"هم 8 ونحن 6 بليون"

لكن مناهضي العولمة وانصار العالم الثالث لم يتركوا الثمانية الكبار ينعمون باقتسام الغنيمة والصراع حولها فقد حولوا شوارع لندن إلى حركة احتجاج كبرى ضد الاجندة اللعينة.. ولكنهم احتجوا هذه المرة بالموسيقى والغناء!
ولم يتركهم الارهابيون، فقد حولت قنابلهم جهود الآلاف من حركة اعتراض على الجوع والحرب إلى مسيرات عزاء بالشموع والورود للضحايا، وذلك بعد أن صدحت الموسيقى في لندن وفي تسعة بلدان أخرى يوم 2 يوليو وعبأت الملايين في الميادين وخلف شاشات التلفزيون منادية بأن يكون الفقر والحرب من ماضي البشرية! في اكبر مظاهر عودة الوعي الشعبي الأوروبي.
فمنذ عشرين سنة اندلعت في أوروبا حركة ضد العالم الثالث قادها من اسموا أنفسهم "الفلاسفة الجدد" أسسوا جمعية "حرية دون تخوم" وحاولوا تبرئة الرأسمالية من مآسي البلدان المتخلفة من مجاعة وديون وتبعية. فصدرت كتب وعقدت ندوات تحت شعارات: "أسطورة العالم الثالث" وهو كتاب لماوي سابق "جيرارد شيان" و"نحيب الرجل الأبيض" لباسكال بروكنر من "الفلاسفة الجدد".. وتصدى لهذه الحركة المناهضة للعالم الثالث العديد من مثقفين يتمتعون بوعي انساني تاريخي مثل المفكر الكبير، الذي فقدناه الشهر الماضي، كلود جوليان رئيس تحرير لوموند دبلوماتيك حينئذ، وعالم الجيوبولتيك ايف لاكوست والعالم الزراعي رونيه دومو الذي دافع لأكثر من نصف قرن عن البلدان المتخلفة ومن كتبه الهامة "أفريقيا: أني اتهم!" وكذا كتب سوزان جورج (نائبة رئيس اتاك فرنسا حاليا) : "كيف يموت النصف الآخر من العالم" و"استراتيجية الجوع". بالإضافة لكتابات سمير أمين وبيير سلامة وفاليراشتين وجاليانو وصوفي بسيس.. وتزامن مع ذات الفترة صعود صوت جديد لمغني الروك الايرلندي بوب جيلدوف الذي قام بإحياء حفلات فردية من اجل مواجهة المجاعة في إثيوبيا.. وبدأت حركة صعود للوعي الأوروبي تأخذ شكلا يتزايد عبر الموسيقى والغناء المنتمي.
وبجانب الحفلات في عواصم العالم الكبرى للضغط على المجموعة الصناعية الكبرى لالغاء ديون أفريقيا وإنهاء الحروب تشكلت مسيرة من أكثر من 250 ألف مواطن من أنحاء العالم متشحين بالملابس البيضاء جابوا ادنبرة، عاصمة اسكتلندا، رافعين هتاف اعتبار الفقر والحرب من ماضي الإنسانية.
وتزايد هذا الوعي والتعبير عنه في المناسبات التاريخية ليعلن ليس فقط تبرئة الضمير البشري من سياسات الليبرالية التي تطبق باسمه وإنما أيضا ليرفضها كحل لمجتمعاته الرأسمالية ذاتها. ورغم أن موازين القوى تلوح لفترة - ولو طالت - في جانب من بيدهم القوة.. فالتاريخ يبرهن أن عصورا جديدة للانسانية يمكن ان تبزغ.. وهو ما يعبر عن الشعار الذي تردد في المسيرات "هم 8 ونحن 6 بليون".
تعبيرا عن هذا الوعي صدر عن المعارضين لقمة الدول الكبرى وثيقة تنتقد تقرير بلير حول افريقيا.. ردا على تقرير مصلحتنا المشتركة.
ففي تقرير "مصلحتنا المشتركة: تقرير لجنة من اجل أفريقيا" (مارس 2005) الذي ترأسه طوني بلير، تبلورت ما سميت بخطة مارشال لأفريقيا الذي يربط بين المساعدة للتنمية والحكم المثالي الذي يجب أن يعم القارة والقضاء على الفساد.
ولقد قدمت الحركة المناهضة لاجتماع الدول الصناعية الكبرى: "بديل: لتقرير من اجل أفريقيا" تدين فيه السياسات الرأسمالية في أفريقيا والخصخصة كسبب أساسي لانتشار الفقر. وينتقد التقرير الذي تم تحت اشراف بتعاون رجال الأعمال والبنوك وبعض حكام أفريقيا ممن يتفقون مع سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وكذا الاقتصاديين الذين خططوا للخصخصة في روسيا.. ويركز التقرير البديل على أن أفريقيا لن يتم تحررها دون جهود الأفريقيين أنفسهم.. وكان شعار الليلة الفنية العالمية لمكافحة الفقر والحرب "الإنسان لا يطلب الشفقة وإنما يريد العدالة" وهو شعار تردد في لندن وفي جنوب أفريقيا وباريس وموسكو وطوكيو.. وعلى لسان مانديلا الذي أضاف: "انه بمقدرة الدول العظمى أن توقف الجريمة التي تحدث بالتخلص من الفقراء في العالم". ويمكنها أيضا إيقاف جريمة الحروب التي أشعلتها وتريد إشعالها ضد من تدعوهم "محور الشر" من سوريا إلى إيران إلى كوريا الشمالية وربما الصين..

الشرق في قلب الغرب

ورغم ان الارهابيين شوهوا حفل التضامن الا ان هذه القنابل الأربع في قلب العاصمة البريطانية تبرهن على أن الغرب رغم كل تقنيته لم يستطع منع المجزرة والقضاء على العنف.. فالقنابل أفرغت اجتماع "نادي" الكبار لتحوله إلى اجتماع حول "الحرب ضد الإرهاب والدفاع عن قيم الغرب"! استمرارا لذات التحليل الذي لا يريد أن يقول ان هناك علاقة بين ما يحدث هنا وهناك. وان الأمر ليس رفضا لقيم في الغرب ولكن رفض لما يقوم به الغرب من ممارسات تتناقض مع ما يدعيه من قيم.
وان كان بلير قد فلتت منه عبارة بأن هناك مشاكل يجب التوصل لحل جذري لها مثل الفقر وغياب الديمقراطية وصراع الشرق الأوسط لأنها وراء ظاهرة الإرهاب فانه لم يقل من يتسبب في الفقر ومن يؤسس ويساند الديكتاتوريات، ومن خلق الصراع بالشرق الأوسط؟ ومن الذي خلق "القاعدة"؟ ولماذا خلقها الغرب وضد من؟ هل لدى الرجال البيض الأذكياء إجابة ؟!
وان كانت أخطاء الغرب حيال بلدان الشرق الأوسط ترجع للفترة الاستعمارية المباشرة فان الأخطاء التي استمرت في النصف قرن الأخير، وخاصة بعد زرع إسرائيل محل فلسطين، تمت في فترة أولى لضرب كل محاولة تنموية للنهوض، ثم تبعتها بفترة شاركت فيها النظم بالمنطقة في التساهل حيال الأخطاء بل ومباركتها، ودعمها بدعوتها مباشرة لإعادة الاستعمار في شكل يجمع بين القديم والجديد معا.. بالانقلابات وبالجيوش وبالقواعد وبالتحالف في مشروعاته الاستراتيجية. أما عن الديمقراطية فحدث! فانها لا تعنى سوى الحرب ضد الإرهاب! إرهاب من؟!
وفي كواليس الدبلوماسية الدولية ما لا يقال علنا أمام الشعوب للخروج من المستنقع الذي أوقع الغرب وحلفاءه أنفسهم فيه. فهناك حوار أو محاولات لحوار مع المقاومة العراقية يقر بها من يرفضون الحوار مع "الإرهابيين". وهناك خطط سرية للتراجع ولو نسبيا تحت دعاوى مختلفة مثل تحقيق توفير في الميزانية!
ومن الطبيعي أن تكون قضايا الشرق الأوسط في جدول الأعمال قبل أن تنفجر القنابل في لندن وأصبحت أكثر إلحاحا بعدها. إذ ان بلير وهو في طريقه إلى سنغافورة من اجل دعم اختيار لندن لاستقبال الألعاب الاولمبية لعام 2012 عرج على السعودية لمناقشة المستجد في المنطقة من المكانة التي يحتلها حزب الله في السياسة اللبنانية وطبيعة السلطة الجديدة في إيران وما سوف تحمله من مستجدات في موازين القوى في المنطقة. وربما بشكل أخص عن التوجه البريطاني لسحب معظم قواتها من العراق مع نهاية 2006.
فلقد نشرت جريدة "ذي ميل اون سنداي" في 9 يوليو أي بعد انتهاء مؤتمر الدول الغنية وبعد التفجيرات التي وقعت يوم 7 يوليو وثيقة سرية تكشف عن خطة تذهب إلى تخفيض حجم القوات الأميركية والبريطانية في العراق.
وتضمنت الوثيقة المعنونة: تصورات لمستقبل قوات المملكة المتحدة في العراق والتي كتبها وزير الدفاع جون ريد إلى رئيس الوزراء طوني بلير، تضمنت خطة تخفيض عدد القوات الأميركية من 176 ألف جندي إلى 66 ألفا في منتصف 2006 وتخفض بريطانيا قوتها من 8500 إلى 3000 جندي خلال 9 اشهر". ولم ينف وزير الدفاع صحة الوثيقة وقال إنها ليست قرارا ولكن اقتراح. والخشية أن تبرز مطالبة قوات حليفة أخرى سحب قوتها خاصة القوات اليابانية والاسترالية.
فهل بدأت البراغماتية تعي العلاقة بين هنا وهناك؟ بين الداخل والخارج؟ وان الغرب الذي عاش في سلام داخلي منذ الحرب العالمية الثانية ارتكب حماقة باستيراد الحرب على أرضه حينما أوقدها خارج حدوده؟ وان كل الأسباب التي أوردها كمبرر بصور الأقمار الصناعية عن اسلحة الدمار الشامل العراقية كانت كاذبة باعتراف رجاله وأجهزته وان كل شيء كان معدا مسبقا، وأن المبررات كانت ذرا للرماد في العيون.. وان ما سيق من أسباب لا يبرر حروبه وجرائمه؟ وان الأهداف هي تأمين مصالحه المسماة حيوية ومصالح حلفائه.
هل بدأ الرجال البيض الأذكياء إدراك انه رغم كل معارفهم لما يدور في كوكب الزهرة غير قادرين على حراسة منازلهم ورغم الأقمار الصناعية التي تكتشف أسلحة دمار شامل وهمية في أعماق آبار الصحراء البترولية؟ وهل سيدركون أن المجاعة أيضا قتل متعمد؟ وان حرمان المرضى من الدواء قتل متعمد؟ وان موت 30 ألف طفل يوميا قتل متعمد وان تلويث البيئة قتل متعمد؟
حمل المقال من أسفل

قمة الثماني وتفجيرات لندن .. موسيقى وقنابل ودموع

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك